العنوان وقفة مع «أردوغان».. الزعيم البطل (١-٢)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2013
مشاهدات 64
نشر في العدد 2048
نشر في الصفحة 37
السبت 13-أبريل-2013
عندما يكون السياسي أعمى ينتظر الناس كارثة وتصاب الأمة بالنحس وتعظم فيها الكوارث وتكثر فيها الزلازل، ولا تضيع الأمم إلا بأمثال هؤلاء الخاسرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(الأعراف:179).
أما إذا كان السياسي بصيرًا فاقها وفاهمًا العصره وزمانه، وأمينا ومخلصًا ومقدرا لوقته وأوانه، فالخير كل الخير في ركابه، والهدى والبر يكون دائما ببابه، والعزائم تلوذ بأهل العزائم والفضل غالبا يلزم أهل الفضائل.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها *** وتعظم في عين الكبير العظائم
ونحن هنا سنكون في رحاب الرجل المثل والبصير البطل الطيب أردوغان.. إذا أردنا أن نلخص بكلمة قيمة تاريخ رجب طيب أردوغان، فإننا لن نملك إلا أن نقول عنه: إنه ما نفستو الزعماء والعظماء في تاريخ البشرية في الشرق، ومنارة هادية لكل القادة السياسيين والزعماء الكاريزميين الذين يطمحون لتحقيق مكانتهم وسط الشعوب.
قصة رجب طيب أردوغان، فيها من الدروس والعبر الشيء الكثير، فهي تقربنا من شخصية جريئة ومقدامة، وشخصية تدرجت في العمل السياسي والنضال الوطني في وقت مبكر من حياتها، ولهذا فهي تبرز لنا قصة مسار سياسي حافل لشخصية فذة مثل رجب طيب أردوغان».
تبين هذه القصة سيرة شخص استطاع تحقيق نجاح باهر في العمل السياسي، إذ تدرج من مسؤول عن العمل الشبابي الطلابي في حزب السلامة الوطني إلى رئيس للوزراء في أعرق دولة تجمع بين سحر الغرب وجمالية الشرق.
سيرة زعيم سياسي تدرج في العمل النضالي منذ صغر سنه، إلى أن أصبح رئيس وزراء الدولة عريقة، لكن الأهم من ذلك هو أن تاريخه يقدم رسالة قوية ذات دلالات عميقة مفادها: كيف يمكن للنموذج الإسلامي المنفتح والمرن أن يضمن تأييد الجماهير، وأن يتسلل لقلوب الناس قبل أصواتهم، وأن يقدم الدليل على مدى قدرة الفكر الحضاري على الإبداع والتطوير والتجديد وبشكل خاص على إمكانية إرجاع الثقة والأمل في نفوس الشعب، وكان أول عمل مهم لـ أردوغان رئاسته لمدينة إسطنبول.
ولقد شكل ترشح أردوغان، لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى عام ١٩٩٤م، منعطفا ثانيا على درجة بالغة الأهمية، نظرًا لأنه مكن الرجل من صقل تفكيره ومكانته السياسية بشكل كلي وتحول من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي كما ظهر كسياسي محنك له رؤية خاصة.
وباستلهامه لهذه النظرية في العمل، استطاع أردوغان أن يقتحم تجربة رئاسة أكبر بلدية في تركيا، وأن يحقق ما عجز عنه الآخرون.
فإسطنبول كانت غارقة في الأزبال لدرجة لا تتصور، وأيضا كان السكان يعانون من رداءة جودة المياه، ومن الزحام في الشوارع، وما يترتب عن ذلك من تلوث للبيئة وللإنسان، ومن ديون متراكمة وفساد مالي كبير، ومن إهمال للتراث التاريخي الذي تزخر به المدينة الأسطورية، لدرجة أن أصبحت المدينة كأنها مريض على فراش الموت.
في ظل هذه الوضعية المزرية التي تعيشها إسطنبول، سيتولى رجب أردوغان، رئاستها بعد فوزه في الانتخابات البلدية، وقد قدم برنامجا سياسيا تنمويا طموحا، سهر على إعداده نخبة من الخبراء والباحثين الذين كانوا يشتغلون برفقة السيد أردوغان، وقد تمكن هذا الزعيم من خلال هذا البرنامج ومن خلال الدعم الشعبي، أن يحقق لإسطنبول معجزة في ظرف وجيز، فبعد ١٠٠ يوم من توليه المسؤولية سيعيد الروح والأمل لها.
فمشكلة تلوث المياه التي طالما عانى منها السكان، وجدت حلها عن طريق إنشاء خط الإسالة، وهو مشروع ضخم لإدارة المياه والصرف الصحي، علاوة على ذلك تمكن أردوغان من إقامة أول محطة لمعالجة المياه العادمة حتى يتجنب كل الأضرار الجانبية التي يمكن أن تلحق بالبيئة.
ولم يكتف أردوغان بالاهتمام بمشكلة المياه بل انكب على إبراز التراث التاريخي المدينة إسطنبول، حيث خصص اعتمادات مهمة لإعادة إحياء كل المعالم التاريخية التي تزخر بها المدينة، وقد كان هذا الاستثمار قرارا إستراتيجيا، لأنه سيمكن بلدية إسطنبول من عوائد سياحية وتنموية كبيرة جدا، فإسطنبول تعد الآن واحدة من المدن الساحرة في العالم.
ربما يطرح السؤال: كيف حقق أردوغان هذه الإنجازات في ظل فترة وجيزة من توليه المسؤولية ليس هناك مجال المعجزات أو حظ تاريخي ما، بل إن الأمر توقف على طبيعة الشخصية التي يتمتع بها هذا الزعيم، الذي رفع من جاهزية موظفيه إلى أقصى درجاتها، وتتبعه للأعمال بدقة متناهية، وتوظيفه الخبراء أكفاء في مجال تدبير الأزمات، إذ إن كل إشكالية تطرأ أثناء العمل إلا ويتدخل الرئيس ليحلها بكل حرفية ومهنية. فمثلا عندما تعثر مشروع إنجاز المترو، فإنه توجه لعين المكان ليتابع سير الأشغال، وطلب التوضيحات، وقد وجد السبب هو وجود تخوف من الشركة من عدم أخذها مستحقاتها في الآجال المحددة، وهذا ما دفع أردوغان إلى طمأنة المسؤولين بأنهم فور انتهائهم من الأشغال ستكون المستحقات جاهزة.
يستخلص مما سبق أن الأعمال الضخمة التي أنجزت في بلدية إسطنبول برئاسة «أردوغان»، لم تكن لترى النور لولا النهج الديمقراطي الذي تحلى به الرئيس، وأيضا تمتعه بالنزاهة الأخلاقية والخبرة العملية المسنودة بالمعرفة العلمية، ولكن أهم معطى ساهم في هذا النجاح هو الثقة التي يحظى بها من طرف السكان، إذ شكلت عنصر دعم للمشروعات الإصلاحية التي باشرها الرئيس رجب طيب أردوغان...
لم تكن هذه الإنجازات لتمر هكذا، إلا وقد تحركت الآلة التسلطية للدولة لتسقط رئاسة البلدية عن «أردوغان»، وذلك تنفيذا القرار ديوان المحاكمات، وهو قرار جاء نتيجة خوف النظام من انتشار سمعة أردوغان »، وقد كان يعرف أن هذا القرار سياسي بامتياز حيث يقول أردوغان: «إن منافسينا وأصحاب المصالح والقوى الذين يعرفون أنفسهم جيدًا لا بد وأنهم قد فطنوا إلى أنهم لن يستطيعوا أن يتخطونا داخل صناديق الانتخابات، وأنهم لن يتمكنوا كذلك من قتل مستقبلنا، لذا سلكوا مسلكا على هذا النحو، هم وأصحاب المصالح هؤلاء للأسف الشديد لم يروا غضاضة من أن يجعلوا القانون الذي هو حاجتنا جميعا آلة لأفكارهم المصلحية ورغباتهم الدنيئة... إلا أن مجريات الأحداث كشفت هذه المؤامرة، وبدأت تمهد المرحلة جديدة لهذا الزعيم، وهي مرحلة تولي رئاسة الحكومة فما مسارات هذا الإنجاز؟ هذا ما سنجيب عنه في العدد القادم إن شاء الله تعالى.