; وقفات مع مريدي نجيب محفوظ.. الرمزية عند نجيب محفوظ (2) | مجلة المجتمع

العنوان وقفات مع مريدي نجيب محفوظ.. الرمزية عند نجيب محفوظ (2)

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1989

مشاهدات 64

نشر في العدد 898

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 03-يناير-1989

  • المذهبية الفنية لم تخترع إلا لاستخدامها كغطاء لضرب هذا الدين
  • لو كان نجيب محفوظ دارسًا للعقيدة لما تجرأ هذه الجرأة العجيبة على الله عز وجل

صمت «الدكتور محمد حسن عبد الله» -تمامًا- طوال دفاعه عن نجيب محفوظ عن هذه الجرأة العجيبة التي تطاول بها هذا الأديب على الله عز وجل حيث رمز لله تعالى بشخصيات بارزة في رواياته مثل شخصية «سيد سيد الرحيمي» وشخصية «الجبلاوي»، وكما قلنا في المقالة الأولى أن هذه الجرأة ليست وليدة ما يسمونه بالحبكة الفنيَّة في الرواية، وإنما هي خط فكري التزم به الكاتب منذ بداية أعماله الأولى وحتى حصوله على جائزة نوبل، وقد شهد عليه بهذا غير «الدكتور عبد المحسن بدر» الدكتور «عبد الرحمن ياغي» الذي يقول في مؤلفه الذي أشرنا إليه فيما قبل في ص 93 «..... أقول إن مقالات -المجلة الجديدة- الشهرية هي أهم الدراسات بالنسبة لموضوعنا الآن.... ومن أهم هذه المقالات دراسته «الجريئة» عن «الله» عدد يناير 1936 ثم يتابع الإلحاح على هذه القضية مرة أخرى في مقالِهِ «فكرة الله في الفلسفة» عدد يناير 1936».

ولا يعتبر «الدكتور» أن هذه الرمزية جرأة على الله، وإنما هي شدة إيمان بالله لأن الرواية عند نجيب محفوظ ترى أن البداية من الله وأن الحل كله في يد الله فيقول «الدكتور» في ص 18 «إن الحل كله في يد الرحيمي، وإن انتساب الابن لأبيه يعني أساسًا انتفاء الجريمة وعدم وقوعها من الأصل.. الانتساب إلى الأب هو الطريق الطبيعي... البداية من الله لا غير».

هذا الدفاع الذي يقدمه «الدكتور» إدانة خطيرة أخرى لنجيب محفوظ من زاوية أخرى وشهادة في نفس الوقت على تأثره بفكرة التثليث النصرانية حيث يشعر القارئ بشدة هذا التأثير في رواياته من خلال شخصيات الأب والابن ومارجريت والكنيسة.. كما تفوح ارتباطاته النصرانية في الحديث الذي أدلى به الجريدة وطني «القبطية» في 20/12/1964 وقال فيه «كنت منشغلًا بعواطف مختلفة أهمها الإحساس بالوطنية وكان شعوري كوطني هو المسيطر على أفكاري ومشاعري... شعور أي إنسان في أزمة الحرب وشعوره بالتناقض الكبير بين أفكار مضت وأفكار جديدة».

وعن الروح القدس الشق الثالث في فكرة التثليث يرى «الدكتور غالي شكري» وهو أدرى الناس بذلك بالطبع أن «إلهام» وهي واحدة من بطلات روايات نجيب محفوظ أنها هي «سيد الرحيمي في لحظة حضور وتجسد» ويعلق «سليمان الشطِّي» على رأي غالي شكري قائلًا إننا تتحفظ على كون إلهام هي سيد الرحيمي بقدر ما هي طريق يصل إليه» – أي إلى الله. 

وعلى الرغم من أن «الدكتور» قد صمت عن رمزية الكاتب لله تعالى بشخصيات رواياته فإن الكُتَّاب الآخرين قد أفصحوا عن هذه الرمزية.

يقول «محمود أمين العالم» في كتابه «تأملات في عالم نجيب محفوظ من 119» «... لعل الأب هو محور القضية كلها فلتبداً بتأمله إذن من هو هذا الأب حقيقة؟ هل هو أب محدد؟ سيد سيد الرحيمي، زوج السيدة بسيمة عمران ووالد صابر؟ إنه هو إشارة رمزية إلى الله».

أما الدكتور «رجاء عيد» فيقول في كتابه الذي أشرنا إليه سابقًا في ص 69 «......وإذا كان نجيب آثر فكرة الرمز في الطريق... إلا أن الرمز يشف بداهة عن المرموز فلم يكن سيد سيد الرحيمي إلا هذه القوة الغامضة التي تتحكم فينا... لقد بحث وأضناه البحث وبلغ به اليأس مبلغه ولم يبق إلا الإيمان بأن سيد سيد الرحيمي مات وأن الله مات» تعالى الله عما يقولون ويعلق «الدكتور رجاء» في حاشية هذه الصفحة قائلًا «انظر اختيار الاسم سيد سيد وقارئه باصطلاح «ملك الملوك» ولفظ الرحيمي وقارنه «بالرحمن» مثلًا أو «الرحيم».

أما «مصطفى التواني» فيقول في كتابه المشار إليه سابقًا «وقد رأى فيها -يقصد الرواية-عدد من الدارسين مثل «لويس عوض» رواية ميتافيزيقية إذ اعتبروا أن سيد سيد الرحيمي الأب المفقود ليس إلا رمزًا واضحًا بمدلوله الروائي واللغوي «لله» وما بحث صابر عنه إلا بحث عن «الله»، وهو مواصلة للبحث الذي بدأه الكاتب في أقصوصة «زعبلاوي» التي نشرها ضمن مجموعته القصصية «دنيا الله» وبالتالي فإن «الجبلاوي» في «أولاد حارتنا» و «زعبلاوي» و «الرحيمي» و«سر الوجود» في الشحاذ ليست إلا مترادفات المسمى واحد هو «الله»، ولعل أكبر المحتمين هذه الفكرة هو «جورج طرابيشي» في كتابه «الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية» إذ يرى أن السؤال الذي كان يتردد في أولاد حارتنا «أین أنت يا جبلاوي؟» هو محور المرحلة الفلسفية لدى نجيب محفوظ وخاصة في رواياته اللص والكلاب والطريق والشحاذ هذا ولا يغيب عن إدراكنا مغزى ودلالة التفاف هذا الكم من الكتاب والأدباء النصارى حول أدب وروايات نجيب محفوظ.

أما «سليمان الشطي» فيقول في ص 228 «لا جدال في رمزية سيد سيد الرحيمي حيث إن الأبوَّة هنا متجاوزة في حرفيتها وممتدة إلى الأفق الواسع تمامًا كأبوَّة الجبلاوي، فإننا نجد الأبوَّة هنا في أشد صورها شمولًا وأكثر معانيها جوهرية وأصالة فهي إشارة رمزية إلى الله»، ويقول «الشطي أيضًا في ص 229 «لذلك يعتبر الرحيمي رمزًا لمعنى الألوهية في ذات الإنسان»، ويقول أيضًا في ص 215 «إن الاتفاق يكاد يكون معقودًا على سمو الفكرة التي يمثلها الجبلاوي في هذه الرواية التي تمثل قصة البشرية فهو عند البعض رمز للإله، كما أن الحارة تمثل الدنيا وصفاته كلها تثبت ألوهيته في الرواية كلها فهو يشي بالسلام والجلال والرهبة والجمال وما يحيط من جنات وسماوات يدل على هذا».

أمَّا لماذا يلجأ نجيب محفوظ إلى الرمزية، فإن الشطي يجيب عن ذلك في كتابه الذي خصصه كاملًا «للرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ» في أربعمائة واثنتان وثلاثون صفحة فيقول في ص 10 «ولكن للرمز بعض الظروف الخاصة التي تدفع إلى إشاعته أحيانًا بحدَّة وبوضوح، وهذه مرتبطة بالوسط الذي يعيشه الفنان وخاصة إذا كان يسمى في سبيل رسالة معينة أو يقف موقفًا رافضًا من السلطة المهيمنة فينشط الرمز عنده مستجيبًا لهذه الظروف طارحًا من خلاله قضايا حاضرة» وما هي هذه السلطة -في تصورنا- إلا سلطة الدين التي أعلن ثورته عليها منذ مقالته الأولى «احتضار معتقدات وتولد معتقدات».

ورمزية نجيب محفوظ رمزية مفضوحة لا تحتاج إلى كثير عناء في اكتشافها ويقول «التواني» عن ذلك في ص 147 «غير أن رمزية نجيب محفوظ هي كما أسلفنا رمزية مفضوحة أي سرعان ما يكتشفها الكاتب نفسه فلا تحتاج إلى الكثير من الإجهاد لحل مغلقها إذ إنه يلقى لنا المفاتيح هنا وهناك في شكل كلمات أخرى ...» ويؤكد ذلك أيضًا «محمود أمين العالم» فيقول في ص 119 «إن الأمر لن يحتاج إلى اكتشاف رمزي.. حقًا إن نجيب محفوظ لم يترك شيئًا لاجتهاد ناقد».

ولو كان نجيب محفوظ دارسًا للعقيدة وما يرتبط بها كما يقول «الشطي» لما تجرأ هذه الجرأة العجيبة على الله عز وجل ولكان أول ما صده عن الخوض في هذا الطريق امتثاله لقوله تعالى ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ﴾ (الشورى: 11) ولننظر.. ما يقوله الشهيد «سيد قطب» - الذي استشهد به «الدكتور» لبيان إسلامية نجيب محفوظ في تفسيره لهذه الآية يقول «سيد قطب» في ص 3146 من ظلال القرآن «..... ليس هناك من شيء بالله، ليس كمثله شيء والفطرة تؤمن بهذا بداهة.. فخالق الأشياء لا تقاتله هذه الأشياء التي هي من خلقه» أما تفاسير القرآن الكريم فتقول في ذلك «ليس كمثله شيء أي ليس لله تعالى مثيل ولا نظير لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فهو الواحد الأحد الفرد الصمد.. والغرض تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين... والكاف هنا لتأكيد النفي أي ليس مثله شيء، ومعنى الآية ليس كالله جلَّ وعلا شيء وقال القرطبي والذي يعتقد في الباب أن الله جلَّ اسمه في عظمته وكبريائه وملوكيته وحتى اسمه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته ولا يشبه به أحد، وما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي إذ صفات القديم عز وجل بخلاف صفات المخلوق وإذ صفاتهم لا تنفك عن الأعراض والأغراض وهو تعالى منزه عن ذلك، وزاد الواسطي فقال ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، وهذا مذهب أهل الحق».

ولا شك أن حسَّ أي مؤمن يقشعرُّ بعنف لمثل هذه الجرأة على الله تعالى فما بالنا لو أن هذه الرمزية ترتبط عند الكاتب بأمور تضرب هذا الحس في الصميم، مثل رمزیته بموت الله تعالى في موت الجبلاوي أو سيد سيد الرحيمي.. ولا يستطيع مدَّعٍ أن يبرر هذا التطاول بمذهبية فنية لا يقدر على فهمها الذين لا يفهمون في الفن والأدب وهم ما اخترعوا هذه المذهبية الفنية إلا ليستخدموها كغطاء لتحقيق هدفهم الأساسي وهو ضرب هذا الدين كما يبررون هذا التطاول من جانب آخر بقولهم إن الكاتب كان يصور واقع وتطور ونمو الفكرة الدينية، وأنه يسجل أزمة الدين وفكرة الألوهية في عصر العلم.. وهذا القول مردود عليه بأن هذه الأزمة غربية الأساس والمنشأ لتصارع الدين والعلم في بلاد الغرب ولا يحق لهم تصور انسحابها على الإسلام ومن ثَمَّ نقلها إلى بلادنا لأن العلم والدين في الإسلام يتساندان، ويكفينا هنا أن «الشطي» قد حصر نجيب محفوظ في زاويتين، فهو في نظره إما مؤمن، وإما غير مؤمن فلو كان مؤمنًا لما جعل الذات الإلهية تموت. 

ولنتابع المدى الذي وصلت إليه رمزية نجيب محفوظ ولنرى إلى أي مستوى من الانحطاط وصل إليه هذا الكاتب في تطاوله على الله عز وجل يقول «محمود أمين العالم» في ص 120 عن سيد الرحيمي –الأب والإله «..... وهو يستعين بملايينه وثرائه الفاحش للتنقل بين القارات جاريًا وراء النساء لا يعتق امرأة أيًّا كانت في كل ركن من أركان الأرض له أبناء» ويصف لنا «محمود العالم» كيف يطبق هذا المفهوم على الله عز وجل فيقول «وبهذه الكثرة العددية من الأبناء يتغير مفهوم الأبوَّة ويتعالى فوق المفهوم المحدد «الجزئي، إنه هناك يلهو فوق الكرة على حين یتردَّى ابنه في السجن منتظرًا حبل المشنقة» تعالى الله عما يقولون. كما يؤكد «محمود العالم» عدم انفصال سيد الرحيمي الأب عن سيد الرحيمي الإله فيقول «في أكثر من موضع يحرص نجيب محفوظ على هذا المفهوم الرمزي الشامل للأبوَّة وفي أكثر من موضع يحرص كذلك على مفهومها الجزئي المحدد وليس في هذا تناقض فكلا المفهومين متضمن في الآخر».

هذا المعنى الذي شرحه «محمود العالم» في عام 1970 أعاد «التواني» تأكيده بعد سنة عشر عامًا في عام 1986 فيقول في كتابه السابق ذكره في ص 72 «.... ويفهم هذا البعد الميتافيزيقي بسهولة عندما تعلم أن الرحيمي كان يتجول بين القارات مثلما يحول الإنسان بيده فوق الخوان ولا عمل له إلا «الخلق» ممثلًا في ممارسة الحب مع جميع النساء من مختلف الأشكال والألوان والطبقات وفي هذا العدد الهائل من أبنائه المنتشرين في جميع أرجاء المعمورة وهو وحيد واحد لا أخ له ولا أخت ثم إنه رغم طول عمره ما زال يتمتع بشباب وجمال عجيبين ويتصرف في ثروة لا حد لها ... ومن هنا نستخلص أنه يتمتع بصفات أساسية من صفات الله وهي الوحدانية - الخلق - الغِنَى - الجمال - الخلود - القدرة...». 

هل يمكن أن تعتبر بعد كل ذلك أن ما صوره الكاتب هو أمانة رصد ودقة تحليل وعمق إدراك ورؤية وإنه كاتب مؤمن بالقيم العليا وإنه إسلامي النظرة كما يدعي «الدكتور» في ص 67؟

ومثل هذا المنظور نظر «الدكتور» أيضًا إلى رواية أولاد حارتنا فهو يعترف في ص 150 بأن هذه الرواية أثارت لغطًا كبيرًا في دلالتها العقيدية الدينية إلى درجة أن كاتبها أسقطها من قائمة مؤلفاته التي يلحقها بكتبه، وبالرغم من هذا الاعتراف الصريح يعود فيقول إن الرواية «دفاع حار عن القيم الدينية السامية وملحمة بطولية لنبي الإسلام. فالكاتب إذن يتعرض للدين وللعقيدة وللرسول صلى الله عليه وسلم باعتراف «الدكتور» لكنه أي المؤلف لا يهدف من ذلك إلى تعليم الدين ولا تبسيط مبادئه، إنما يقدم الدين والعقيدة في صورة عمل أدبي لهذا يطالبنا الدكتور بأنه عند النظر إلى هذه الرواية يجب أن تحتكم أولًا إلى المقياس الأدبي ثم تحتكم بعد ذلك إلى مقياس العقيدة.

فهؤلاء الذين يحكمون العقيدة على العمل الأدبي كما يقول «الدكتور عبد الرحمن ياغي» عناصر لا تتدبر ولا تتعقل ولا تحسن فهم المذاهب الأدبية.. ولهذا السبب لا يجد مريدو نجيب محفوظ أي حرج في تطاول أديبهم على الله عز وجل والرمز له لسيد سيد الرحيمي أو الجبلاوي وبالتالي فلا يجدون أي حرج أيضًا في تطاوله على الأنبياء عليهم السلام، فقد رمز الأديب في رواية «أولاد حارتنا» إلى آدم عليه السلام «بأدهم» وإلى موسى عليه السلام «بجبل» وإلى عيسى عليه السلام «برفاعه» وإلى محمد عليه السلام «بقاسم» أما الله عز وجل فهو «الجيلاوي» كما رمز إلى العلم الذي يتحدى الدين «بعرفه» ورغم إقرار «الدكتور» بصعوبة اختيار الأنبياء ولو على المستوى الرمزي من الناحية الاجتماعية والفنية فإنه لم يشر إلى ذلك من الناحية الدينية مطلقًا.

وإذا اعترض الغيورون على الدين من جرأة هذه المحاولة قال لهم «الدكتور» «إن المشكلة هي من الناحية الفنية مشكلة –قارئ– الذي يقرأ قصة جبل وفي ذهنه «موسى عليه السلام».... وهكذا حتى نقرأ قصة «قاسم» وفي ذهننا الرسول صلى الله عليه وسلم ويعود «الدكتور» فيطالبنا بأن نقرأ الرواية متحررين من محاولة التنظير المستمر ما دام الكاتب نفسه لم يلجأ إلى المطابقة المطلقة في الرمز واكتفى بالمعنى المجرد العام كما يطالبنا أيضًا بأن ننظر إلى الرواية «كعمل فنِّي» له كيانه الخاص وشخصيته المميزة ولا يحيله إلى الأصل الذي يفرض نفسه على أفكارنا ويصنع تصورنا ويحكمه مسبقًا في حين أن «الدكتور» يقول صراحة في ص 154 «إن القرآن الكريم هو المصدر الأساسي لهذه الرواية -وإن لم يكن المصدر الوحيد- ووجهة النظر القرآنية هي محل الرعاية فيها» فكيف يحجر على القارئ بعد ذلك أن يحيل الرواية على هذا الأصل وأن ينظر إليها كعمل فنِّي وكيف يعطي الحق لكاتبه بأن يتلاعب بالأصل ويعيد صياغة موضوعاته بالطريقة التي يريدها ولا يعطي الحق للآخرين بمحاسبته وردعه.

ولا يهمنا هنا رأي أديب أو ناقد أو متأمل في روايات نجيب محفوظ لأنهم ينظرون إلى هذه الروايات كعمل فنِّي وآخر ما يفكرون فيه هو اتساق هذا العمل أو عدم اتساقه مع العقيدة وحتى إذا فكروا في ذلك، فإنهم ينظرون إلى العقيدة من منظورهم الخاص الذي غالبًا ما يكون متأثرًا بوجهة نظر فلسفية غربية.. كل ما يهمنا هنا هو القارئ الذي تنتقل إليه الفكرة المنحرفة عن العقيدة للكاتب والمغلقة في ثنايا الحوار بين أبطال الرواية.. ونظن أن نجيب محفوظ يتعمد أن تكون رمزيته مكشوفة حتى لا يحتاج القارئ إلى أي جهد للبحث عن الهدف الذي يسعى إلى توصيله إليه، وسنضرب أمثلة لذلك نعرض فيها لفكرة الكاتب ومدى تعبير الحوار عند هذه الفكرة.. والحوار الذي يجريه الأديب على لسان أبطال رواياته جريء وصريح في تعديه على الله وعلى الدين وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وجريء وصريح أيضًا في دعوته إلى الإلحاد مع تزيينه وتحسينه بحيث يصبح الادعاء بأن الكاتب يعرض ذلك من باب الرمز إلى الصراع الفكري بين الإيمان والإلحاد أو بين الدين والعلم نوع من الاستخفاف بالعقول، وهذه الأمثلة للفكرة والحوار على النحو التالي:

أولًا: بيان أن الدين تخلف وأن الدين الحقيقي هو العلم وتصويره للدين بأنه عبث وإنه عائق والله ليس طريقًا يجب أن يسلك.

ما جاء في رواياته:

1-يقول كمال «وما الدين الحقيقي إلا العلم وهو مفتاح أسرار الكون وجلاله ولو بعث الأنبياء اليوم ما اختاروا سوى العلم رسالة لهم.... أما الدين فهو من أقدم الآثار المتخلفة على وجه الأرض فمتَى يشب الإنسان عن طوقه ويعتمد على نفسه؟

2-«إن الإنسان قديمًا واجه العبث وخرج منه بالدين». 

3-مصطفى – ولكن الدين عمر– لم أعد أكترث لهذه العوائق. 

4-يقول النواتي في ص 73، ونجيب محفوظ في هذه الروايات يعرض طريق الدين في صورة اللا طريق «فنری أن سعيد مهران يهرع إلى بيت الجنيدي –الشيخ– في لحظات اليأس ولكنه سرعان ما يرفض دعوته بأن يتوضأ ويقرأ فيقول «وداعا يا مولاي».

ثانيًا: بيان أن الله تعالى خرافة ودعوة إلى الشك في وجوده وإلى التحرر من الإيمان به وتصوير بأن موقف الله من الإنسان موقف انتقامي.

ما جاء في رواياته:

حوار عن الرحيمي – الذي يرمز له نجيب محفوظ بالله:

سألت عنك مرة أخرى

من أنت؟

إلهام

خرافة كالرحيمي

أدرك أنه يسأله عن الرحيمي فقال وهو يمضي مجيبًا سأبحث عنه في القرافة أي «المقابر».

3 - عن مناقشة لوجود الله

معي دقيقة واحدة هل هو موجود «أي الله» بعد حوار يعود قائلًا... لا أحد... يجيبني هل هو موجود؟

أليس من الجائز أنه يملك ولا يحكم؟

طيب يا أخي إذا حكمنا بالفوضَى الضاربة في كل مكان فلا يجوز أن يوجد.

4- «وهكذا يواجه صابر مسؤوليته وحيدًا وأكبر مسؤولية وأخطرها هي الحرية... يقول الطبيب للحمزاوي .... من الآن فصاعدا أنت «أي الإنسان» تحل عن فكرة الله فأنت حر والعقل الصادر عن الحرية نوع من الخلق.

5-يقول «النواتي» في ص 73 «ولكن الله يهمل عبده الإنسان ولا يهرع لمساعدته فقد ألقى به وحيدًا يشق طريقه وسط الظلام ولا بصيص من نور يضيء له السبيل، بل إن هذا الآلة قد أعلن تَبَرُّؤَهُ منه حين قال الرحيمي في المنام لصابر «أبعد عني لا ترني وجهك ولا شأن لي بك... اذهب»، وكان موقف الله من الإنسان موقف انتقامي وقد جاء هذا تعليقًا على رواية «الطريق».

ثالثًا: تطاول على الإسلام ودعوة إلى الإلحاد مع تحسينه وتزيينه ومساواته بالإيمان.

ما جاء في رواياته:

  1. «وفضلًا عن ذلك فإن تعاليم الإسلام تستند إلى ميتافيزيقا أسطورية تلعب فيها الملائكة دورًا خطيرًا ولا ينبغي أن نبحث عن حلول المشكلات حاضرنا في الماضي». 

2- اللهم لطفك يا أرحم الراحمين.

ألا يزال أرحم الراحمين.. وداعًا فلن أعبده بعد اليوم.

3- «تحوَّل كمال إلى الاعتقاد بأنه حينما يتحرر من الدين يكون أقرب إلى الله مما كان في إيمانه به.

4- «أنه لا بد من عنصر الإيمان ولكن ليس بلازم أن يكون الإيمان ديني شريطة أن يكون لإيماننا صدق الإيمان الديني الحقيقي وقدرته المذهلة على خلق البطولات».

5- «واعْتَقَدَ أن للملحد مبادئ كما للمؤمن مبادئ، مثلًا..

إن الخير أعمق أصولًا في الطبيعة البشرية من الدين، فهو الذي خلق الدين قديمًا وليس الدين هو الذي أوجده كما يتوهم... كنت فاضلًا بدين وبغير عقل، أما اليوم فأنا فاضل بعقل وبلا خرافة.

6- بقاء عقيدة أكثر من ألف سنة ليس آية على قوَّتها ولكن على حِطّة بعض بني الإنسان، ذلك عند معنى الحياة المتجددة».

7- ليكن لي في إبليس أسوة حسنة، الرمز الكامل للكمال المطلق وهو التمرُّد الحق والكبرياء الحق والطموح الحق والثورة على جميع المبادئ».

رابعًا: التعرض لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في ثوب من السخرية.

حول انغماس ما يسميهم «برجال الدين» في الرذيلة يرد هذا الحوار:

وبعد الفسق ألم تجد شيئًا يسرك..

قرة عيني في الصلاة

جميل صوتك وأنت تؤذن

2-فماذا تقول وأنت المؤمن الورع في ولعك بالنساء، كان السيد معتادًا لصراحته فلم ينزعج لانقضاضه وضحك ضحكة مقتضبة ثم قال: وما على من ذلك، ألا يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حبه للطيب والنساء». 

خامسًا: هجوم على الأخلاق المنبثقة من الدين

ما جاء في رواياته:

أما أخلاق الدين فيقول عنها مصطفى – الأخلاق التي تديننا أخلاق ميتة مستوحاة من عصر ميت».

سادسًا: هجوم على الإخوان المسلمين في صورة حوار بين واحد من الإخوان وآخر من الشيوعيين.

ما جاء في رواياته:

«فضحك أحمد في سرور: الإخوان يصطنعون عملية تزييف هائلة فهم حيال المثقفين يقدمون الإسلام في ثوب عصري، وهم حيال البسطاء يتحدثون عن الجنة والنار فينتشرون باسم الوطنية والديمقراطية».

«يتبع»

الرابط المختصر :