العنوان ولا يزال أدب الطفل في حاجة إلى هوية جديدة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998
مشاهدات 81
نشر في العدد 1300
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 19-مايو-1998
الثقافة في أحد جوانبها هي إحساس النشء بالجمال والحب والحياة هي خيط الوصل بين الماضي والحاضر، وهي التي تحرك وجدان النشء ولبه وتوقظ الإمكانات الكامنة في أعماقه.
ومن مهمات هذه الثقافة أن توصل الأجيال الناشئة لإدراك ماهية وحقيقة الأشياء في ضوء التغيرات التي طرأت على البشر وطرائق تفكيرهم الجديدة، وربطها ببعضها ضمن القوانين الطبيعية بحيث تبدو حقائق الحياة وقوانينها أوضح، وبرؤية شمولية تضع الأشياء الجزئية من الحياة في
أمكنتها الطبيعية.
ومثل هذه الثقافة المتعددة الزوايا والأبعاد يسهر على تطبيقها المجتمع الكبير بكافة فئاته وشرائحه، بدءًا من البيت ومرورًا بمراحل التعليم المختلفة لينتهي بانخراط آلية هذا المجتمع عبر الأدوات الثقافية المتعددة سواء الكتب أو الدوريات والإصدارات الأدبية المختلفة، أو عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة بتنوعاتها وأشكالها المتعددة، ورغم ذلك، فإن المعضلة الأهم في هذا السياق هي تناول عالم الطفولة والأطفال باعتبارهم حجر الأساس للمجتمع الجديد في عالم الغد.
والوعي الجديد لعالم الطفولة بدأ باحتلال حيز غير قليل في وعي المجتمع، ويجد آذانًا صاغية له في جميع المؤسسات الثقافية والتربوية العالمية والإقليمية، وليس أدل على ذلك من تناوله في «الإعلان العالمي لحقوق الأطفال» بعد «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» بعشر سنوات و«الإعلان السنة العالمية للطفل»، لكن هذه الصيحات والدعوات وصلت إلى المنطقة العربية متأخرة نسبيًا، فبدأ الإحساس بضرورة الاهتمام بثقافة الطفل يتنامى بعد هزيمة يونيو حزيران 1967م، فكان مؤتمر العناية بثقافة الطفل العربي، الذي عقد في بيروت علم 1970م، ثم انطلقت الدعوات المطالبة بإنشاء المؤسسة العربية الأم لثقافة الأطفال لتقوم بواجبها بتحريك أجهزة الإعلام العربية وقنوات الثقافة المتعددة للنهوض بمستوى الإنتاج الثقافي للطفل وكذلك حجم هذا الإنتاج عن طريق مختلف الوسائل بما يتفق والسمات العامة للثقافة العربية.
صحوة عربية على عالم الطفولة
وغني عن القول أن بداية الاهتمام بأدب الطفل وتطوره تعود إلى الصحوة الفكرية التي شهدتها الدول العربية في بداية القرن العشرين، وهذه الصحوة التي أدت إلى ظهور كتابات موجهة للأطفال مثل كتاب «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين»، لرفاعة الطهطاوي، و«العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ» التي ترجمها محمد عثمان جلال عن خرافات أيسوب، ومع أن هذه الأعمال لا تعد كتابًا للأطفال بالمعنى الحديث لكتب الأطفال، إلا أنها تعكس مرحلة تاريخية تتميز باهتمام جديد بالطفل العربي ونموه.
أما الاهتمام بكتب الأطفال والكتابة لهم عن حق فقد ظهرت بواكيره الأولى على يد «كامل الكيلاني» وإنتاجه الكثيف لكتب الأطفال، وقد تميز«كامل الكيلاني» بريادته لحقل كان لايزال غير مطروق فكان سابقًا لزمنه ومعاصريه، وقد استخدم لغة جديدة لمخاطبة الطفل مستمدة من الفصحى، إذ اعتبر القصص قابلة للتطويع والتبسيط بما يتلاءم مع تطور مراحل عمر الطفل المختلفة.
ويعتبر أبرز محاولات الكيلاني واهتمام دار المعارف المصرية ودار الفتى العربي هي السيل التي هيأت الجميع لوضع استراتيجية معينة لثقافة الأطفال والتنوع فيها ومخاطبتهم بلغة بسيطة ومفيدة ذات فوائد تربوية عميقة الأثر.
وتقول دراسة علمية متخصصة في هذا المجال أعدها خبراء المجالس القومية المتخصصة بمصر إنه على الرغم من كمية الإنتاج الكبيرة من كتب الأطفال، فإن المستوى الحالي لا يعتبر كافيًا، فهناك 166 متخصصًا فقط في أدب الأطفال في مصر مقابل 23 مليون طفل.. وتقول الدراسة إنه تم نشر 3815 كتابًا في الفترة من 1926م - 1940م، وكان من بينها 590 كتابًا مدرسيًا نشرتها وزارة المعارف العمومية في ذلك الوقت أي بنسبة 13% من عدد الكتب المنشورة، ولم يتعد عدد الكتب غير الدراسية الموجهة للأطفال 132 كتابًا أي بنسبة 3% من الإجمالي، أما في الفترة الممتدة بين 1940 - 1956م، بلغ عدد الكتب الخاصة بالأطفال 847 كتابًا بنسبة 44% من أصل 12120 كتابًا، أما قائمة كتب الأطفال المصرية التي أصدرتها الهيئة العـامة للكتاب في المدة من 1965م - 1975 م قد بلغت نحو 1583 كتابًا، ورغم هذا التزايد الملحوظ في عدد الكتب المتخصصة بدراسة دليل الكتاب المصري الصادر من 1979م - 1983م، نجد أن عدد الكتب المخصصة للأطفال قليلًا إذا ما قورن بعدد الكـتب العامة المخصصة للكبار.
أزمة من نوع جديد
إذا جاز لنا مقارنة إنتاج كتب الأطفال في الدول العربية بالدول الأوروبية الأخرى، لوجدنا أن الدول العربية جميعها قد استهلكت ما يزيد على 10% مما استهلكته بلجيكا في الكتابة على الورق للأطفال على الرغم من أن عدد سكانها لا يتجاوز نسبة 10% من سكان الدول العربية، إن نصيب الطفل في الاتحاد السوفييتي السابق 457 كتابًا في السنة، أما في البلاد العربية، فقد يصل إلى كتابين أو ثلاثة وربما لا يجد كتابًا طيلة العام.
ومع تزايد الاهتمام بثقافة الطفل وتنشئته على أسس علمية جديدة من قبل الجهات الرسمية العربية أو المدرسة أو الأسرة، ازداد الإدراك لمطالب الأطفال التربوية واحتياجاتهم النفسية والثقافية وبسط هذا الاهتمام المتعاظم دخول التجارة عن كتب الأطفال من أزمة كم إلى أزمة من نوع جديد نوعًا وجودة.
وارتفعت الأصوات الصادقة الحريصة على أدب الأطفال منددة بالجشع التجاري وقامت مراكز الأبحاث والهيئات المهتمة بدراسات متعددة من أجل دراسة السبل والطرق الكفيلة بحماية هذا الأدب فطالبت بتطبيق عدد من الإجراءات الكفيلة بوضع حد لهذا العبث على مستوى الوطن العربي أهمها:
- سن قوانين لحماية الطفل من الثقافة الرديئة الضارة من مترجم ومحلي بإيجاد لجان المراقبة لأدب الأطفال، وأن تفرض هذه اللجان شروطًا صارمة تتعلق بنوعية الأدب قبل السماح بنشره.
- تشجيع أدب الأطفال بتدعيم كتابه، وتقديم الدعم الأدبي لهؤلاء الكتاب من أجل حضهم ودفعهم للكتابة.
- تنشيط الأقسام والدوائر والمراكز والمؤسسات المهتمة بثقافة الطفل وإعادة النظر في خططها وربط هذه الخطط بالتنمية.
- ضرورة تنشيط كافة المؤسسات المتعلقة بأدب الأطفال من أجل خلق حركة فاعلة في موضوع النشر والنشاط الإعلامي والبحث الأكاديمي لمعالجة المشاكل.
- دعم مؤسسات الدراسات والبحوث في الدول العربية عبر المؤتمرات وحلقات النقاش المتخصصة في أدب الطفل وثقافته.
ومع تنامي وتعاظم دور وسائل الإعلام والصحافة وأهمها التلفزيون في تنشئة الأجيال الحديثة، أصبح الحديث عن دور هذه الوسائل الجديدة حساسًا وبالغ الخطورة، لأن الخطأ البسيط ينتشر بسرعة شديدة إلى كل البيوت وإلى كل الأطفال.. وبات لزامًا وضع الأسس التي يقوم عليها أدب الأطفال ومراقبة ما تبثه أجهزة التلفزة العربية إلى الطفل العربي من قصص وبرامج ترجمة ومحلية دون مراعاة البيئة ومستوى التطور والهدف المرجو وحتى الوقت المناسب لعرض هذه البرامج، وكذلك كثرت البحوث المتخصصة بالمحاضرات والندوات في هذا المجال، وركز الباحثون على ضرورة إيجاد مفهوم محدد لأدب الأطفال فمنهم من قال إن «أدب الأطفال هو أدب الطفولة، وهذا يعني أنه فكر وأدب ولغة وأسلوب وعلم تربية وعلم نفس، ونظريات تعلم، إن أدب الأطفال يتكون من هذا المزيج كله، ولذلك فإن من فقد عنصرًا من هذه العناصر لا يحق له أن يكتب للأطفال».
وفي إطار الاجتهادات والتقديرات المختلفة في الدول النامية رأت الباحثة بيولوسكي «مؤسسة ومديرة مركز الإعلام عن ثقافة الولايات المتحدة لليونسيف»، في دراستها حول «معيار لكتب الأطفال في البلاد النامية»، إنه بالإمكان إيجاد تصنيف جديد لأدب الأطفال على الشكل التالي:
- الكتب ذات الطابع الديني والأخلاقي وتشمل السير وقصص الأنبياء والأقدمين وماذا تعني النسبة للطفل وهي أولى الكتب التي وجهت للأطفال.
- الكتب المقررة من وزارات التربية والتعليم وهي الكتب التي تعتمد على طريقة تفكير المدرس وقدرته في توجيه النشء حسب مذهبه الفلسفي والفكري.
- الكتب الترويحية والمؤلفات وهي تشمل القصص المصورة والروايات والشعر والسير الذاتية والمسرحيات والمسلسلات والمجلات الخاصة للأطفال
ويرى آخرون أن هذه المعايير الأكاديمية تعتبر صالحة كتصنيف لأدب الأطفال، بينما تختلف المعايير من بلد لآخر، ومن أمة لأخرى حسب ثقافتها وشخصيتها القومية وتراثها الخاص إلا أن ثمة معايير موضوعية لابد من أن تتوافر في الأدب الموجه للطفل.
إن أدب الأطفال لابد من أن يصبح له مفهوم جديد داخل الثقافة العربية ولن يرقى هذا الأدب وينال قوته إلا إذا شجعنا الكتاب والمتخصصين في هذا المجال على الإجادة فيه مراعين بيئة الطفل العربي التي نشأ فيها واستخدام اللغة الفصحى السهلة التي تعين الطفل على الفهم السريع، وكذا تنشيط المؤسسات المتخصصة بأدب الأطفال من أجل خلق حركة فاعلة في موضوع النشر للنهوض بذلك الأدب الذي لا يزال يفتقر إلى نظرة ومفهوم جديدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 1595
36
السبت 03-أبريل-2004