العنوان وقفة.. من أجل مصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1976
مشاهدات 98
نشر في العدد 289
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 02-مارس-1976
«هذا: نعم… وهذا: لا»
مصر.. ذات وزن غير منكور. ولا متجاهل في الوطن العربي الذي هو جزء من العالم الإسلامي.
ونكتفي بتسجيل هذه القضية المتفق عليها. ولا نخوض الآن في بحث أو ذكر مقومات ذلك الوزن.
وكما يدرك المخلصون- ببواعث نبيلة- وزن مصر. يدرك الخصوم- ببواعث شريرة- وزنها. ومن ثم ركزوا ضغوطهم عليها. وضربوا أطواقهم حولها. كل يريد أن يجعلها قاعدة نفوذه ونشاطه في المنطقة.
خذ مثلًا الروس. والأمريكان. أولئك يريدونها قاعدة لبلشفة الوطن العربي كله. وهؤلاء يريدونها قاعدة لأمركته.
ومن المروع أن عملاء الروس والأمريكان هم أنشط القوى السياسية في ديارنا.
وهذه القوى السياسية التي خانت أمتها في سبيل الولاء للكرملين أو البيت الأبيض. تربط دعم مصر بإخضاع المصريين لواحدة من القوتين الاستعماريتين.
فريق يريد أن يشتريها بالأسلحة وتكاليف السد العالي. و. و!
وفريق يريد أن يشتريها بالقمح والدولار والهدايا الأرستقراطية! وكأن مصر بضاعة في معرض دولي تباع بالمزاد.
وبما أن عون هذه القوى الاستعمارية مشروط بإرجاع مصر إلى عهود الاحتلال والوصاية والاستعمار. فإنه يجب أن يسقط من الحساب. ففقر الدم أفضل من اللقمة الملوثة بالذل والقهر. وذلك لسبب بسيط وهو: أن هذه اللقمة ذاتها لن تذهب «فقر الدم». فمعطوها أنفسهم يخططون ويبنون حساباتهم في المستقبل على أساس أن تظل مصر «فقيرة» لأن امتلاءها بدماء العافية. يهدد الكيان الصهيوني في الصميم وهذا مالا يريده مصدرو اللقيمات.
وهكذا.. لا فقر الدم ذهب. ولا الكرامة بقيت. في حالة قبول العون المشروط.
ومرفوض- من هنا إلى يوم القيامة- كلام من يزعم أن هذه القوى الاستعمارية تقدم عونًا غير مشروط «طالع بتوسع کتاب «المعونات الأمريكية والسوفيتية» لروبرت. س ولترز».
في الجانب الآخر. لا يحل ترك مصر تواجه بمفردها مشكلاتها الاقتصادية الطاحنة. بينما يخوض المترفون من العرب في الرخاء والرغد خوضًا تجاوز حدود التصور وحدود الخيال الاستهلاكي.
بعضهم صنع طيارة خاصة. طليت في الداخل بالذهب. واستغرق تصميمها الخاص ٦٠ ستين ألف ساعة من الوقت!!
وبعضهم يريق على موائد القمار في الليلة الواحدة ما يطعم ويكسو. ويعالج 5 خمسة آلاف أسرة طوال شهر كامل.
وبعضهم يرسل سربًا من الطائرات لجلب نوع معين من الدجاج من أجل إقامة حفل لغانية يستغرق ٤ أربع ساعات.
وبعضهن تستورد- في رحلة واحدة- من المجوهرات والأحجار الثمينة ما يمكن أن ينشئ مدرسة ثانوية- مزودة بكل الأجهزة- تستوعب ألفي طالب.
والترف عام.
أي إنه يشمل الأفراد والدول.
هذا يحدث بينما الناس في مصر يسحقهم الفقر سحقًا مخيفًا.
لذلك نقول: نعم.. يجب أن يقدم العون لمصر. حماية لاستقلالها. ومساهمة في حل مشكلاتها. لا عون البخيل ولا عون المتصدق نفلًا. وإنما عون السخي وعون المنفق وجوبًا.
وفي نفس الوقت. وبمنطق العدل أيضًا نقول: لا.. لبعض الاتجاهات الخاطئة في مصر.
إننا نسمع أساطير لا ندري ما الحكمة من ترديدها؟
- أسطورة تقول: إن مصر ضحت وكافحت وأنفقت ما لديها في سبيل العرب وإن كل مشكلاتها الاقتصادية ناتجة عن قضية فلسطين. وبالتالي الصراع مع الكيان الصهيوني.
إن هذه المقايضة. إهانة قاتلة لمصر ولمكانتها الأدبية. فمعنى هذه المقايضة أن مصر قاتلت ثم جاءت اليوم تطالب بالأجرة وتطلب الثمن!!
إنه تصور بشع. لا منطق فيه. ولا مروءة. ولا ذوق.
وهذه المقولة باطلة من زاوية أخرى. فليس صحيحًا أن قضية فلسطين هي سبب المشكلات الاقتصادية في مصر.
إن الإدارة المهترئة والحروب الجاهلية- مثل حرب اليمن- والإنفاق المذهل على الصحافة والصحفيين في الخارج ابتغاء الدعاية والتطبيل. وظاهرة القطط السمان.
هذا وغيره هو في الحقيقة سبب المشكلات الاقتصادية.
إن كمال الملاخ كتب- في الأهرام- أنه تم التعاقد مع شركة فرنسية لتنظيف مطار القاهرة الدولي.
ما علاقة قضية فلسطين بهذه المشكلة؟
- وأسطورة تقول: إن مصر ينبغي أن تخرج من المعركة فقد كافحت بما فيه الكفاية ومن حقها أن تنام.
وهي أسطورة غبية جدًا. فإن مصر ذاتها في طليعة الدول العربية المراد تدميرها. فكيف تخرج من المعركة وهي في مقدمة المتعرضين للعدوان.
إن احتلال فلسطين قاعدة ارتكاز للتوسع الصهيوني في المنطقة أو إخضاعها للوصاية الصهيونية. وقد بدت ملامح هذه الوصاية في الكتاب اليهودي «إسرائيل عام ۲۰۰۰».
- وأسطورة تقول: إن حل قضايانا في ید أمريكا. وعلينا أن نعتمد عليها لنيل حقوقنا والانتصار على عدونا.
ولأول مرة في تاريخ الأمم المستقلة نسمع أن أمة أنابت غيرها في الكفاح من أجل قضاياها. ولأول مرة تسمع أن أمة تريد نيل حقوقها بواسطة عدوها.. أي أمریکا.
وكما قلنا: نعم. لتقديم العون لمصر. نقول: لا. لهذه الاتجاهات الخاطئة وإن العدول عن هذه الاتجاهات الخاطئة يزيد وزن مصر ويوطد مكانتها ومن ثم يكون العون أكبر وأدوم.
فإن وزن مصر ليس في أهراماتها، وإنما هو في التزامها بقضايا الأمة والتزامها بالعودة إلى مكانتها الإسلامية.