العنوان لإسلام والكونجرس (32).. وقفة مع إشارات أمريكية عن الإسلام والتنمية
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990
مشاهدات 60
نشر في العدد 948
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 02-يناير-1990
وقفة
مع إشارات أمريكية عن الإسلام والتنمية
-
نورتون: الأمر يحتاج إلى جهود دائبة
وتعاون مع علماء التنمية ذوي التوجه الغربي في العالم الإسلامي التحطيم مقاومة هذا
العالم.
-
علماء التنمية في بلادنا لا يجرؤون على
استخدام مصطلحات ضرب العقيدة أو يتحدثون عن ضرب الإسلام لكنهم يستخدمون بدلًا منها
مصطلحات نفاذة ومؤثرة
تحدثنا
في الحلقة الماضية عن الكيفية التي افتتن بها المسلمون في العالم العربي بالثورة
الإيرانية وردود فعل هذه الثورة عند جماهير الشيعة. كما عرضنا في نفس هذه
الحلقة الكيفية التي حلل بها الأمريكيون سقوط القومية العربية العلمانية الناصرية
والبعثية التي أهملت الإسلام أو جعلت له مكانًا ثانويًا في جدولتها لقضاياها ثم
ظهور الإسلام كبديل لها وانتهينا إلى عرض الآمال الأمريكية في سيطرة الدولة
وتدميرها للإسلاميين وجدب البعث الإسلامي وتجسيد إحساسه بخيبة الأمل.
وسنخصص
هذه الحلقة للملحق رقم «۹» الذي
قدمه الدكتور أوغسطس نورتون بعنوان «التطرف السياسي والديني في الشرق الأوسط»
حصل أوغسطس ريتشارد نورتون على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة شيكاغو
وعرف بكتاباته عن الإرهاب والتطرف الديني والسياسي في منطقة الشرق الأوسط وله
دراسات هامه عن الشيعة والاحتجاج الاجتماعي «بإشراف جامعة بيل» ودراسات أخرى
عن العلاقات الدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية بإشراف جامعة جنوب إلينوي في عام
١٩٨٦.
والواقع
أن قضية الإسلام والتنمية لم تأت في مذكرة نورتون بصورة مسهبة أو تفصيلية وإنما
جاءت في ثنايا تحليله لموضوع التطرف الديني والسياسي ولكنا أثرنا أن نلقي الضوء
على هذه القضية لأهميتها البالغة على الساحة الإسلامية خاصة وأن الكثير من برامج
التنمية في بلادنا أن لم يكن جميعها مرتبطة بالاتجاه الغربي العلماني ولا تضع
للإسلام إلا مكانًا ضيقًا محدودًا لا ثقل له. يقول نورتون وهو يشير إلى جذور
التطرف في العالم الإسلامي اعتقد الكثير من العلماء أن التأثر بالاتجاه الغربي
للتحديث العصري العلماني في برامج التنمية الاقتصادية والسياسية سوف يحد من دور
الدين في سياسة الشرق الأوسط. لقد سعى العديد من القادة السياسيين في الشرق
الأوسط بهمة عالية إلى تبني برامج تنموية لم تفسح للإسلام إلا مكانًا
محدودًا. وقد ساعد فشل محاولات التنمية هذه إلى بعث الإسلام وانتشار الحركات والتنظيمات
الإسلامية التي تبنى بعضها العنف.
وفي
موقع آخر يقول نورتون عن نفس الموضوع: «إن الحقيقة البالغة الأهمية هي أن دول
الهلال الخصيب والخليج تسير في طريق التنمية الوعر الذي يخلف وراءه أناسًا لا
يستفيدون من هذه التنمية».
هؤلاء
هم الذين يحتمل أن يكون الإسلام هو ملاذهم المعتاد. ولهذا فإنه من الضروري
لقادة الشرق الأوسط أن يبحثوا عن حل منصف لقضايا العدالة والمساواة
الاجتماعية. ليس المهم هنا أن نكافي المتطرفين بل المهم أن نعزلهم ولا يتم
هذا العزل إلا عن طريق تأييد سياسات الحكومة في توزيع مصادر الدولة على سكانها ككل.
عدالة
للخداع
يعترف
نورتون في الفقرة الأولى بأن برامج التنمية التي لم تفسح للإسلام مجالًا قد فشلت
وظهر الإسلام على أنقاضها إلا أن نورتون يدعو في الفقرة الثانية إلى عزل الإسلام
عن طريق نهج سياسة تحقق العدالة والمساواة الاجتماعية بين الناس.
والواقع
أن مسألة العدالة الاجتماعية هذه شرك انخدع فيه الكثيرون على أساس أن الإسلام دين
العدالة الاجتماعية لكن التأمل الدقيق في عبارات نورتون يبين لنا أن العدالة
الاجتماعية ما هي إلا أحد الوسائل الهامة لعزل الإسلام. إن في المسألة إذن
سرًا لا بد من الكشف عنه.
العدالة
الاجتماعية التي نصح بها نورتون أسلوب قديم استعملته أوروبا حينما ظهر فساد النظام
الرأسمالي في القرن التاسع عشر وتعرض للانهيار. ونجحت أوروبا باتباع هذا
الأسلوب في إبعاد الخطر عن هذا النظام بل والمحافظة عليه، وها هو نورتون- إن
افترضنا إدراكه لذلك- يعيد محاولة التذكير باستخدام هذا السلاح في البلاد التي
كانت تحت حكم أوروبا للإبقاء على النظام الرأسمالي والسيطرة الأمريكية قبل أن
يكتسحها الإسلام. العدالة الاجتماعية إذن أحكام معيبة يراد بها التخفيف من
الظلم الشنيع الذي تعيش الجماهير تحت ظله.
يقول
نورتون: «لقد ظل تحقيق العدالة الاجتماعية أملًا بعيد المنال في بلاد الشرق
الأوسط. فرص العمل للمتعلمين من الرجال والنساء محدودة الدخل القومي موزع
بطريقة غير عادلة».
ومن
هنا يظهر أن تطبيق العدالة الاجتماعية ما هو إلا عملية «ترقيع» تهدف أصلًا
إلى إطالة أمد النظام الرأسمالي وتثبيته وهي ليست أمرًا ناتجًا عن الإحساس بحاجة
إلى تنمية حقيقية في البلاد أو عن شعور بالظلم الاقتصادي القائم في المجتمع وإنما
هي توجيه متعمد من جانب الدول الرأسمالية فيه تغير في الأسلوب يضمن فتح الطريق
لأموالها في هذه البلاد وفرض سيطرتها عليها بالتالي. وعلى قمة هذه الدول
الرأسمالية الولايات المتحدة.
ورقه
رابحة
وللاستدلال
على صحة ما نقول نستشهد هنا بفقرات أخرى جاءت في مذكرة نورتون عن ضرورة ارتباط
مشروعات رجال الأعمال الأمريكيين بعملية التنمية في البلاد الإسلامية والأخطر من
هذا كله إشارته الصريحة إلى استخدام مشروعات رجال الأعمال الأمريكيين كورقة رابحة
يمكن اللعب بها في الصراع الدائر على أرض العالم الإسلامي.
يقول
نورتون: «لم نر حتى الآن هجومًا ذي بال ضد مصالح رجال الأعمال الأمريكيين
ويعكس ذلك مسألة هامة وهي القبول العملي لهذه الدول لأنشطة رجال الأعمال التي تحقق
لها مصالح معينة، حتى لو استاء النشطون إسلاميًا من الثقافة والقيم الغربية».
ويقول
نورتون في فقرة أخرى: «إن أشد الخطر في الإرهاب المعادي للأمريكيين يكمن في
السهولة التي ينظر بها إلى الأمريكيين كأهداف مشروعة للاعتداء».
وفي
حين أن بعض المراقبين قد فسروا ذلك بأنه عداء لا مبرر له ضد الولايات المتحدة
فإننا يجب أن نضع في الاعتبار أن البيئة التي يحدث فيها هذا العنف ضد الأمريكيين
هي بيئة تنظر إلى الولايات المتحدة بشك وهذه الحالة في أحد جوانبها رد فعل
لسياستها في المنطقة.
إن
هذا يعني أنه في الوقت الذي يكون للولايات المتحدة في هذه المنطقة أعداء دائمون
فإن المناخ الذي يشجع على العنف ضد الأمريكيين عرضة للتحسن.
لعبة
مكشوفة
إنه
أيًا كانت حدة المشاعر الدينية بين النشطين الإسلاميين ضد الولايات المتحدة فإن
شعب المنطقة ككل يتفهم هذا الدور الذي تلعبه عائدات الاستفادة من العلاقات
المتبادلة بين هذه المنطقة ورجال الأعمال الأمريكيين.
وعن
ارتباط رجال الأعمال الأمريكيين بمشروعات التنمية في العالم الإسلامي واستغلال ذلك
كورقة رابحة في التعامل مع هذا العالم.
يقول
نورتون: أما عن مشروعات رجال الأعمال الأمريكيين فإنها ورقة لعب يجب أن نأخذها في
الاعتبار خاصة وأنها لم تتعرض للهجوم.. وصحيح أن المنطقة قد أصبحت أكثر خطرًا
بالنسبة للأمريكيين لكن الأدلة التي أمامنا تقول إن مشروعات رجال الأعمال
الأمريكيين سوف تستمر في لعب دور يلقى ترحيبًا في منطقة الخليج. وتبين
الأحداث الأخيرة الضرورة الملحة في صلة هذه المشروعات ببرامج التنمية المحلية
ولهذا فإنه من المفيد تجنب ظهور الممارسات الفاسدة أو الاحتواء الفعلي فيها.
تبعية
إسلاميه للغرب
هذا
على الصعيد العالمي.. توجيه متعمد السياسات التنمية في عالمنا الإسلامي بحيث
تخدم الاقتصاد الغربي وتساعد على إبقاء النظام الرأسمالي وإطالة أمده واستخدام
مسألة العدالة الاجتماعية في ترقيع كل ما يظهر من فساد في هذا النظام.
أما
على الصعيد الداخلي فإن الأمر يحتاج إلى جهود دائبة وتعاون مع علماء التنمية ذوي
التوجه الغربي في العالم الإسلامي لتحطيم مقاومة شعوب هذا العالم للخطة الغربية
وتعميق تخلفها. وهم يعلمون أنه لا شيء يمكنه أن يقود هذه المقاومة ويقاوم هذه
الخطة إلا الإسلام لهذا فإنه يلزم لهم القضاء على القيم التي يحملها الإسلام بحجة
أنها قيم تقليدية متوارثة تعوق الأخذ بأسباب التنمية واستبدالها بقيم يطلقون عليها
القيم العقلانية الرشيدة على وهم منهم أن الإسلام والعقل لا يتساندان كما في
النصرانية. ولتحقيق هذا الهدف وهو تبني برامج التنمية الموجهة غربيًا، وضع
علماء التنمية في بلادنا خطة من ست نقاط تبدأ بالتحرر من القيود التي يفرضها
الإسلام على المجتمع وضرب القيم التي يحملها وتنتهي بتبني النزعة الفردية التي
تتفق مع قيم النظام الرأسمالي.
أهمية
التعاون مع علماء الغرب
ويشير
علماء التنمية في بلادنا إلى أهمية التعاون مع علماء الغرب في هذا المضمار
والإنابة عنهم في القيام بالبحوث والدراسات اللازمة لأنهم أقدر من علماء الغرب على
فهم لغة المجتمع وثقافته.
يقول
علماؤنا في هذا الصدد: «ولا يمكن أن تثمر الثمرة المرجوة إلا بتعاون علماء من
أبناء البلاد النامية أنفسهم لأنهم أقدر على إجراء تلك البحوث من حيث القدرة على
فهم التيارات والاتجاهات المحلية والقدرة العملية على إجراء البحوث نفسها لأن
مشكلة كاللغة والتقسيمات الثقافية المحلية والقيم والظروف المحلية الإقليمية ليست
عوائق تقف أمام تقديم بحوثهم كما هو الحال بالنسبة للعلماء الغربيين من الأجانب عن
تلك المجتمعات».
ويميز
علماء التنمية في بلادنا ثلاثة مستويات للتعبئة داخل العملية التنموية هي: المستوى
التكنولوجي ثم المستوى الاقتصادي وأخيرًا المستوى الاجتماعي. ويتصورون- عن
جهل- أن الإسلام يدخل تحت المستوى الثالث فقط ولهذا فإنه لا بد من ضرب هذا المستوى
الأخير.
فتح
علماء الغرب الطريق لعلمائنا بتذكيرهم بأهمية المستوى الاجتماعي وارتكاز التنمية
بمعناها الواسع عليه. قال بعضهم: «إن التنمية بمعناها الواسع ليست سوى
عملية اجتماعية تستهدف تحقيق نتائج معينة يمكن وصفها وقياسها باستخدام المفاهيم
الاقتصادية» وقال البعض الآخر: «إن التقدم الاقتصادي متوقف على العديد من
الشروط الاجتماعية وعلى إجراء تعديلات ذات طبيعة اجتماعية وسياسية وعلى تطوير كبير
في النواحي الفردية والجسمية والنفسية وعلى إحداث تغيير إلى الأحسن في العادات
والتقاليد الشائعة في المجتمع».
وهناك
من علماء الغرب «والت روستو» الذي عرف التنمية الاقتصادية بأنها ثمرة بعض
العوامل السياسية والاجتماعية بالمعنى المحدود.
مصطلحات
مؤثرة
ومن
المعروف عن «والت روستو» أنه يحاول في كتبه الموجهة إلى الشرق الأوسط أن
يبين أن عملية التنمية عملية «طويلة» يحتاج تحقيقها إلى المرور بعدة مراحل
تبدأ بمرحلة المجتمع التقليدي وتنتهي إلى مرحلة الاستهلاك الوفير وبذلك يقطع الأمل
في تحقيق انطلاق تنموي سريع يتخطى هذه المراحل الخمس التي حددها.
ويأتي
دور علماء التنمية في بلادنا.. إنهم لا يجرؤون على استخدام مصطلحات ضرب
العقيدة أو يتحدثون عن ضرب الإسلام لكنهم يستخدمون بدلًا منها مصطلحات نفاذة
ومؤثرة لكن وطأتها على السامع المسلم أخف مما لو هاجم الإسلام مباشرة. ومن
هذه المصطلحات البديلة «المجتمع التقليدي الاستاتيكي- القيم التقليدية- القيم
المتوارثة- الثقافة الساكنة أو الراكدة- السلوك التقليدي القيم والعادات والتقاليد
التي تعوق التغير».. وكل هذه المصطلحات تشير بصورة أو بأخرى إلى عقيدة
المجتمع. لكنه من المهم أن نسلم أن هناك قيمًا وتقاليد-ليست من الإسلام
أصلًا- من شأنها أن تعوق عملية التنمية لكن هجوم علماء التنمية عليها لم يكن من
باب ردها إلى الإسلام الصحيح وإنما اتخذوها منفذًا للهجوم على الإسلام كله سواء
بقيمه الصحيحة أو بالقيم التي نسبت إليه وهو منها براء.
أبعاد
هامة
وقد
اتخذ هجوم علماء التنمية في بلادنا على الإسلام ثلاثة أبعاد هامه تدرجت من الهجوم
على استحياء إلى استخدام الرمزية الصريحة وذلك على النحو التالي:
أولًا: نظروا
إلى المجتمع المستند إلى الدين بأنه مجتمع ذو ثقافة ساكنة أو راكدة وذو نظام
اجتماعي جامد وأنه ليست لديه الرؤية النافذة والبصيرة النافذة للظروف والتغيرات
الاجتماعية لأن ظروف هذا المجتمع قد حددها التراث ورسمتها التقاليد غير القابلة
للتغير.
ثانيًا: نظروا
إلى القيم التي تحكم مجتمعاتنا بأنها قيم تقليدية ذات طابع «غيبي» متخلف على
خلاف القيم التي تحكم المجتمعات الصناعية المتقدمة التي رأوها فيها عقلانية مادية
قادرة على السيطرة على البيئة والتحكم فيها واستغلالها وخلق نظم اجتماعيه قادرة على
تحقيق الرفاهية المادية. وفي هذا هجوم واضح على الإسلام وما يتضمنه من ضرورة
الإيمان بالغيب كما جاء في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾
(البقرة:3) ولا يمنع الإيمان بالغيب مطلقًا من السيطرة على البيئة والتحكم
فيها واستغلالها كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية:13) وفي قوله تعالى فامشوا في مناكبها :﴿فَامْشُوا
فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِه﴾ )الملك:15).
ثالثًا: أقروا
بأن النظم الاجتماعية التي يطلقون عليها بأنها نظم استاتيكية بدائية متخلفة تحكمها
معايير وأساليب سلوك تقليديه ذات طابع تدرجي تسلطي يمكن أن تخلق نظامًا ذا فاعلية
لكنهم هاجموها بالرغم من إقرارهم هذا بحجة أنها لا تملك الإمكانيات اللازمة لنقد
التيارات الحديثة أو التصدي لها وأن النظام الاجتماعي الاستاتيكي يفتقر إلى ميكانيزمات
مواجهة التغير لأنه مطبوع على ذلك النظام بأنه أزلي مطلق غير قابل للتغير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل