; وقفوهم إنهم مسؤولون | مجلة المجتمع

العنوان وقفوهم إنهم مسؤولون

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009

مشاهدات 124

نشر في العدد 1867

نشر في الصفحة 44

السبت 29-أغسطس-2009

ماتت الزوجة وهي تضع وليدها الثالث فتخلى الأب عن مسؤولياته واختفى تاركًا للعجوز ثلاثة من الأطفال دون عائل.

انتظرت العجوز لابنتها خاطبًا قويًا وفير الرزق ولم تشترط دينه وصلاحه فعاشت ابنتها حياة تعيسة!

امرأة تعدت الستين من عمرها تتحرك متثاقلة بين كومتين من البيض والجبن وقد غيبت جزءا من رصيف ممتد على طول الشارع، وعلى امتداد الرصيف نجد الحركة تدب عليه من صياح للديكة مع بعض البط والأوز والحمام والأرانب، بجانبهم الفواكه بجميع أشكالها وألوانها متجاورين مع الألوان الزاهية المشعة من الخضراوات المبهجة للنفس، وجرائد ومجلات لكل أذواق القراء ورائحة نفاذة لفلافل تقودنا إلى من يحركها وهي تتلظى، متقاذفة من حميم الزيت المغلي؛ مما يجعل لها سحرًا يسيل على أثره اللعاب ناشدًا إياها.

ويتماوج كل ذلك بين باعة جائلين من كل أنحاء محافظات المحروسة قد قدموا من أجل التكسب لإطعام الأفواه المفتوحة التي تنتظر عودتهم لغلقها حينا من الوقت لتفتح مرة أخرى فيخرجوا مبكرين يعملون ليعملوا ثم يعملوا.

كانت بائعة الجبن والبيض جزءًا في هذا النسيج، فبعد أذان الفجر تلتصق وبضاعتها بالرصيف، وقبيل المغرب يخمد كل شيء لترى معالم الرصيف وكأنه ولد من جديد.

كانت في ذلك اليوم قابعة في مكانها وقد کساها الوجوم والحزن؛ مما جعل إحدى زبائنها تتوقف عندها قليلًا بعد الشراء مستفسرة عن حالها.

بكت العجوز فتمايلت بعض البائعات حنوًا عليها، يحاولن تضميد جراحها فألحت عليها زبونتها أن تنفس قليلا عن سريرتها، وكانت القصة التي حفر الزمن فصولها عظة وعبرة فالزمن يمر في سبيله سريعًا لا نكاد نلحقه ولا نرى إلا آثاره يطوي بسرعته صفحات وصفحات كطي السجل للكتب، فلنتوقف قليلًا عند إحدى صفحاته وهي صفحة الحياة التي عاشتها تلك العجوز.

إنها تقطن صعيد مصر، ولم يهبها سبحانه من الأولاد بعد زواجها سوى بنت وحيدة كانت هي النسمة وهي الزهرة وهي البسمة ترعرعت الطفلة لتصبح فتاة يتقدم لخطبتها الفتيان، وكانت الأم تتمنى لحلم حياتها فتى جادًا «كسيبًا»، كما تقول، لكنها لم تسأل عن صلاته ولا التزامه، وجاء القدر المرسوم بعناية فائقة شاب قوي رزقه وفير، ولكنه كان يعمل بالقاهرة، ومعنى ذلك أن ابنتها ستبتعد عنها، وجدت الأم أن الفتاة متمسكة بالفتى فضحت بكل شيء من أجل سعادتها، وتم الزواج بسرعة خاطفة؛ حيث وجدت نفسها وحيدة لا تحمل لابنتها سوى الذكريات التي تحيا بها، وبعض الزيارات المتباعدة، وأرادت أن تملأ الفراغ الذي أصبحت فيه أسيرة، فلم تجد لها سلوى سوى المسجد القريب منها؛ فتعلمت الصلاة، وبدأت تفهم الكثير من الأمور من تعاقب الدروس التي كانت حريصة على متابعتها، وبدأت تتفتح على حياة رائعة جديدة عليها من صيام وقيام وحسن أتناس بالله، وكانت تكثر من ذكر الله وتعظيمه وتسبيحه كما علمها شيخ المسجد.

ثم جاء ميعاد سفرها لابنتها التي كانت على وشك الولادة، ولابد وأن تكون معها، ورأت أول أحفادها طفلة جميلة كما رأتها عيناها.

سعدت بها أيما سعادة، ولم يكن يؤرقها سوى حال ابنتها وزوجها فلا صلاة ولا عبادة والإيمان عندهم مجرد عبارات اعتادوا تكرارها مثل: ربنا يسهل إن شاء الله ربك كبير، ولكن ليس هناك استشعار لوجود إله (الله) مهيمن على حياتهم، فحاولت مع ابنتها حتى سعدت بها ساجدة بين يدي الله، أما زوجها فكان يدعي أنه مشغول ولا يكاد يجد الوقت الكافي لتمشيط شعره؛ فكيف بالوضوء والصلاة، وهو لا يدري أن ما بيسير عليه عمله، ويزيد له في رزقه لقاء مع مالك كل ذلك وسؤاله من فضله مع السعي والعمل.

وسلم كل يوم عهدته لليوم الذي يليه، وجاء ميعاد إنجاب الطفل الثاني، وبالطبع الأم كانت في خدمة الجميع بعد أن جاءت مهرولة من الصعيد، وباشرت ابنتها فوجدت أنها قد تعلمت الأمور المهمة الضرورية من شؤون عقيدتها عن طريق إذاعة القرآن الكريم، كما أوصتها فقرت عيناها والزوج كما هو يأكل ليأكل ويشرب الدخان بشراهة، وقد أصبح مكثه بمنزله أكثر من خروجه مما اضطر ابنتها إلى السعي من أجل إطعام أولادها ؛ فحاولت مرة أخرى معه من أجل فقط الصلاة والطهارة، ولكن الشيطان كان قد افترش عقله وأحكم عليه لجامه، فكان واهن الاهتمامات، تافهًا في أحاديثه كثير الثرثرة قليل العمل ورويدًا رويدًا كانت تتساقط منه معالم الرجولة وصفاتها.

فوضت أمرها إلى الله، وسافرت للصعيد وهي تحمل هم ابنتها التي تعمل منذ الصباح الباكر ومعها صغارها وولج اليوم في اليوم وأصبحت ابنتها حاملًا للمرة الثالثة وقرب ميعاد ولادتها كانت أمها بصحبتها كالعادة وفاجأ فلذة كبدها المخاض الذي التف حول بدنها.

جلست الأم القرفصاء أمام حجرة الولادة وهي تبتهل إلى الله أن تنفض هذه الدقائق الجاثمة على صدرها، وسمعت صراخ الوليد فسجدت لله شاكرة حامدة، ووقفت مترقبة فتح هذه الأبواب الموصدة، ولكنها لم تفتح، تعجبت وأخذت تسأل كل من يروح أو يغدو: أريد رؤية ابنتي والاطمئنان عليها ولا مجيب.

وأخيرًا، خرجت ممرضة على استحياء وحذر وقد شملها الارتباك وهيمن عليها الأسى هرولت إليها وسألتها بلهفة شديدة عن ابنتها فقالت لها: سبحانه أخرج الحي من الميت، إن الطبيبة فعلت المستحيل للمحافظة على حياة الطفل فتجاه الله بأعجوبة، فغرت المرأة فاها قائلة: أسأل عن ابنتي هل هي بخير؟ أجهشت الممرضة في البكاء، وتسرب من بين شفتيها: إنا لله وإنا إليه راجعون احتسبيها عند الله شهيدة؛ فقد قضت نحبها وهي تضع مولودها عكس سمع المرأة كل ما سمعت، وأصرت على ما تتمنى، أريد رؤية ابنتي لأطمئن عليها.

وكانت اللقطة مؤثرة ثبتتها عدسة الزمن في ذاكرة المرأة العجوز، فقد أصبحت فرحة عمرها وبهجة نفسها جسدًا ممددًا بلا حراك، وضعت راحة يدها على وجهها لعلها تبعث فيها الدفء فالحياة ولكن جبهتها كانت كالرخام البارد.

نادت عليها، ولكن أين هي لتجيب؟! أرادت أن تصرخ بكل ما أوتيت من قوة، ولكن عقيدتها وإيمانها بالله أسقط الشيطان من عليائه وتذكرت ما قاله الشيخ في المسجد: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها»، وأخذ الزوج يلطم خديه ويشق جلبابه وهي تنهاه وكأنه لا يراها ولا يسمعها، وكاد الرجل يفقد عقله وهو ينتف شعره، وماذا ستفعل للرجل وقد سلم قيادة نفسه لعدو لا يرحم؟! أصبح المنزل كئيبًا بعد أن انطفأت شمعته وانشغلت المرأة المسكينة المكلومة بالأطفال الثلاثة مما شغلها عن حتى مجرد التفكير وقررت أن تمكث مع أحفادها بقية عمرها وسقى الزمن للزوج إكسير النسيان، وبدأ يبحث عن عروس، ولكن كانت العقبة هي أولاده، فكل من يتقدم إليها تخطو خطوة وتتراجع خطوات؛ فالأطفال صغار وفي حاجة إلى رعاية ومجهود واستيقظت المرأة العجوز يومًا وقد أخفت الحياة زوج ابنتها، فقد هرب تماما من كل مسؤولياته، ولا تدري إلى أين ذهب؟

ولا بد لها مع رعاية الصغار أن تعمل لتطعمهم ولتدفع أجرة المسكن، وشعرت وكأن السماء سقطت على رأسها وخرت الأرض من تحت قدميها، ولم تفكر كثيرًا، فقد وهبها أحد الصالحين جزءًا من زكاة ماله، فرفضت أن تطعم الصغار من الصدقة، فحملت ماعونين كانت تحملهما ابنتها كل يوم ماعون تبيع فيه الجبن والآخر تبيع فيه البيض، وسألت الله المعونة وبعد ركعتين لصلاة الحاجة خرجت إلى السوق بسلاح الصلاة، فقد كانت هي صلتها الأكيدة بالخالق، واشترت وباعت وأطعمت الصغار ونفسها.

ثم راجت تجارتها، وأصبح لها زبائنها وكبر الصغار حتى أصبحت الكبرى في سن الزواج، فاختارت لها من تظنه مصليا ملتزما حتى لا تقع في نفس الفخ الذي سقطت فيه ابنتها، وأخذت تقتطع كل يوم جزءا من قوتها وقوت الصغار حتى أصبح لديها المبلغ الكافي لزواج حفيدتها، وكانت تسأل عن أخلاق العريس حتى اطمأنت له وتحدد ميعاد الزفاف. وفجأة وبلا مقدمات وجدت زوج ابنتها (والد الفتاة) يظهر فجأة كما اختفى فجأة وأخذ يتعذر لها عما بدر منه، وأن هناك امرأة قد احتالت عليه، وهي التي جعلته يهرب ثم سرقت منه شبابه وصحته وماله وبات ليلته بين أولاده وفي الصباح ذهب المال المعد لزواج الحفيدة أدراج هذا الرجل، فكان صباحًا موحشًا أكثر فلذة من صباح موت كبدها، فقد تحطمت كل أحلامها.

استمعت الزبونة بآذان مرهفة ونظرت إلى العجوز التي تجاهد من أجل أن تخطو ومرت الأحقاب الزمنية بسرعة خارقة أمام مخيلتها لتستقر في يوم العرض على الله، كيف سيدافع هذا الرجل عن نفسه بين يدي الله العظيم؟

واستشعرت المرأة وقد انتصبت قامتها، واستقر كتابها بيمينها، وأفاقت على صوت بكاء العجوز فقالت لها: ستتزوج الفتاة بمشيئة الله وفي الموعد الذي حدده الإله، فما دام عملك كان لله وتحملت المسؤولية من أجل رضاه فلا تخشي إلا على أبيهم الذي تخلى عن مروءته ورجولته ودينه، وقالت لمن حولها وهي تعلم أن المرأة لن تقبل الصدقة: نقوط العروس ستقبله الجدة من الآن وتطايرت النقود لتستقر في حجر العجوز محتضنة إياه.

وبعد صلاة الظهر أصبح التسابق والمسارعة لدفع نقوط العروس هو ديدن المصلين، وتسابق أصحاب المحلات المجاورة للمشاركة في هذا العرس، وتم الزفاف في موعده المقرر، ولا عزاء لزوج ابنتها على ضياع هداه.

(*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

222

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

118

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 3

135

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة