; ولكن المعتدلين ماذا يراد بهم؟! | مجلة المجتمع

العنوان ولكن المعتدلين ماذا يراد بهم؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1307

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 07-يوليو-1998

لا شك أن ملف الجماعات الإسلامية سيفتح إن عاجلًا أو آجلًا، وبخاصة في عصر الانفتاح والإنترنت وثورة الاتصالات والمعلومات ولا شك كذلك أن أعداء الأمة الإسلامية يودون اللعب على أوتار الخلافات الداخلية في بلادنا، ليصنعوا منها قصصًا وأساطير، ولينفذوا من خلالها إلى أشياء كثيرة يريدون الوصول إليها، منها عزل القيادات عن الشعوب وإبعاد الشعوب عن السلطات وتعطيل التنمية، وخلق فجوة بين الشباب وبين دولهم، واتهام الإسلام بالإرهاب والتخويف منه والتوصل إلى تجفيف ينابيعه ليخرج في الأمة جيل لا يعرف إلا الجنس والمخدرات والضياع والرقص والانحدار، والتشبه بالأمراض والأباطيل الغربية التي تعاني منها تلك المجتمعات نفسها وتحاربها. ولكنها تصدرها إلينا وترغبنا فيها، وأود بادئ ذي بدء أن أؤكد على مسلمات يجب الالتفات إليها، والانطلاق منها، لأننا في مجال الإصلاح، ولسنا في مجال توزيع الاتهامات هنا أو هناك من هذه المسلمات.

1- إن أفراد تلك الجماعات المعتدلة هم أبناؤنا، وجندنا وذخيرتنا للمستقبل، ونحن مسؤولون عنهم وعن توجيههم وريادتهم، فإما أن تكون قد قصرنا في التوجيه إن كان ثم خطأ فيجب أن نلوم أنفسنا، وإما أننا لم نقصر، وأخطأ البعض عفوًا من هؤلاء الأفراد، فينبغي النصح والتقويم والنصح والتقويم أساليب وطرق ليس منها على كل حال التعذيب والسجن والقتل والاستئصال، وأنا أعلم تمام العلم أن البعض طلب مقابلة المسؤولين سنين عددًا، فلم يجب لطلبه أو يلتفت لندائه ومحاولته، وهذه تعد في موازين الإصلاح كبيرة أو جريمة.

2- إن أفراد تلك الجماعات ليسوا خارجين عن ملتنا، فلا هم شيوعيون ولا غربيون ولا ملحدون، وإنما هم من نبتنا وزرعنا وأرضنا وملتنا، يخافون على الأمة كما نخاف ويودون لها الرفعة كما نود، ويؤرقهم تأخرها كما يؤرقنا، ويعادون عدونا كما نعاديه وليسوا مرتشين ولا سارقين، ولا عملاء، فهناك إذن قواسم مشتركة كثيرة بيننا، وجسور ممتدة، وأهداف متحدة معهم، فعدم استطاعة قيادة هؤلاء والتفاهم معهم رغم ذلك دلالة على قصور سياسي يجب تداركه قبل فوات الأوان.

3- أفراد تلك الجماعات المعتدلة طاقات علمية ونفسية كبيرة بتعجب الإنسان كثيرًا من صبرها ودأبها وجَلَدِهَا وتضحياتها، فهي تعطي ولا تأخذ، وتتفانى ولا تتوانى، وتعمل ولا تكل أو تمل حتى ولو ظلمت واتهمت وسجنت وبغي عليها، نفس أنقى من السلسبيل، وأصفى من النسيم العليل وأعطر من الرياحين قامة تعمى عن ذلك لا بد وأن تكون في غير حالتها الطبيعية.

4- كبت هؤلاء ومنع هذا الفكر، لا بد وأن يؤدي إلى القهر المرذول، والكبت الممقوت وإلى ضياع الحريات واغتصاب الشعوب، بل إلى ثورتها، وإفساح المجال للمرتزقة والمنافقين الذين لا ينفكون يؤججون النيران، ويزرعون الشوك والحنظل، في طريق الإصلاح والمصلحين، وهذا ولاشك خطأ كبير في البنية الأساسية الإدارة الدول والشعوب يجب الالتفات إليه، كما أن عدم ظهور فكر معين فضلًا عن الفكر الإسلامي بلجته إلى الاستتار والتخفي، وبذلك يصعب مراقبته ومحاسبته على خطته أو تجاوزه - إن وجد- وهذا يفرض دائمًا ستارًا من الشكوك وعدم الثقة بين الجانبين، وهذا هو باب المشاكل دائمًا.

5- الملاحظ أن الاشتباك مع هذه الجماعات ومع أفرادها، يوجد في شعوب دون شعوب ومع سلطات دون سلطات، وهذا يدل على أشياء كثيرة ويقود إلى أسباب عدة، يجب العمل على إزالتها لأنها أسباب حقيقية تؤدي في النهاية إلى ما لا يحمد عقباه.

6- التطرف في الحقيقة -على فرض وجوده- ليس خاصًا بالإسلاميين فقط وإنما هو سمة عامة في كثير من الأفراد في معظم الأمم، ولكن الأمم الناهضة والريادات العاقلة فيها، لا تجزع منه ولا ترهبه، وإنما تتعامل معه كأي ظاهرة في المجتمع تدرس ثم يتم تحويلها بعد ذلك إلى عطاء يجدد شباب الأمة ويطرد شيخوختها، وقد يماثل هذا تمامًا النبع المندفع، فإذا وجد من يلملمه ويوجهه صار نهرًا عذبًا فياضًا، يروي الزرع ويسقي الحرث، ويبل الصدى.

7- برامج الإصلاح في كثير من الأمم المشتبكة مع الظاهرة الإسلامية تقريبًا معطلة وتائهة، ولم تأخذ العناية الكافية، أو قل إن شئت تتعامل مع الأوهام والارتجاليات، وتعيش معظم تلك الدولة عالة على غيرها زراعيًّا وصناعيًّا وتكنولوجيًّا، وحتى سياسيًّا، والشباب الطموح يقهر كل يوم مائة مرة من أعداء الأمة، حتى من شذاذ الآفاق، ويتلفت يمينًا ويسارًا، فلا يرى إلا سرابًا، أو غمامًا، أو ظلامًا، فلا يتقبل بسهولة الانهزام النفسي والضياع الفكري والقومي فكان لا بد لهذا أن تحدث ردة أفعال تؤدي إلى تنفيسات للصراعات المكبوتة وتقلبات للحسرات المضغوطة، وكان لابد للقيادات أن تفقه هذا وتقدره، وتعمل على امتصاصه وتوجيهه إلى نهضة عالية، وعمل دائب، خصوصًا أنهم يبغون الحق، ويريدون الخير لأمتهم والناس، ولكن يظهر أن هنالك قومًا إذا رأوا الحق معك كرهوك من أجله، أو كرهوه من أجلك، وهذه طامة كبرى لا نملك الآن لها دافعًا.

وأخيرًا: ينبغي أن نقرر للجميع أن الرجال الذين تصلح بهم الحياة، ويطيب معهم العيش وتعلو بهم الأمم؛ ليسوا نماذج معتادة من الغثاء الكثير الذي تراه العين، ولا تجد فيه غناء وإنما هم نماذج فريدة للفضائل الجليلة والأخلاق النبيلة والمواهب اللامعة التي قلما تعثر على نظائرها بسهولة، وحاجة الأمم إلى هؤلاء كحاجة الجسم إلى العقل والجسد إلى الروح، يصبرون في الملمات ويعفون عن الزلات ويأخذون بيد الناس في النوازل لا يحملون الحقد ولا يردون السيئة بأمثالها، ورحم الله من قال:

وإن الذي بيني وبين بني أبي *** وبين بني عمي لمختلف جدًا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم *** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا

وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم *** وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدًا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم *** وليس رئيس القوم من يحمل الحقد

وبعد أيها السادة هؤلاء هم المعتدلون، فماذا يراد بهم؟ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21)

الرابط المختصر :