; وقف الانتفاضة.. لمصلحة من؟ | مجلة المجتمع

العنوان وقف الانتفاضة.. لمصلحة من؟

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 900

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 17-يناير-1989

. قادة حركة «حماس» يعتبرون أن قرار الانتفاضة لا رجعة فيه... وإن وقف الانتفاضة هو الموت لشعبنا .

. الزوبعة التي آثارها اليهود على بدء الإدارة الأمريكية الحوار مع المنظمة تكتيك معتاد بين واشنطن وتل أبيب.

«إذا وجدنا أنفسنا في صعوبة فإننا نعول على العرب لإخراجنا منها» 

هذا ما قاله بن غوريون في الخمسينيات... وهذا ما تحاول الأطراف الدولية تحقيقه في أواخر الثمانينيات... فالانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة والتي دخلت شهرها الرابع عشر وأسبوعها الرابع والخمسين، أصبحت الهاجس اليومي لسلطات الاحتلال اليهودي والتحدي الكبير الذي يهدد وجوده و يهدد كيانه.

هذه الانتفاضة استعصت على كل محالاوت القمع اليهودية... ولم يؤثر فيها سقوط مئات الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى والمعتقلين.. ولم يؤثر فيها الرصاص الحي أو الرصاص المطاطي أو الزجاجي أو البلاستيكي.... لم ترهبها قنابل الغاز المسيل للدموع ولا القنابل الحارقة ولم يفت في عضدها إبعاد المواطنين.. وهدم البيوت أو تهشيم الأطراف ولا  دفن الناس وهم أحياء... هذه الانتفاضة الإسلامية المباركة أصبحت الخبز اليومي للشعب الفلسطيني المصابر وأصبحت نمط حياة... تأقلم معها وتعود عليها... الآلام والتضحيات أصبحت الوقود وكل شهيد يعطي الانتفاضة عمرًا جديدًا... وهكذا استمرت الانتفاضة متصاعدة ومتعاظمة محققة الكثير من المكاسب في جانب الشعب الفلسطيني، ومحدثة الكثير من التصدعات في المجتمع اليهودي و كيانه البغيض...

 وهكذا مرت الانتفاضة من المنعطف الأول بنجاح وثبات.. مرت من منعطف القمع اليهودي... لكن ما زال أمامها الكثير من العقبات والكثير من المنعطفات... ولعلها أصعب وأخطر من أسلحة الجيش اليهودي...

اليهود الآن يمرون بصعوبة.. بل بأزمة تهدد وجودهم فهل هم حقًّا يعولون على العرب والفلسطينيين لإخراجهم منها؟

وقف الانتفاضة.. الخطر الأكبر

الحقيقة أن الخطر الأكبر المطلوب من الانتفاضة اجتيازه، ولكن بحذر شديد هذه المرة هو خطر إيقاف الانتفاضة.. وخطر كل حل مجتزأ يؤدي إلى القفز على كل الأهداف التي انطلقت الانتفاضة لتحقيقها... وخطر دعاوى الهدنة أو دعاوى التهدئة لفعاليات الانتفاضة انتظارًا لوعود أمريكية أو يهودية.... خطر فرملة الانتفاضة وإيقافها في لحظة من لحظات الحوار السياسي الهادف مع أمريكا أو غيرها من الأطراف الدولية كدليل حسن نية وإثبات عملي لتوجهاتها السلمية المعقولة.

الخطر الكبير الذي يهدد الانتفاضة... وهو الهاجس اليومي للحركة الإسلامية وذراعها في فلسطين المحتلة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» هو أطروحات السلام مع اليهود... قتلة شعبنا وصانعي نكبته... ودعاوى التعايش معهم وكسر «حاجز» العداء معهم من أجل بناء جسور الثقة والمحبة والاحترام بين القتيل والقاتل... والاعتراف بحق الكيان اليهودي في الوجود على أرضنا المقدسة... وحق كيانهم المزعوم بالبقاء والاستمرار على الأرض الفلسطينية المغتصبة... ودعاوى نبذ الإرهاب بكل أشكاله وألوانه.

الخطر الذي يهدد الانتفاضة هو من دعاوى الواقعية السياسية ودعاوى المرونة والاعتدال واعتبار المطالب المبدئية السابقة بأنها تصلب وجهل بحقائق الأمور وضرب من الخيال أو أضغاث أحلام... 

الفرصة الذهبية

الخطر الذي يهدد الانتفاضة بالتوقف قبل أن تحقق شيئًا مما قامت لأجله هو من محاولات الاستثمار السياسي «الغلط» للانتفاضة وعطاءاتها الجهادية المتواصلة... ومحاولات تصوير مطالب الشعب الفلسطيني بأنها تريد حلًا أي حل.... وتريد أرضًا أي أرض.. محاولات الإسراع والتسرع المجنون لاستغلال ما ظنوه «الفرصة الذهبية» التي تمر في محطتنا  خشية أن تذهب الفرصة مرة وللأبد... فرصة الوفاق الدولي.

وتوجه «السادة» الكبار لحل القضايا الإقليمية.

هذه المرة يطلب منهم المعتدلون والواقعيون الحكماء أن يكونوا هذه المرة أكثر عدلًا من قسمتهم الأولى.

يقول أبو أياد «نحن مصممون بشكل صادق على تحقيق تسوية تفاوضية لنزاع الشرق الأوسط»... ويضيف: لكننا إذا لم نحرز تقدما في هذا السبيل فإننا سنرى في المرة الثانية التي يجتمع فيها المجلس الوطني الفلسطيني صعودًا النجم المتطرفين وأفول نجم المعتدلين... وإذا لم يكن هناك حل سلمي فإن المتطرفين سينتصرون في المرة القادمة.

 ولعل في هذا ما يفسر هذه الحركة النشطة جدًّا من أجل الحصول على شيء كثمن لهذه التنازلات... فما عاد في الأيدي أوراق للعب فيها في الجولات القادمة... فالخشية أن يأفل نجم «المعتدلين» في المرحلة القادمة إن لم يحققوا شيئًا. 

الالتفاف على الانتفاضة بالحوار الجوهري

والحقيقة أن الطرف الأمريكي الذي وافق مؤخرًا على إجراء حوار جوهري مع منظمة التحرير الفلسطينية لم ينطلق بذلك من واقع أخلاقي أو التزام بإنصاف  الشعب الفلسطيني  أو محاولة جادة للوصول إلى حل عادل... وإنما يهدف أولا وأخيرًا إلى إنقاذ «الكيان اليهودي» من «ورطته» التي تهدده وتهدد كل المصالح الأمريكية والاستعمارية في المنطقة... ويخشى أن يمتد هذا الخطر ويتوسع ليهدد حلفاء أمريكا في المنطقة... والقول إن الإدارة الأمريكية انطلقت بمبادرة الحوار وحدها وإنها فاجأت الكيان اليهودي... ثم المعارضة اليهودية لهذا الحوار.... وكل «الزوبعة» التي أثيرت حوله ما هي إلا ضرب من التكتيك المعتاد بين واشنطن وتل أبيب من أجل تنسيق المواقف. فحكومة العدو تعرف مقدار التزام الإدارة الأمريكية بها ... المهم أن هذا الحوار في الحقيقة يأتي في سياق محاولات الالتفاف على الانتفاضة المباركة تمهيدًا لوقفها وإنقاذ «إسرائيل» من الصعوبة التي تمر فيها.... لكن هذه المحاولة أكثر ذكاء ودهاء من وسائل القمع المباشرة.

ولعل البيان الذي أصدره الرئيس الأمريكي ريغان والذي يرخص فيه بإجراء حوار مع المنظمة يشير إلى شيء من هذا حيث ورد فيه:

«والحقيقة أن أحد الأسباب الرئيسية لإجرائنا هذا الحوار هو مساعدة إسرائيل على تحقيق الاعتراف والأمن اللذين تستحقهما».

وهكذا فإن المعسكر المعادي «الإدارة الأمريكية والكيان اليهودي الغاصب» ضمن الاعتراف به وبحقه في الوجود على أكثر من (70%) من أرض فلسطين بمجرد أن وافقت أمريكا على التحادث مع المنظمة... ودون أن يعدوا هم بشيء وقبل أن توافق دولة العدو على المفاوضات.. ومع ذلك فإن هذا الحوار الجوهري الذي حقق كل هذه الإنجازات لدولة العدو... مرشح للتوقف أو التجمد في أية لحظة وبأهون الأسباب خلال جولات الحوار القادمة.

ونعتقد أن موضوع «الهدنة» أي وقف الانتفاضة من أجل إعطاء الحوار دفعة جديدة وأجواء مناسبة... سيكون الموضوع ذا الأولوية على جدول أعمال المفاوض الأمريكي.

تحويل الأقوال إلى أفعال

هذا فعًلا ما يصر عليه الكيان اليهودي... الذي يرفض الحديث عن أية ترتيبات أو مفاوضات قبل إيقاف الانتفاضة... وهو رد باللامبالاة على كل الأطروحات التي تقدم بها الطرف الفلسطيني وعلى كل التنازلات وحتى على الاعتراف بحقهم في الوجود وعلى المناداة بالتعايش معهم... فكل هذه الأمور مهمة جدًّا للعدو لكنه لم يبد سروره بها من أجل نزع المزيد من التنازلات وأهمها «الانتفاضة»، وما زالت دولة العدو تعتبر كل هذه التنازلات الفلسطينية تكتيكا وأن الطرف الفلسطيني ما زال يهدف إلى تدميرها وأنه «من الذين يقولون ما لا يفعلون»... حيث يدينون الإرهاب ويستمرون في الانتفاضة... وبالتالي فإن الكيان اليهودي يصر على عدم تقديم تنازلات -إن كان سيقدم شيئًا- قبل وقف الانتفاضة حتى لا يتجرأ الناس أكثر ويطالبوا بالمزيد من التنازلات باعتبار أن دولة العدو تستجيب للضغوط والقوة.

وزير الخارجية في حكومة العدو الجديدة موشيه أرينز يقول: «إن لمنظمة التحرير الفلسطينية سجلًا في الإرهاب عمره 25 عامًا.. إن الذي يعتد به ليس ما يقولون ولكن ما يفعلون».

أما وزير المالية (المرشح الرسمي للبعض) شيمون بيريز فقد قال في تصريح لشبكة سي بي إس الأمريكية: «يجب وضع تصريحات عرفات تحت الاختبار... إن الانتفاضة يجب أن تتوقف حتى يمكن إجراء محادثات سلام».

المنظمة... مع استمرار الانتفاضة

والواقع أن منظمة التحرير الفلسطينية تصر الآن على استمرار الانتفاضة وتصاعدها وهي ورقة الضغط الوحيدة التي أصبحت الآن في أيدي الزعماء الفلسطينيين من أجل إجبار الطرف الأمريكي اليهودي على التنازل.... واستمرار الانتفاضة وتصاعدها يخدم بلا شك في هذه المرحلة تقوية الموقف التفاوضي للطرف الفلسطيني... بل إن توقفها أو تهدئتها في هذه المرحلة دون تحقيق شيء يعني سهولة استبعاد «م. ت. ف» كطرف مفاوض في عملية السلام... ويعيد القضية إلى أجواء ما قبل الانتفاضة وما رافقها من محاولات دولية وعربية لتهميش دور المنظمة وفرض حلول للقضية دون مشاركتها.

هذا فقد أشار أبو عمار في مؤتمره الصحفي في جنيف الذي اعترف به في حق «إسرائيل» في الوجود وبالقرار 242 وينبذ الإرهاب... أشار في نهاية حديثه إلى أن الانتفاضة ليست إرهابًا ولا يستطيع أحد أن يوقفها..

وهذا ما أكده ثانية في الرياض بقوله: «أي زعيم فلسطيني يدعو لهدنة أو إنهاء للانتفاضة في الأراضي المحتلة فإنه لا محالة سيواجه رصاص شعبه لذلك سارع إلياس فريج رئيس بلدية بيت لحم إلى سحب اقتراحه القاضي بوقف الانتفاضة فترة منالزمن تمهيدًا للمفاوضات... بعد أن ملأت الشعارات والعبارات المنددة به وبتصريحه الجدران في بيت لحم وشعر أن مصيره اقترب على أيدي شباب الانتفاضة.

هذا الموقف لمنظمة التحرير سيتعرض للكثير من الضغوط والإغراءات بنفس الوقت ومحاولات الالتفاف من أجل زحزحته للقبول بوقف مؤقت للانتفاضة خاصة في مراحل الحوار المتقدمة.... والذي يخشى معه أن تستجيب المنظمة لهذه الإغراءات أو الوعود كما استجابت للشروط الأمريكية الثلاثة لمجرد وعود بإجراء حوار مع الإدارة الأمريكية.

حماس: قرار الانتفاضة لا رجعة عنه

والحقيقة أن موقف حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين المحتلة واضح من هذه القضية عبر تأكيدها في بياناتها على ضرورة استمرار وتصاعد الانتفاضة المباركة وعدم الالتفاف لدعاوى الحلول السلمية أو دعاوى الهدنة ووقف الانتفاضة.

قادة حركة «حماس» يعتبرون أن قرار الانتفاضة لا رجعة عنه ولا يملك أحد ذلك.. وهم يعتبرون أنفسهم كالذي يصعد درجات السلم.. وكلما صعد درجة حرق التي سبقتها.. فوقف الانتفاضة هو الموت للشعب ووقف الانتفاضة يعني إعطاء دولة العدو فرصة لالتقاط أنفاسها وتجميع قواها من أجل مزيد من القمع ومن أجل القضاء على أية محاولة للوقوف في وجوههم أو التصدي لوجودهم.. وقف الانتفاضة يعني استفراد الجيش. اليهودي بشعبنا قرية  قرية ومدينة مدينة.. ومخيما مخيما... من أجل لملمة كل الشباب وكل النشطاء واعتقالهم وتعذيبهم أو قتلهم أو إبعادهم دون أن يكون لذلك معارضة تذكر.. وقف الانتفاضة يعني باختصار الموافقة على بضع عشرات أخرى من السنين تحت الذل والقمع وتحت الإهانة اليهودية.

لذلك فإن موقف حركة المقاومة الإسلامية «حماس» إستراتيجيًا يعني ضرورة المواصلة مواصلة الطريق الشاق رغم وعورته... والتعود على ذلك والتأقلم على نمط حياة جهادية يومية.. والحركة لن تستجيب لدعاوى وقف الانتفاضة بغض النظر عمن يطلقها.. وستستمر في الدفع لاستمرارها وتهيئة الناس لجهاد طويل النفس.. فحركة «حماس» التي فجرت هذه الانتفاضة لم تكن تهدف إلى تحقيق التعايش مع اليهود.. أو الاعتراف بوجودهم الباطل.. ولم تكن تهدف إلى مفاوضة سلطات الاحتلال.. وإنما هدفت إلى نزع الوجود اليهودي الباطل عن أرض فلسطين المقدسة وهذا الوجود لا زال يلقي بثقله الكئيب على أرضنا ومقدساتنا لذلك فإن الانتفاضة ستستمر بإذن الله.

هذه الانتفاضة تفجرت بعد أن يئس الناس من الأنظمة والمنظمات أن تأتيهم بالنصر... وهذه الأنظمة والمنظمات لا زالت عاجزة عن صنع هذا النصر؛ لذلك فان الانتفاضة ستستمر بحول الله... وهذه الانتفاضة هي قرار الشعب كل الشعب ولا يملك كائنًا من كان إيقافها «وهي ليست لعبة أو آلة توقف بكبسة زر».

وأخيرًا... لا لنداء الملوك

لقد سمع شعبنا نداء الملوك العرب بوقف الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936 الذين خاطبوه قائلين: «حضرة رئيس اللجنة العربية العليا ... إلى أبنائنا عرب فلسطين لقد تألمنا كثيرًا للحالة السائدة في فلسطين فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم للإخلاد إلى السكينة حقنا للدماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة التحقيق العدل.. وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم»...

وكان ما كان.....

لكن شعبنا الفلسطيني المجاهد تعلم دروس التاريخ... وهو لن يلدغ من جحر واحد مرتين إن شاء الله، وهو ما عاد يثق بمثل هذه النداءات ولا بحسن نوايا الأصدقاء، وسيتذكر مع كل دعوة للهدنة أو وقف للانتفاضة نداء الملوك... الذي يجيء في اللحظات الحاسمة ليس لإنقاذ شعبنا أو الانتصار له وإنما لتحقيق مقولة بن غوريون التي بدأنا بها المقال.

الرابط المختصر :