العنوان المجتمع التربوي (1263)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1263
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 19-أغسطس-1997
وقفة تربوية
بيوت خالية من الحب
الحب عنصر أساسي في بناء الفرد والمجموعة، ومن غير «حب» لا يمكن للفرد أن ينجح في الحياة، ولا المجموعة أن تحقق أهدافها، وما من فرد ناجح في هذا المجتمع إلا ووراء نجاحه حب ملأ قلبه من والديه وأسرته وزوجه وأبنائه، وما من أسرة ناجحة إلا ووراء هذا النجاح حب يتربع في كل زاوية من زوايا البيت، وعكس هؤلاء هم الفاشلون في الحياة والمنحرفون والمجرمون والشاذون، وإذا تعقبت حياتهم تجد أن أبرز سبب من الأسباب التي كانت وراء جرائمهم وانحرافهم هو نقصان أو غياب عنصر «الحب».
إن مما يؤسف له أننا أصبحنا لا نعرف كلمة «الحب» إلا من خلال ما يعرض علينا في الإعلام المرئي أو المقروء من علاقات آثمة تسبق الزواج، أو علاقات عاطفية بين رجل وامرأة تكون نهايته علاقة آثمة، أو زواج أو فراق.
ونسينا أن أعظم معنى للحب هو حب الله تعالى، وحب الحق والحقيقة، وحب الوالدين والأبناء، وحب الزوجة، وحب الوطن، وحب العمل، وحب الأصدقاء، وحب الهواية.
ولأننا حصرنا أنفسنا في ذلك المفهوم الضيق من الحب، أصبحنا نتحرج أشد الحرج أن نتناوله في أحاديثنا حتى لا تتهم بغير ما نريد، بل أصبح هذا الحرج يتسلل إلى داخل البيوت، مما جعل الكثير من الأزواج يتحرج أن يقول لزوجته «حبيبتي» أو أي كلمة من الكلمات التي تدل على حبه لها، بل لا يقبل منها أن تقول له مثل هذه الكلمات، ولئن أخطأت يومًا من الأيام وقالت: «يا بعد قلبي، أموت عليك، من لي غيرك أحبك» نهرها وقال لها: «احنا مو قاعدين نمثل فيلم عربي» من هنا يبدأ الجفاف في هذه البيوت، والذي يعقبه كنتيجة حتمية تشققات تظهر هنا وهناك في ربوع البيت، وإذا كثرت دون أن يدركوها فربما وقعت إحدى زوايا البيت دون أن يشعروا. أبو خلاد
نحو عمل مؤسسي فعال (٥) من (٦).
فن تحديد الاختصاصات وتنسيق المهام.
إعداد: لجان العمل الاجتماعي- جمعية الإصلاح الاجتماعي.
التجارب الإدارية تؤكد أن تقسيم العمل وتحديد قواعده من أهم عوامل النجاح، وعدم الوضوح يؤدي إلى احتكاك الموظفين واعتداء بعضهم على اختصاصات بعض.
من لوازم العمل المؤسسي ثبات الكيان والأعمال بشكل متواصل واستمراريتها بشكل يومي لضمان العطاء والتواصل مع المجتمع.
وقد عني -صلى الله عليه وسلم- بهذا الجانب في قيادته للدولة الإسلامية، وذلك لتولية الأمراء والعمال، وتحديد مهامهم بكل دقة، ومن ذلك ما رواه معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله ﷺ قال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
والمراد بتحديد الاختصاصات هو توضيح المهام الموكلة للأفراد، وتقسيم الوظائف فيما بينهم؛ ليتمم كل منهم الأعمال المكلف بها دون تقصير أو تجاوز لأعمال غيره.
الآثار الإيجابية لتحديد الاختصاصات:
1- معرفة الوظيفة والمهمة المطلوبة من جانب الأفراد ترفع من شعورهم بالمسؤولية تجاه المؤسسة، كما تشكل حافزًا مبدئيًا للتنفيذ الجاد.
٢ - تحديد الاختصاصات لكل فرد يقي المؤسسة من الازدواجية والتداخل في أعمالها، كما أنها تقطع التواكل بين الأفراد.
3- معرفة الفرد بمهامه بشكل واضح تفتح أمامه آفاقًا للإبداع والتطوير والإحسان في إنجازها.
4- تفتح مجالًا للفرد للتخصص ورفع مستوى كفاءته في ذلك الاختصاص الذي وكل إليه.
5 - تسهل عملية المتابعة من قبل المسؤول، كما أنها تمكن الفرد من المحاسبة الذاتية، وتنمية المتابعة والقدرات التنفيذية.
هذا وقد دلت التجارب الإدارية على أن تقسيم العمل وتحديد قواعده من أهم عوامل النجاح، وإن عدم الوضوح يؤدي إلى احتكاك الموظفين واعتداء بعضهم على اختصاصات بعض؛ لذلك كان تحديد الوظيفة وواجباتها وتميزها عن غيرها أول ما يعنى به ترتيب الوظائف، لذا فإن القدرة على تحديد الاختصاصات وتوزيع المهام على الأفراد من أهم مسؤوليات مدير المؤسسة، ويصاحب ذلك أن يكون المسؤول ذا مقدرة على تحديد الاختصاصات بين الوحدات الفرعية للمؤسسة التي يديرها، وذلك على ضوء مراجعة الأهداف العامة للمؤسسة واختصاصاتها، ثم تحليل الوظائف وتكوين الوحدات الفرعية التي يجمع لكل منها المتشابه والمتقارب من الوظائف التفصيلية، وبذلك تتحدد اختصاصات كل وحدة فرعية من وحدات المؤسسة، ويتبع ذلك أن تكون لدى المسؤول القدرة على التنسيق بين تلك الوحدات الفرعية لتنسجم وتتجانس وتتعاون وتتكامل فيما بينها لتحقيق الأهداف الخاصة بكل منها أولًا، والأهداف الرئيسة ثانيًا، ويلزم لنجاح عملية التنسيق هذه ما يلي:
1- استيعاب المسؤول لأهداف واختصاصات المؤسسة والوحدات الفرعية وفهمها جيدًا.
2- القيادة العادلة من حيث الرعاية والاهتمام والتوجيه بين عموم الوحدات الفرعية.
3- غرس روح الإخاء والتعاون تجسيدًا لشعار: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، هذا أساس نجاح التنسيق.
4 - تحديد نظام معين للتنسيق يحدد مسارات العمل واتجاهاتها وأساليب الربط بين وحدات التنسيق فيما بينها.
5 - الربط الدائم للجميع بالأهداف العليا.
٦- غرس معاني التنافس الأخوي لا التنافس الدنيوي البغيض، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وهذا هو البند السادس.
سابعًا- الإشراف المباشر والمتابعة:
المتابعة من أهم واجبات المسؤول وأخطر مسؤولياته، وباستقراء واقع العمل الإسلامي نجد أن أكثر أسباب ضعف الإنتاجية والأداء انتشارًا هو ضعف الإشراف المباشر من قبل المسؤول، وضعف مستوى المتابعة والتقويم؛ لذلك فقد جعلها فقهاء السياسة الشرعية شرطًا في الانتهاض بالسياسة بعد استبانة الأمناء وتقليد النصحاء، قال الماوردي في واجبات ولي الأمر أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التعريض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل، أقضيت ما علي؟ قالوا: نعم، قال: لا، حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا؟
مفهوم الإشراف والمتابعة:
غاية الإشراف والمتابعة هو الاطمئنان إلى قيام الأفراد بواجباتهم ومسؤولياتهم على الوجه المطلوب، ثم التعرف على:
أ- القدرة الحقيقية لهم.
ب - واقعية الأهداف المنشودة.
ج - كفاءة الوسائل المتبعة.
د - المعوقات والمشاكل الحقيقية التي تحول دون الوصول للأهداف.
هـ - تعديل المسار إذا اعوج، وحل المشكلات وتذليل العقبات.
وقد قد كان هديه ﷺ أن يشرف بنفسه على الأعمال، بل ويشارك فيها، فقد غزا ﷺ بنفسه تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منها، وحمل التراب مع صحابته يوم الخندق، فلما رآهم قد تعبوا أخذ يسليهم، ويقول:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فأجابوه:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدا
ولهذا قال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المؤمنين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي» واقتدى به أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فكان يخرج مع جيش المسلمين بنفسه، كما حدث في جيشه الذي أرسله إلى ذي القصة فخرج معهم شاهرًا سيفه، فقال له المسلمون: «لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلًا» فقال: والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي، وعقد لأمرائه ألويتهم، وكانت أحد عشر لواء، وسيرهم إلى مناطق المرتدين، وكتب لكل أمير كتاب عهد مستقل فصل لهم فيه ما يجب اتباعه.
المنهج السليم للإشراف والمتابعة:
1 - لا إفراط في المباشرة: فليس المراد من الإشراف أن يتدخل المسؤول في كل صغيرة وكبيرة، أو اللجوء للتجسس على أفراده أو محاسبتهم وتأنيبهم على كل خطأ دون النظر لما قد يصدر من اجتهاد وحسن نية، فإن ذلك مما يفسد الود، ويغرس سوء الظن، ويفقد الثقة والتي هي أسس العلاقة الأخوية.
ومن سلبيات ذلك:
أ - تحميل المسؤول نفسه ما لا طاقة له به لتعدد الأعمال، وتنوع الواجبات، وقد قال -تعالى-: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ﴾ (سورة المؤمنون: ٦٢).
ب - انصراف المسؤول عن واجباته الأساسية الأخرى، فالمتابعة جزء من مهامه لا ينبغي أن يستغرق جهده كله فيغفل عن التخطيط والتنظيم والتنسيق والنظر العام للمؤسسة، والاتصال مع الجهات الخارجية وغيرها.
ج - المبالغة في المتابعة والإشراف تضعف النواحي القيادية لدى الأفراد؛ حيث يتعود كل منهم أن لا ينفذ الأمر مهما كان جزئيًا إلا بأمر المسؤول ذاته.
د. تأخر الأعمال نتيجة اعتمادها على المسؤول ذاته.
هـ - تعطيل طاقات الأفراد، وسوء استثمار قدراتهم.
٢ - لا تفريط في التفويض: وبالمقابل فإن التفويض المطلق أو ضعف الاهتمام بالمبالغة والإشراف المباشر من شأنه أن يولد سلبيات أخرى، منها:
أ- يتضاءل شعور الأفراد بجدية العمل المناط بهم، وهذا أمر ملموس، فالسؤال عن الأمر دليل الاهتمام به.
ب - جهل المسؤول بما يجري في مؤسسته فقد تقع أخطاء في التنفيذ تنحرف بالمؤسسة عن أهدافها، أو تظهر معوقات تعطل أعمالها، أو قد يحدث إهمال يجمد حركتها ونشاطها، وهذه لا تعرف إلا بالإشراف المباشر.
ج - قد تسبب الاجتهادات الشخصية للأفراد والتي ستظهر في غياب إشراف المسؤول عن ظهور خلافات فيما بينهم.
إذن فالمنهج السليم للمتابعة هو الاعتدال في توزيع الأعمال، وتفويض الأفراد في تنفيذ الواجبات التفصيلية التي تقع ضمن اختصاصهم، مع برنامج متابعة دورية للنظر في سياسات التنفيذ لأجزائه، ومدى تحقق الأهداف، والتعرف بشكل واضح على واقع العمل والعاملين- متابعة تدفع بالعمل والعاملين إلى الأمام في أجواء من الثقة المتبادلة، والحماس المتوقد، والنظر الفاحص، والعطاء المستمر.
جاء في وصية طاهر بن الحسين لابنه عبد الله «واجعل في كل كدرة من عملك أمينًا يخبرك بخبر عمالك، ويكتب إليك بسيرهم وأعمالهم، حتى كأنك على كل عامل في عمله معاينًا لأموره كلها، وإن أردت أن تأمرهم بأمر، فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعاقبة، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع، فأمضه وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به، ثم خذ فيه عدته».
ثامنًا- اتخاذ القرارات:
ما القرار؟ يعرف القرار بالمفهوم القانوني «هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح أو القرارات؛ بهدف إحداث وترتيب مركز قانوني معين يبتغي المصلحة العامة، ويكون ممكنًا وجائزًا قانونًا».
أنواع القرارات:
- من حيث نطاق القرار ومدى عموميته: هناك قرار تنظيمي، أو قرار فردي.
- ومن حيث تكوين القرار: هناك قرار بسيط، أو قرار مركب.
- ومن حيث أثر القرار: قرار ملزم، أو قرار توجيهي.
- ومن حيث قابليته للإلغاء أو التعويض: قابل للإلغاء أو التعويض، أو غير قابل للإلغاء والتعويض.
- ومن حيث برمجتها: قرارات مبرمجة وتتخذ من إجراءات وسياسات وخطط موضوعة، أو قرارات غير مبرمجة وتتطلب مهارة المسؤول وقدراته
أما المقصود بعملية اتخاذ القرارات:
فهي عبارة عن اختيار حل معين من بين حلين أو أكثر من الحلول، وهذا لا يعني أن اختيار الحل أو البديل الأفضل هو عبارة عن اتخاذ القرارات، ولكن يفهم أن عملية اتخاذ القرارات تنتهي باختيار أنسب حل من بين عدة حلول بديلة، وعادة يتم ذلك بعد تحديد للمشكلة، وتحديد بدائل الحل، وتنمية قدرة اتخاذ القرار لدى المسؤول عن المستلزمات القيادية الهامة؛ إذ إن اتخاذ القرارات هو المحرك الديناميكي للأعمال المؤسسية، حيث تبقى الخطط والبرامج والسياسات حبرًا على ورق، إن لم تحركها القرارات الحكيمة والفاعلة من قبل المسؤول، والأمر يتطلب أحيانًا المبادرة وانتهاز الفرص قبل فواتها، كما يلزم أن يكون المسؤول على قدرة بقياس الأمور المستجدة على أصولها التي يعرفها إذا ألمت به الملمات، ولم يتمكن من مشاورة قيادته فبذلك تنمو لديه روح المرونة والجرأة.
كيف تتخذ القرارات؟
هناك قائمة لأسئلة معينة تكون في مجموعها إرشادات للقرار الفاعل:
من: من سيتخذ القرار؟ من المسؤول عن نتائجه؟ من الذي سيشارك فيه؟ من ينبغي أن يحاط علمًا به بعد صدوره؟ من الذي سينفذه؟ من المعني به؟
ما: ما الموجود حاليًا من معلومات وبيانات؟ ما البدائل المطروحة؟ ما فوائد وأضرار كل بديل؟
أين: أين مصادر المعلومات؟ أین موقع اتخاذ القرار؟
متى: متى يكون الوقت ملائمًا لاتخاذ القرار؟ متى يبدأ تنفيذه ومتى سينتهي؟ متى تبدأ متابعته؟
كيف: كيف تدرس المشكلة؟ كيف يبلغ القرار للمعنيين؟ كيف سينفذ بعد صدوره؟ كيف سيتابع؟ كيف نضمن تفاعل المعنيين معه؟
مراحل اتخاذ القرار:
تمر عملية اتخاذ القرار بخطوات معينة، هي:
1 - تحديد المشكلة.
۲ - تحديد المعايير، وإعطاء وزن لكل معيار.
3-جمع الحقائق والمعلومات
4- تحديد البدائل الممكنة.
5- تقييم البدائل واختيار البديل الأمثل.
6- متابعة تنفيذ القرار.
أساليب اتخاذ القرارات:
تتنوع أساليب اتخاذ القرارات في ضوء عدة اعتبارات، أهمها:
-الوقت المتاح لاتخاذ القرار.
-طبيعة القرار كما أشرنا سابقًا.
-درجة الحرص على قبول القرار من المعنيين، وعلى ضوء ذلك يمكن الإشارة للأساليب التالية:
۱ - الأسلوب الفردي بالتشاور أحيانًا أو بدونه.
۲ - الاعتماد على رأي مستشار مختص.
3- إسناد الأمر إلى لجنة مخصصة أو تشكل لهذا الغرض.
4- الاستناد إلى رأي الأغلبية.
5- شرح أبعاد القرار المطلوب اتخاذه للحصول على موافقة الجميع.
٦ - عدم اتخاذ قرار معين لكل مشكلة.
وجاء في وصية طاهر بن الحسين لابنه عبد الله في ولايته، «وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك، فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتًا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤمراته، وما عنده من حوائج عمالك وأمور كورك -أي الجماعة الكثيرة من الإبل أو البقر- ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقًا للحق والحزم فأمضه، واستخر الله -عز وجل- فيه، وما كان مخالفًا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه، وجمع علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وسائل اتخاذ القرار بقوله: «ما خاب من استخار الخالق، واستشار المخلوقين».
تاسعًا- القدرة على التوجيه:
قوام القيادة -مهما تعددت سماتها وأنواعها- قولة أسامة بن زيد -رضي الله عنه-: «لا رأي لمن لا يطاع»، وذلك لا يتحقق إلا بقدرة القائد على سياسة نفسه، فإن قصر عن ذلك كان عن سياسة غيره أشد تقصيرًا، فالسمو النفسي، والتربية الحازمة، والقوة الإيمانية هي منطلق القوة القيادية، حتى يغدو المرء قائدًا وموجهًا بذاته وشخصه، قال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به، وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه، وقال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: «لمجلس كنت أجالسه عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة».
ومن مستلزمات القدرة على التوجيه:
1 - اليقين والصبر مصداقًا لقوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (سورة السجدة: ٢٤)، أي لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، وقال بعض العلماء «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدنيا».
۲ - المشاركة الوجدانية للأفراد، وذلك بحسن الرعاية والرأفة والمحبة الصادقة التي تثمر الثقة والطاعة، جاء في وصية طاهر ابن الحسين لابنه: «تفقد الرعية في دواوينهم وأمكنتهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معاشهم ليذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم، وتزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك، خلوصًا وانشراحًا.
3- إثارة حماس الأفراد لتحقيق أهداف المؤسسة: إن مشاورة الأفراد ومشاركتهم الرأي والقيادة فيها إشعار بأهميتهم وإشباع الحاجة للإنجاز لديهم، خصوصًا إذا ما كانت فعلية ومبنية على أساس من الثقة والصراحة، مما يزيد من تفاعلهم واستجابتهم لتوجهات المسؤول، ويزيد من حماسهم لتحقيق أهداف المؤسسة «فالجماعات التي تحرص على أن يمارس العضو فيها دوره القيادي تسعى لإحياء الطاقات التي وهبها الله إياه»، وهذا يتطلب فطنة المسؤول في ربط أعمال الأفراد التنفيذية بالأهداف الكبرى للعمل الإسلامي، وأهداف المؤسسة بشكل مباشر، مما ينمي الشعور بالمسؤولية والإنجاز والتفاعل لدى الأفراد.
٤- معرفة أساليب التوجيه وأنواعه: يقول الإمام الشافعي في بيان مراتب التوجيه «الموعظة للعوام، والنصيحة للإخوان والتذكرة للخواص منهم، فرض افترضه الله على عقلاء المؤمنين، ولولا ذلك لبطلت السنة، وتعطلت الفرائض».
ولعل من أهم أساليب التوجيه:
أ - الانتصاب قدوة: وذلك بتجسيد المسؤول لمتطلبات العمل المؤسسي وآدابه عمليًا، فذلك هو الأجدر والأكثر فاعلية وتأثيرًا في نفوس الأفراد.
ب - الموعظة الحسنة والنصيحة: فكما أشرنا سابقًا إلى أن العمل المؤسسي في الدعوة الإسلامية ليس عملًا دنيويًا، لا في غاياته ولا ممارساته، بل هو يتفرد عن الأعمال المؤسسية الأخرى بربانية الغاية والمنهج والوسيلة، وكذلك بأساليب التوجيه التي ينبغي أن لا تخرج من هذا الإطار السامي، ولا يختلف اثنان أن الموعظة المخلصة، والنصيحة المؤثرة إذا وجدت لها نفسًا صافية، وقلبًا متفتحًا، وقلبًا حكيمًا متدبرًا، فإنها أسرع للاستجابة، وأبلغ في التأثير، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تتخذ أسلوب الوعظ أساسًا لمنهج الدعوة، وطريقًا إلى الوصول لإصلاح الأفراد وهداية الجماعات.
ج- التعليم والتدريب، وسيرد شرحه بفقرة أخرى.
ه - اكتساب القدرات المؤثرة، ويُعنى بالتأثير أمرين اثنين:
الأول: الفاعلية، وذلك بإنتاج أثر حاسم في زمن محدود، فينتقل الأفراد من مرحلة إلى مرحلة في العطاء والإنتاجية.
الثاني: النفوذ، ويعتبر التأثير بذلك أحد أنواع السلطة، إما بشكل مباشر أو غير مباشر؛ بحيث يصبح الفرد أكثر طاعة واستجابة لما يكلف به دون تسلط أو أوامر متتابعة.
وعناصر التأثير عديدة نذكر منها:
۱ - جودة التفكير وقوة الحجة في الإقناع.
2- القدرة على الحوار واحترام الرأي الآخر تطبيقًا للشورى.
3- رحابة الصدر، وسعة الخلق، والقدرة على التسامح.
4- القدرة على التعبير الجيد.
5 - دقة الملاحظة وشفافية النفس، وتيقظ المشاعر.
6- المرونة والقدرة على مواجهة المواقف المتعددة.
7-رصيد جيد من حفظ كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ.
8-ثقافة إسلامية جيدة.
9- معرفة بالواقع بأحداثه ومتغيراته.
10 - وعي حركي لفقه أولويات العمل الإسلامي، وفهم لخطة العمل المحلية.
ومن صور التوجيه السليم استثمار الطاقات والقدرات المتاحة على الوجه الأمثل وحسن توزيع الأدوار عليها، وقد ذكر الندوي -حفظه الله- منهج النبي ﷺ في ذلك، فقال في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ كيف حول الرسول ﷺ خامات الجاهلية إلى عجائب إنسانية؟ عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناها ولا يعرف محلها، وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض، فأوجد فيها -بإذن الله- الإيمان والعقيدة، وبعث فيها الروح الجديدة، وأثار من دفائنها، وأشعل مواهبها، ثم وضع كل واحد في محله، فكأنما خلق له، وكأنما كان المكان شاغرًا لم يزل ينتظره ويتطلع إليه، وكأنما كان جامدًا فتحول جسمًا ناميًا وإنسانًا متصرفًا، وكأنما كان ميتًا لا يتحرك فعاد حيًا يملي على العالم إرادته، وكأنما كان أعمى لا يبصر الطريق فأصبح قائدًا بصيرًا يقود الأمم: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾، (سورة الأنعام: ۱۲۲)
عاشرًا- التطوير والتدريب.
يقول الإمام الشافعي:
إني رأيت وقوف الماء يفسده *** إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست *** والسهم لولا فراق القوس لم يُصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة *** لملها الناس من عجم ومن عرب
فطبيعة النفس البشرية ترغب بالتجديد والتطوير، وتسأم الرتابة والجمود، والعمل المؤسسي يجمع بين الكيان المادي والعنصر البشري، فالتجديد في الكيان المادي هو تطوير، وفي العنصر البشري تدريب.
تعريف التطور التنظيمي:
هو إستراتيجية تعليمية تهدف إلى تغيير الاتجاهات والقيم والهياكل التنظيمية لأفراد المؤسسة؛ حتى يمكن التأقلم مع الظروف المتغيرة من ناحية التكنولوجيا والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ويتم ذلك في جمع بديع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثوابت ومتغيرات العصر، وكما قيل رحم الله امرءًا عرف زمانه واستقامت طريقته، ويهدف التطور التنظيمي لوحدات ووسائل المؤسسة إلى رفع معنويات الأفراد ودرجة رضائهم وتفاعلهم، وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى ارتفاع الإنتاجية، وهو بذلك قد يشمل:
أ - إنشاء وحدات فرعية جديدة مساندة للوحدات السابقة، أو دمج وحدات معينة لإعطاء قوة دفع أكبر.
ب - تطوير اتجاهات العمل ونظرات الأفراد.
ج - تطوير وسائل الاتصال والتنسيق.
د - تطوير وسائل تحقيق الأهداف وتجديدها شكلًا وموضوعًا.
خصائص التطور التنظيمي الفاعل:
١ - أن يبنى على التخطيط الواعي والمعلومات الصحيحة، ويتجنب العشوائية وردود الأفعال.
2- أن يكون شاملًا للمؤسسة ككل أو للوحدات الفرعية ذات الارتباط الوثيق، أو الوحدة متكاملة.
3- أن تخاطب مجموعات العاملين في المؤسسة، ولا تعنى بفرد أو أفراد معدودين.
4- أن يعطى فترة كافية من الزمن لقياس تأثيره، فكثرة التغيير لها جانب سلبي على نفوس العاملين.
5 - الاستعانة بذوي الخبرة ما أمكن ذلك.
٦ - أن يبنى من خلال مشاركة فاعلة من قبل الأفراد المعنيين.
تدريب الأفراد:
الأعمال والوظائف في العمل المؤسسي ذات طبيعة تخصصية، وكما أشرنا إلى أن التخصص أداة لكفاءة الإنتاجية، فإن نماء القدرات التخصصية ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بأعمال المؤسسة لدى الأفراد يعني ارتقاء ونماء للمؤسسة، وهذه هي غاية التدريب وأهدافه.
وإن كان للأجهزة المعنية بالتدريب دور أساسي في هذا الأمر، إلا أن المسؤول بإمكانه أن يمارس جانبًا من التدريب لأفراده، بل قد يكون تدريب المسؤول أحيانًا -خصوصًا إذا كان ذا صلة مباشرة بأعمال الفرد- أكثر فاعلية.
ومن الأدوار التي يمكن ممارستها من قبل المسؤول في الجانب التدريبي:
ا - حسن اختيار وترشيح البرامج التدريبية للأفراد.
2-اطلاع الأفراد بعد فترة وأخرى على أحدث الإصدارات والتجارب التي تتناول تخصص المؤسسة.
3- حضور الأنشطة العامة في المجتمع ذات الصلة بموضوع المؤسسة.
4- إنشاء مكتبة تخصصية في المؤسسة تجمع الإصدارات المكتوبة والمسموعة والمرئية عن موضوع الدراسة.
5 - استضافة بعض المتخصصين لإلقاء محاضرات أو جلسات حوار مع أفراد المؤسسة.
6- الممارسة العملية للأعمال المطلوبة مع باقي الأفراد.
7- عقد لقاءات حوار لإثراء خبرة الأفراد من خلال مناقشة أوضاع العمل وتقويم خطته.
خالد بن سعيد بن العاص
بقلم: حجازي إبراهيم (*)
هو خالد بن سعيد بن العاص بن أميه القرشي، وكان وسيمًا جميلًا، يكنى أبا سعيد، من السابقين إلى الإسلام، يقال إنه أسلم بعد أبي بكر -رضي الله عنه- تقول ابنته كان أبي خامسًا في الإسلام، قلت من تقدمه؟ قالت: علي بن أبي طالب، وأبو بكر، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم، وقال خالد: أسلمت قبل علي، لكن كنت أفرق أبا أحيحة، يعني والده سعيد بن العاص، وكان لا يفرق أبا طالب(1)، وكان من كتاب الوحي، تقول ابنته أبي أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم(۲).
سبب إسلامه: رأى خالد بن سعيد بن العاص قبل المبعث بيسير نورًا يخرج من زمزم حتى ظهرت له البسر في نخيل يثرب، فقصها على أخيه عمرو، فقال له: إنها حفيدة عبد المطلب، وإن هذا النور منهم، فكان ذلك سبب مبادرته إلى الإسلام(۳).
وقيل كان سبب إسلامه أنه رأي في النوم أنه وقف على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به، وكان أباه يدفعه فيها، ورأى رسول الله ﷺ له أخذًا بحقويه لا يقع فيها، ففزع، وقال: أحلف إنها لرؤيا حق، ولقي أبا بكر -رضي الله عنه- فذكر ذلك له، فقال له أبو بكر: أريد بك خيرًا، هذا رسول الله ﷺ فاتبعه، فإنك ستتبعه في
الإسلام الذي يحجزك من أن تقع في النار، وأبوك واقع فيها.
إسلام خالد
فلقي رسول الله ﷺ وهو بأجياد، فقال: يا محمد إلى من تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع، ولا يبصر، ولا يضر، ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لم يعبده.
قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فسر رسول الله ﷺ بإسلامه، وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه من بقي من ولده، ولم يكونوا أسلموا، فوجدوه، فأتوا به أباه أبا أحيحة سعيدًا، فسبه وبكته، وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه، وقال: اتبعت محمدًا وأنت ترى خلافه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم، وعيب من مضى من آبائهم، قال: قد -والله- تبعته على ما جاء به، فغضب أبوه، ونال منه، وقال اذهب يا لكع حيث شئت؛ والله لأمنعنك القوت، فقال خالد إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، فأخرجه وقال لبنيه لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت بخالد، فانصرف خالد إلى رسول الله ﷺ فكان يلزمه، ويعيش معه.
وكان أبوه شديدًا على المسلمين، وكان أعز من بمكة، فمرض فقال لئن الله رفعني من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة، فقال ابنه خالد عند ذلك اللهم لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك.
هجرته إلى الحبشة: وقد تغيب عن أبيه في نواحي مكة حتى خرج المسلمون إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فخرج معهم ومعه امرأته أميمة بنت خالد الخزاعية، وولد له بها ابنه سعيد بن خالد، وابنته أم خالد واسمها أمة، وهو الذي ولي عقد نكاح أم حبيبة بنت عمه أبي سفيان على رسول الله ﷺ، وهاجر معه إلى أرض الحبشة أخوه عمرو بن سعيد، وقدما على النبي ﷺ بخيبر مع جعفر ابن أبي طالب في السفينتين، فكلم النبي ﷺ المسلمين فأسهموا لهم.
جهاده: وشهد مع النبي ﷺ القضية، عمرة القضاء، وفتح مكة، وحنين، والطائف، وتبوك، وبعثه رسول الله ﷺ عاملًا على صدقات اليمن، وقيل: على صدقات منحج وعلى صنعاء، فتوفي النبي ﷺ وهو عليها، وثبت في ديوان عمرو بن معدي كرب أنه مدح خالدًا لما بعثه النبي ﷺ مصدقًا عليهم بقصيدة يقول فيها:
فقلت لباغي الخير إن تأت خالدًا تسر وترجع ناعم البال حامدًا(٤)
وكان خالد على اليمن، وأبان على البحرين، وعمرو على تيماء وخيبر، وقرى عربية، فلما توفي رسول الله ﷺ رجعوا عن أعمالهم، فقال لهم أبو بكر مالكم رجعتم ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله ﷺ؟ ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا: نحن بنو أحيحة لا نعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ أبدًا.
مشاركته في حروب الردة: وبعد وفاة رسول الله ﷺ ارتد من ارتد عن الإسلام وكان ممن ارتد الله عمرو بن معدي كرب، وقد ارتد مع الأسود العنسي، فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص، فقاتله فضربه على عاتقه فهرب وقومه، وقد استلب خالد سيفه الصمصامة، ثم أسر، ودفع إلى أبي بكر فأنبه وعاتبه واستتابه، فتاب وحسن إسلامه بعد ذلك، فسيره إلى الشام، فشهد اليرموك ثم أمره المسير إلى سعد، وكتب بالوصاة به، وأن يشاور، ولا يولي شيئًا فنفع الله به الإسلام وأهله، وأبلى بلاء حسنا يوم القادسية»(٥).
الصحابة بشر لكنهم خير القرون: وحين قدم خالد من اليمن فدخل المدينة، وعليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتخريقها عنه، فغضب خالد بن سعيد، وقال لعلي بن أبي طالب يا أبا الحسن أغلبتم يا بني عبد مناف عن الإمرة؟ فقال له علي أمغالبة تراها، أو خلافة فقال: لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم، فقال له عمر بن الخطاب اسكت فض الله فاك، والله لا تزال كاذبًا تخوض فيما قلت، ثم لا تضر إلا نفسك، وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر.
أبو بكر يوليه جيشًا: ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد، فقال: ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سيبل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به- هي النجاة التي دل الله عليها، إذ نجي بها من الخزي والحق بها الكرامة.
الصديق عقد الألوية:
ثم شرع الصديق في تولية الأمراء وعقد الألوية والرايات، فيقال: إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه وذكره بما قال، فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام، وولاه أرض «تيماء» يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره، ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، فتقدم إليهم خالد ابن سعيد، فلما اقترب منهم تفرقوا عنه، ودخل كثير منهم في الإسلام، وبعث إلى الصديق يعلمه بما وقع من الفتح، فأمره الصديق أن يتقدم ولا يحجم، وأمده بالوليد بن عتبة وعكرمة بن أبي جهل وجماعة، فسار إلى قريب من إيلياء، فالتقى هو وأمير من الروم يقال له: ماهان فكسره، ولجأ ماهان إلى دمشق، فلحقه خالد بن سعيد، وبادر الجيوش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء، فانطوت عليه مسالح (٦) ماهان، وأخذوا عليهم الطريق، وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد إلى ذي المروة، واستحوذ الروم على جيشهم إلا من فر على الخيل، وثبت عكرمة بن أبي جهل، وقد تقهقر عن الشام قريبًا، وبقي ردها لمن نفر إليه، وأقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصديق، فأمره على جيشه وبعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهور أصحابه الذين هربوا معه إلى ذي المروة، ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمر عليهم معاوية بن أبي سفيان، وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان، ولما مر بخالد بن سعيد أخذ من كان بقي معه بذي المروة إلى الشام، ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة، وقال: كان عمر أعلم بخالد(۷)
الدروس والعبر:
1-الرؤيا الصالحة للكافر أو الفاسق ورؤيا خالد -رضي الله عنه- كانت بشارة له من الله بهدايته، قال أهل العلم بالتعبير للرؤيا: إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فإنها تكون بشرى له بهدايته إلى الإيمان مثلًا أو التوبة، أو إنذار من بقائه على الكفر أو الفسق (9).
2-سياسة التعذيب والتجويع شأن الكفار دائمًا أنهم يعتقدون أن سياسة التجويع أو التعذيب قد تثني المسلم عن معتقده، أو ترده عن إيمانه فيرجع إلى ضلاله القديم، فوالد خالد يضربه فلما أعياه حرمه الطعام والشراب؛ ظنًا منه أن ذلك يرده عن معتقده، ولكن هيهات أن يشع نور الإيمان على قلب، أو تشرق شمس الإسلام على نفس، ثم يطفئه سياط تلهب الجسد، أو جوع أو عطش تتقطع منه الأمعاء، إن الإيمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد، ولا يرتد أحد عنه، ولا محيد لأحد منه، وما أجمل تعبير القرآن على لسان نبي الله شعيب -عليه السلام- حين قال لقومه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (سورة الأعراف: 89) (۱۰).
وكذلك قول سحرة فرعون لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (سورة طه: 72) (۱۱).
وإذا كان سلاح سياسة التجويع استخدم في القديم لرد المسلمين عن عقيدتهم، فإنه يستخدم حديثًا لمنع الشعوب المسلمة من أن تعود إلى ربها، وتحكم شرعه في حياتها، وتقيم منهجه على أرضها يقينًا منها أن ذلك يجعل منهم قوة عظمى تأبي الضيم، وترفض الذل، وتنصر الشعوب الأخرى المستضعفة في الأرض.
3-التضحية في حياة المسلم: إن المسلم من أجل دينه وعقيدته يقدم أغلى التضحيات ويتحمل أشد الصعاب، فخالد يضرب من أبيه، ويحرم من الطعام، ويطرد من البيت، ويحرم من كلام أشقائه وأهله وعشيرته، ثم هو يترك بلده ووطنه، ويضرب في أرض الله الواسعة مهاجرًا إلى الله ورسوله، فيهاجر إلى الحبشة ومنها إلى المدينة، ويظل مجاهدًا في سبيل الله حتى لقي الله شهيدًا، وهكذا يجب أن يكون المسلم.
4-لا موالاة لغير المسلمين: إن المسلم لا يواد من حاد الله ورسوله، ولو كان من أقرب الناس إليه وتأمل خالدًا -رضي الله عنه- حين يرى من أبيه الإصرار على الكفر حتى وهو في مرض الموت، بل وفي تلك اللحظات يبيت النية على أن يستعمل العافية التي يمنحها الله إياه في حرب الله ورسوله، وحينئذ يدعو خالد: اللهم لا ترفعه.
5- الكفر يتناقض مع نفسه: فأبو أحيحة والد خالد بن سعيد يدعو لئن الله رفعني من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة، فمن الله؟ ومن إله ابن أبي كبشة يريد إله محمد ﷺ؟
الله الذي يتوجه إليه بالدعاء في مرضه، هو الله الواحد الأحد الذي يدعو الرسول ﷺ أهل مكة إلى عبادته، وهو الله الذي سوف يعمل أبو أحيحة بكل ما آتاه الله من صحة وقوة حتى لا يعبد أحد في مكة، أي عقل وأي لب يستطيع أن يستوعب هذا؟
٦-مشاركة الزوجة في مشقات الطريق: في حياة خالد نموذج حي للأسرة المسلمة، حيث ترى أن زوجته لازمته في شدائده، وشاركته المحن، وضربت معه في أرض الله الواسعة، فخرجت إلى الحبشة، وما تخلت عنه، ولا أخلدت إلى الوطن، كما أنها لم تفت في عضده، ولم توهن من عزيمته لتقعده عن الهجرة.
وكم يفرح المسلم في يومنا هذا حين يسمع عن بنات الإسلام، وما يقدمن للإسلام، وما يتحملن في سبيل عقيدتهن من محن وشدائد مشاركة لأزواجهن، تسمع أن مسلمة يختطف زوجها في ظلمة الليل البهيم من بين أحضانها، وعلى مرأى ومسمع من أفراخه الصغار ليودع ظلمات السجون، هذه المسلمة لم تهن ولم تضعف، ولم تستكن للظالمين، ولكن صبرت واحتسبت وقامت على صغارها، وظلت على وفاتها لبعلها حتى خرج لها بعد عشرات السنين من خلف القضبان، وكأني بهذه الأسر المسلمة قديمًا وحديثًا تتمثل يقول الله -تعالى-: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 148:146) (۱۲)
7-لا عصمة للصحابة: كل ما وقع بين الصحابة -رضوان الله عليهم- من كلام وخلاف يفهم في ظل أنهم بشر غير معصومين من الخطأ، ولكنهم من أبناء آدم يقع بعضهم في بعض، ولكنهم خير القرون بلا خلاف، وفي إطار هذا الفهم يمكن أن يستوعب المسلم ما وقع بين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وبين خالد بن سعيد -رضي الله عنه- ولذلك نرى أن أبا بكر -رضي الله عنه- مع أنه سمع من عمر -رضي الله عنه- ولكنه عندما بدأ في تولية أمراء بدأ بخالد بن سعيد، وفي هذا درس قيم للعاملين في حقل الدعوة الإسلامية، بأن لا يتأثروا بكل ما يقع بين الأفراد مما لا يسلم منه إنسان.
وكذلك قرار خالد -رضي الله عنه- لا يجرح إيمانه، ولا يقلل من قدره، ولا ينزل من مكانته العالية، فهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، حيث كان خامس خمسة، كما أنه من أصحاب الهجرتين، وفي هؤلاء يقول الله -تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التوبة: 100) (۱۳)
وقد ظل مجاهدًا في سبيل الله إلى آخر حياته حتى لقي ربه شهيدًا، وصعدت روحه إلى باريها محفوفة بأنوار من الأرض إلى السماء، فرضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.
8- إنصاف : إن فهمنا لما سبق يجعلنا ننصف المسلم حين يضعف في موقف شدة، وقد يكون متأولًا فيه، فلا ننسى له سابق فضله، وعظيم جهاده وبلائه، ولنتذكر عفو رسول الله ﷺ عن حاطب بن أبي بلتعه وقد أفشى أسرارًا عسكرية، ومع ذلك يعفو عنه القائد، ولا يستجيب لمن طالبوا بإهدار دمه، ويتأكد ذلك بموقف أبي بكر -رضي الله عنه- من عمرو بن معد يكرب حيث عفا عنه، بعد استتابته، وعرف قدره ورجاحة عقله، فجعله أهلًا للمشورة، وأمر بذلك قائده في القادسية سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وشارك في الجهاد، وأبلى بلاء حسنًا حتى قتل شهيدًا.
وحين يأمر أبو بكر -رضي الله عنه- أن يستشار ولا يولى كأني به يرى أن الشخصية التي دخلت الإسلام، ثم ارتدت، ثم عادت إلى حظيرة الإسلام، هذه الشخصية متقلبة غير ثابتة، وبالتالي فأولى بها أن تظل تحت راية الإسلام، وفي جمع المسلمين ينتفع بخيرها، مع تأمين الزحف الإسلامي من أن تؤتي من قبلها، لو أنها تولت أمرًا ثم تولت عنه.
(*) من علماء الأزهر الشريف
الهوامش:
۱ - الإصابة 2/97.
۲ - سير أعلام النبلاء 1/260.
3- سيرة ابن هشام ١/153 بالهامش.
٤ - الإصابة ٢/92.
5- البداية والنهاية 7/122.
٦- المسالح: هم قوم في عدة بموضع رصد، قد وكلوا به بإزاء ثغر، يتجسسون خبر العدو، ويعلمون علمهم؛ لئلا يهجم عليهم، ولا يدعون واحدًا من العدو يدخل البلاد، وإن جاء جيش أنذروا أصحابهم ليتأهبوا له، لسان العرب بتصرف.
7-البداية والنهاية 7/402.
8-سير أعلام النبلاء 1/260.
9-فتح الباري 12/381.
۱۰ - الأعراف : ۸۹.
۱۱ - طه : ۷۲.
۱۲ - آل عمران : ١٤٦- ١٤٨.
١٣ - التوبة: ١٠٠.