; وقفة تربوية | مجلة المجتمع

العنوان وقفة تربوية

الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

مشاهدات 66

نشر في العدد 1026

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

شرطان للانتفاع بالعظة

1- شدة الحاجة إليها:

إن حاجة الناس إلى العظة أشد من حاجة الأرض الجدباء إلى الغيث المنهمر، ولا تقل عن حاجة الكائنات الحسية إلى الهواء والماء، وإن كانت نسبة الحاجة متفاوتة كل على حسب تعلقه واتصاله بالله -سبحانه وتعالى- إلا أنها ضرورية للجميع؛ فالموعظة إما أن تكون ترغيبًا، أو ترهيبًا، أو تذكيرًا بأمر، أو نهي، والكلمة الطيبة لها أثر، ولها مكانة في نفس السامع، وإن تأخر تأثيرها ومكانتها في نفس السامع.

يقول د. توفيق الواعي عن أهمية الكلمة وأثرها في تبليغ الدعوة: «هذا ومازال الإنسان يقاد بالكلمة مادامت له أذن تسمع وعين ترى وعقل يفكر، ومازال القول يوجهه ويأسره، ويملك عليه أقطاره، ومازالت الكلمة تقود وتؤثر وتعمل عملها المذهل في النفوس، بل أصبحت اليوم هي القوة المسيطرة والفعالة التي استغلت، فكانت أقوى من الجيوش، وأمضى من الكتائب، وأصبح الغزو الثقافي والفكري اليوم أقدر من الأسلحة، وأفتك من البارود»(1).

2- العمى عن عيب الواعظ:

يقول د. فضل إلهي: «وقد نبه علماء الأمة -جزاهم الله تعالى خيرًا- إلى هذا الأمر، فقد قال سعيد بين جبيرة: «لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ونهى عن منكر» وقال الإمام مالك تعليقًا على قوله: «وصدق، ومن ذا الذين ليس فيه شيء» وذكر القرطبي أن الحسن قال لمطرف بن عبدالله: «عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل. قال: يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر»(2).

إذن نستنتج من أقوال العلماء -رحمهم الله- أن الإنسان غير معصوم من الزلل والخطأ والغفلة والتقصير، ولكن هذا لا يمنع أن يكون ناصحًا وآمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، يقول د. فضل إلهي: «فعلى سبيل المثال يقول الإمام أبو بكر الجصاص: وجب ألا يختلف في لزومه البر والفاجر؛ لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضً أخرى، ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف، ولم يمنعه عن سائر المناكير، فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه».

وينبه الإمام النووي بأسلوب آخر فيقول: «بل عليه الأمر وإن كان مخلًا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر»(3).

وهناك إضافة أخرى وهي أن المتكلم عندما يسمعنا القرآن، ويسمعنا الحديث فنحن في الحقيقة نتأثر بكلام الله -سبحانه- وقول رسوله -صلى الله عليه وسلم، والمتكلم ما هو إلا مبلغ فقط.

المراجع:

1- مجلة البلاغ.

2- شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 23.

3- شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 22.

السبب الرئيسي للخلاف

في سنة 1972 وبالتحديد في مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي الذي أقيم في مدينة (دالاس) استمعت إلى الشيخ الفاضل عبدالله العقيل، وقد قذف بجوهرة من جواهر خبرته الطويلة في مجال الدعوة إلى الله، وإن كانت تلك الكلمة ليست هي الجوهرة الوحيدة في ثنايا محاضرته الطيبة، حيث قال: «إن السبب الرئيسي في الخلاف بين الفئات العاملة في الدعوة إلى الله هو عدم التثبت عند سماع الخبر» وصدق ذلك الخبير فيما قال، فإن الذي يعيش أحداث وتاريخ الدعوة إلى الله، فإنه يلمس هذه الحقيقة، ويتألم كثيرًا لعدم التزام مجاميع كثيرة من الداعين إلى الله هذا الخلق الذي حث عليه القرآن الكريم: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (الحجرات:6) وفي قراءة «فتثبتوا» فالكثير من المواقف والأحكام والبيانات، والتحليلات، والقناعات تتخذ من غير التزام بهذه القاعدة القرآنية العظيمة، ولا بشروطها الواضحة والتي من أبرزها:

1- الاستماع إلى الطرفين.

2- الحياد والعدالة.

3- معاينة مكان الحادث.

4- التأني قبل اتخاذ الحكم.

ولو أن الدعاة إلى الله التزموا بهذه القاعدة، وبتلك الشروط لقطعوا شوطًا كبيرًا في التقارب فيما بينهم، فهم أحق الناس باتباع تلك القاعدة، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: «كفى المرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» ونهي الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن «قيل وقال» فهل يدركون ذلك؟ 

أبو بلال

وقفات في سورة الكهف (السرية)

الإشارة الثالثة: السرية

﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا(الكهف: 19).

 تمر الحركات عمومًا بمراحل عديدة، فمنها مراحل الحذر والخوف، ومراحل الأمن والطمأنينة، ومراحل الترقب، ولا شك أن مرحلة السرية والحذر من المراحل المهمة لكل دعوة وحركة، ولقد مرت الحركة الإسلامية الأولى بقيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بهذه المرحلة في بداياتها عندما كان الكفر محيطًا بهم، والخطر مطبقًا عليهم، فكان الاجتماع سريًا والدعوة سرية ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، وهذا ما حصل من قبل لهؤلاء الفتية في الكهف، عندما أرسلوا رسولهم وأمروه بالحذر والسرية فلا يشعرن بكم أحدًا، فلو شعروا بكم لاستأصلوكم، ولبترت الدعوة من أصولها، وانقطعت عن بكرة أبيها.

 فالسرية ليست عنوان الضعف وليست علامة الجبن، إنما هي مصلحة من المصالح ومرحلة من المراحل تمر بها معظم الحركات، عندما تكون للباطل صولة، فليست هي بدعًا إذن، وقد يقول قائل لماذا نسر بالدعوة مع أننا على حق؟ فنقول: إن الحق شيء، والأسلوب الموصل إليه شيء آخر.

 فالحركة الإسلامية هدفها إحقاق الحق، والوصول إلى ذلك تتعدد وسائله وتتنوع مراحله، فالسرية وسيلة إلى الوصول للهدف المنشود، وليس أدل على ذلك من فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- لذلك، ودار ابن أبي الأرقم عنوان لذلك، وأصحاب الكهف مثلا يحتذى بهم، والسرية ضمان لأمن الأفراد والجماعة، ولقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (غافر: 28) لماذا يكتم إيمانه؟ لأنه يعيش في حجو ملأ الكفر أرجاءه، فلو ظهر به لوجد التنكيل والتقتيل؛ فكانت المصلحة في السرية.

ومن فوائد السرية أيضًا حفظ الخطط والتحركات حتى لا يفسدها أعداء الله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يغزو يكني بخروجه، ويخبر أنه يريد غير الوجه الذي يقصد له إلا في تبوك لبعد المسافة وكثرة المشقة، والكلام عن السرية يجرنا إلى متطلباتها.

أولها: عدم إشاعة الخبر السيئ فإن القلوب كالأرض، بعضها يتشرب الماء وبعضها يحفظه، وبعضها يلفظه، والقلوب بعضها يتحمل الخبر ويتعامل معه بالأمر بالمطلوب، وبعضها يفتتن بذلك، ومن هذا المعنى ما حصل في غزوة الخندق عندما تنامى إلى علم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن بني قريظة قد نقضوا العهد، فأمر الرسول سعد بن معاذ وسعد بن عبادة أن ينظرا بالأمر، وقال لهم فإن كان حقًا فالحنوا إليَّ لحنًا أعرفه؛ أي لا تصرحوا بخيانتهم، ولكن بقول أنا أفهمه فقط، ولا تفتوا في عضد الناس؛ أي لا تضعفوا عزائم الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به بين الناس.

ثانيًا: عدم إفشاء سر الجماعة بتسريب المعلومات إلى أعداء الله، وقصة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة تدل على أن إفشاء السر من الأمور الخطيرة على أمن الجماعة، ولكن الذي شفع لحاطب هو أنه شهد غزوة بدر، ولكن الآن من منا شهد غزوة بدر؟ فلنكن أمناء على أسرار الجماعة، كُتماء لسرها لمصلحة الدين والحق.

ثالثًا: العمل بحذر في حدود نطاق السرية، وهذا ما فعله رسول أهل الكهف عندما دخل القرية التي كان الشرك منهجها ودينها الرسمي في وقت هروبهم، فأمروه أن يأتي بطعام لهم بشرط اعتبار الحذر وأخذ الحيطة ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا

عبدالله القصار

الرابط المختصر :