; ولا تهنوا | مجلة المجتمع

العنوان ولا تهنوا

الكاتب د. عيد عبد الحميد

تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002

مشاهدات 52

نشر في العدد 1517

نشر في الصفحة 26

السبت 07-سبتمبر-2002

تملكتني مشاعر الحزن والأسى عقب الجريمة النكراء التي ترتكبها يهود ضد إخواننا المرابطين في غزة هاشم؛ فانكببت على كتاب الله تعالى مستخرجًا من كنوزه ما يبلسم الجرح.

عني الشارع الحكيم بكتائب الحق المجاهدة أيما عناية، ولا أدل على ذلك من أنه واكب مسيرتها بالتوجيه والرعاية منذ اللحظة التي عزمت فيها أن تنازل أهل الضلالة والغواية حتى إذا ما احتدم الصراع ضربت عليهم من ربهم الولاية؛ إذ جاءت التوجيهات الربانية العلية لتشد من عزائمهم وتذكي هممهم على طريق بلوغ الغاية غاية إعزاز الدين ونصرته ودحر الباطل وكسر شوكته، حتى إذا ما شارفت الجولة الجهادية على النهاية، طالعتها التوجيهات القرآنية لتنور طريقها وتحوطها بالنصح والهداية.

وتفصيل ذلك أن كتاب الله المجيد قد حمل بين طياته للعصبة المجاهدة جملة من النصوص تنهاهم عن وهن مخصوص، فكان أن نهتهم عن الوهن قبل نشوب المعركة وفي خضمها وعقب انجلاء غبارها، وساقت مع كل نهي مسوغاته ووضحت مقتضياته.

قبل المعركة

فأما النهي عن الوهن قبل المعركة فأفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104).

أي «لا تضعفوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال» الرازي (6/31) بل «جدوا فيهم وقاتلوهم واقعدوا لهم كل مرصد» ابن كثير (2/403) مبينًا مسوغات هذا النهي بأن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104) «فكما يصيبكم الجراح والقتل فكذلك يحصل لهم» تفسير ابن كثير (2/403).

ومن مسوغاته أيضاً قوله ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء:104) أي «رجاء الشهادة إن قتلوا ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا ورجاء الثواب في الأحوال كلها»، (تفسير ابن عاشور 5/190) وعليه «فأنتم أحق بالصبر منهم وأولى بعدم الضعف منهم، فإن أنفسكم قوية لأنها ترى الموت مغنمًا، وهم يرونه مغرمًا» (فتح القدير للشوكاني 1/650)، وهذا يقتصي المبادأة بالغزو وألا يتقاعسوا حتى يكون المشركون هم المبتدئين بالغزو، فالمبادئ بالغزو له رعب في قلوب أعدائه، قال السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: «لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وهن القلب مستدع لوهن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم.. فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية أنه لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام، وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة ويدال عليه أخرى» (تفسير السعدي ص 199)، والمؤمنون إنما يتوجهون إلى الله بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم، فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون لا يتوجهون لله ولا يرتقبون عنده شيئًا في الحياة ولا بعد الحياة، فإذا أصر الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارًا، وإذا احتمل الكفار آلامها فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام، وما أجدرهم كذلك ألا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم للقتال، وتعقب آثارهم حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.. ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة، معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين؛ لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل، ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها معركة مكشوفة متكافئة ولكن القاعدة لا تتغير، فالباطل لا يكون بعاقبة أبدًا، حتى ولو كان غالبًا! إنه يلاقي الآلام من داخله من تناقضه الداخلي، ومن صراعه بعضه مع بعض ومن صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء، وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار، وأن تعلم أنها إن كانت تألم فإن عدوها كذلك يألم. والألم أنواع، والفرح ألوان ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104) وهذا هو العزاء العميق، وهذا هو مفرق الطريق ﴿كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والفرح (الظلال 2/750).

النهي عن الوهن في خضم المعركة

وأما النهي عن الوهن في خضم المعركة فجسده قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 35). قال قتادة رحمه الله تعالى: «لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت لصاحبتها ودعتها إلى الموادعة» تفسير الطبري (26/63) فقد نهاهم عز وجل عن إسلام أنفسهم لخواطر الضعف، والعمل بهذا النهي يكون باستحضار مساوئ تلك الخواطر، فإن الخواطر الشريرة إذا لم تقاومها همة الإنسان دبت في نفسه رويدًا حتى تتمكن منها فتصبح ملكة وسجية؛ فالمعنى ادفعوا عن أنفسكم خواطر الوهن واجتنبوا مظاهرها التي أولها الدعاء إلى السلام فهو المقصود بالنهي، قوله: ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ من باب عطف الخاص على العام، وقد خص بالذكر لئلا يظن أن فيه مصلحة استبقاء النفوس والعدة بالاستراحة من العدوان على المسلمين، فذلك يعود عليهم بالمعرة والمضرة، لأنه يحط من شوكتهم في نظر المشركين فيحسبونهم طلبوا السلم عن ضعف فيزيدهم ذلك ضراوة عليهم ويستخف بهم بعد أن أخذوا من قلوب عدوهم مكان الحرمة وموقع البأس، فلهذا المقصد الدقيق جمع بين النهي عن الوهن والدعاء إلى السلم (انظر تفسير ابن عاشور 26/131)، قوله: ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي وأنتم الغالبون آخر الأمر وإن غلبوكم في بعض الأوقات وقهروكم في بعض الحروب، تفسير الطبري (26/64) قوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أي بالعون والنصر والتأييد وذلك موجب لقوة قلوبهم وإقدامهم على عدوهم ﴿لَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ قال مجاهد: «ولن ينقصكم» الطبري (26/64) وهذا يقتضي أن لا تضعفوا عن قتال عدوكم ويستولي عليكم الخوف بل اصبروا واثبتوا ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد طلبًا لمرضاة ربكم ونصحًا للإسلام وإغضابًا للشيطان، ولا تدعوا إلى المسالمة والمشاركة بينكم وبين أعدائكم طلبًا للراحة والحال أنكم أنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم، أي لن ينقصكم أعمالكم، فهذه الأمور الثلاثة كل منها مقتض للصبر وعدم الوهن (تفسير السعدي 790).

النهي عن الوهن في أعقاب المعركة

وأما النهي عن الوهن وفي أعقاب المعركة فقد بينه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139). قال السعدي رحمه الله تعالى: «ولا تهنوا ولا تضعفوا في أبدانكم ولا تحزنوا في قلوبكم عندما أصابتكم المصيبة وابتليتم هذه البلوى، فإن الحزن في القلوب والوهن في الأبدان زيادة مصيبة عليكم وعون لعدوكم عليكم بل شجعوا قلوبكم وصبروها وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم» (تفسير السعدي ص 150) ذلك أن «الوهن يورث خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأسًا والشجاعة جبنًا واليقين شكًّا ولذلك نهوا عنه، وأما الحزن فهو شدة الأسف البالغة حد الكآبة والانكسار، والوهن والحزن حالتان للنفس تنشأن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتب عليهما الاستسلام وترك المقاومة» (تفسیر ابن عاشور 4/98).

سبعة مسوغات للنهي

ثم بيّن المولى جل شأنه سبعة مسوغات لهذا النهي أولها: قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، فتلك «بشارة لهم بالنصر في المستقبل؛ فالعلو هنا علو مجازي وهو علو المنزلة، والتعليق بالشرط في قوله ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ قصد به تهییج غيرتهم على الإيمان؛ إذ قد علم الله أنهم مؤمنون ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن في الغلبة كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم: إن علمتم من أنفسكم الإيمان» (تفسير ابن عاشور 4/99).

وثانيها قوله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ (آل عمران: 140) أي فأنتم وإياهم قد تساويتم في الفرح ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فتلك تسلية لما حصل لهم من الهزيمة.

 وثالثها قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي «نديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم» (تفسير ابن كثير 2/127).

ورابعها ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فمن الحكم أنه يبتلي عباده بالهزيمة والابتلاء ليتبين المؤمن من المنافق؛ لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده ولانخرط في صفوف العصبة المجاهدة من لا يريد لها سوى الخبال وسوء العقبى والمال.

وخامسها قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 140) يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته ذلك أن «الشهادة أرفع المنازل ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم» (تفسير السعدي ص 150). 

وسادسها: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (آل عمران: 141) والتمحيص «درجة بعد الفرز والتمييز، التمحيص عملية تتم في داخل النفس وفي مكنون الضمير.. إنها عملية كشف المكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدًا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق بلا غبش ولا ضباب» في ظلال القرآن (1/482)، والتمحيص طريق لمغفرة الذنوب وستر العيوب ورفع الدرجات عند علام الغيوب.

 وسابعها: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 141)، أي «يستأصلهم بالهلاك، وأصل التمحيق محو الآثار، والمحق نقصها» فتح القدير للشوكاني (٤٨٨/١).

وكون غلبة الكافرين في جولة مبعث محق لهم، ذلك «أنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم» (تفسير ابن كثير 3/127) وذلك كله يقتضي من المجاهدين في قلب المعركة الثبات والجلد أمام الأوغاد ليلتقي الجميع على شعار «إنه جهاد نصر أو استشهاد».

في ضوء ذلك امتدح الشارع الحكيم ثلة من الربيين المجاهدين أتباع النبيين حين نفضوا عن أنفسهم الوهن في تلك المقامات الآنفة الذكر فقال جل شأنه ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146). فالمراد بالوهن هنا «قلة القدرة على العمل وعلى النهوض في الأمر، والضعف ضد القوة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأول أقرب إلى خور العزيمة ودبيب اليأس في النفوس والفكر، والثاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة، وأما الاستكانة فهي الخضوع والمذلة للعدو، ومن اللطائف ترتيبها في الذكر حسب ترتيبها في الحصول، فإنه إذا خارت العزيمة فشلت الأعضاء وجاء الاستسلام فتبعته المذلة والخضوع للعدو» (ابن عاشور 4/ 118، 119).

وبعد: فتلكم الآيات المحكمات، تغرس في نفوسنا معالم الثبات لتغدو بالعزة والأنفة مشبعة، وبحقوقها وكرامتها غير مفرطة ولا مضيعة، وعليه فمن استمسك بها في خضم صراعه مع عدوه اهتدى ورشد، ومن حاد عنها انبت أمره وفسد ...

الرابط المختصر :