; وليس الذكر كالأنثى | مجلة المجتمع

العنوان وليس الذكر كالأنثى

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1977

مشاهدات 88

نشر في العدد 358

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 12-يوليو-1977

إن ادعاء مماثلة المرأة للرجل دعوة سخيفة مبنية على الجهل المطبق حتى بأبسط مبادئ العلوم حديثها وقديمها.. لأن نظام الزوجية يقتضي التغاير وينفى التماثل.. ويؤدى إلى التكامل بدلًا من التنافر.. فالبروتون في الذرة ليس كالإلیكترون.. وإنما هو شحنة موجبة تقابلها شحنات سالبة تختلف عنها في الصفات ولا بد من وجودهما معًا بنفس القدر من الشحنة المتضادة وإلا لاختل كيان الذرة وانفرط عقدها.. والشحنات المتماثلة متنافرة، بينما نجد الشحنات المختلفة سالبة وموجبة تتآلف لتكون أساس الموجودات جميعها.. 

وفي النباتات: الزهرة المؤنثة غير المذكرة.. يختلف التركيب والصفات والوظيفة، ولكن وجودهما معًا هو أس الحياة للنبات وبدونهما تفقد وظائف الحياة ويؤدي ذلك إلى العدم..

وفي الحيوان ابتداء من الديدان وارتفاعًا حتى الإنسان نجد الذكورة والأنوثة تختلف في الخصائص والوظائف.. وفي السمات والصفات.. وبدون هذا الاختلاف والتباين بين الذكورة والأنوثة لا يمكن أن تقوم الحياة.. والزوجية نظام يقتضي التكامل ولا يقتضي التماثل.. بل التماثل يلغى نظام الزوجية من أساسه.. إذ لا حاجة للزوجين إذا كانا متماثلين فلابد من اختلافهما وحاجة كل منهما للآخر حتى يكتملا بالالتقاء.

وكيف يلتقيان؟؟ هكذا أهملًا وعبثًا أم أن هناك نظام خاص يلتقى فيه الذكر بالأنثى؟ الواقع أن كثيرًا من الحشرات والحيوانات، بل والنباتات، فكيف بالإنسان، لا تلتقى عبثًا ولا هملًا.. فالزهرة التي تحمل أعضاء الذكورة والأنوثة «الزهرة الخنثى» لا تلقح نفسها ولا يلتقي طلعها «ذكرها» بمتاعها «أنثاها».. إنما تختلف الأوقات التي تنضج فيها أعضاء الذكورة عن الأنوثة فلا يكون اللقاء إلا بين زهرتين مختلفتين تجمع بينهما الرياح أو الحشرات أو الطيور..

 وكذلك الدودة الشريطية التي تجمع في كل حلقة من حلقاتها التي تبلغ الألف أو تزيد أعضاء الذكورة والأنوثة.. لا تلقح نفسها وإنما يقوم جهاز الذكورة في حلقة ما بتلقيح جهاز الأنوثة في حلقة أخرى تبعد منها.. 

وقس على ذلك طحلب الأسبيروجيرا التي تحمل في حياتها جهازي الذكورة والأنوثة فإنها لا تلقح نفسها وإنما يلقح الأنثى طحلب آخر من طحالب الاسبير وجيرا. 

وهكذا لا يشد الإنسان من هذه القاعدة فلا يلتقى الاخ بأخته ولا الولد بأمه ولا الأب بابنته.. لأن هناك دائرة خاصة مقفلة حتى على طحلب الأسبيروجيرا.. وحتى على الدودة الشريطية؛ فكيف يهبط الإنسان فيكون أقل من طحالب الأسبيروجيرا أو أقل من الدودة الشريطية.. وقد قرأنا في الصحف والمجلات أن السويد على وشك أن تصدر قانونًا يبيح العلاقة الجنسية بين الأخ وأخته.. فانظر إلى أي مستوى يستطيع الإنسان أن يوغل فيه هبوطًا وإسفافًا.. وصدق الله العظيم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (التين:4-5). وليس هناك من سفلية وهبوط مثل هذا!!!

والمرأة في الغرب مباحة لمن يشاء ولمن تشاء.. مضادة بذلك فطرتها التي فطرها الله عليها.. بل إننا نجد كثيرًا من الحيوانات والطيور تحتفظ بعلاقة زوجية متينة فلا تكون الأنثى إلا لذكر واحد فقط تعيش له طوال حياتها..

ونظرة في جسم الإنسان ذاته ترينا كيف أن البويضة تعد في المبيض وتخرج بويضة واحدة كل شهر كالملكة يحيط بها التاج المشع

  Corona radiate وهذا هو اسمها العلمي وليس تشبيهًا بليغًا.. تخرج من المبيض فتتلقفها أهداب البوق وتسير في قناة فالوب بتؤدة وأناة وأشعتها تدعو واحدًا من ملايين الحيوانات المنوية (نعم الملايين فكل قذفة منى من الرجل تحتوى على أربعمائة مليون حيوان منوي) تدعوه لتلتقي به فإذا ما التقت به وتم اللقاح أوصدت بابها وأحاطت نفسها بجدار سميك لا يخترقه أي حيوان منوى مهما بلغ من قوته وعزيمته. وشكيمته وسرعته.. ذلك أنها تعلم أنها لحيوان منوي واحد فقط.. عندئذ تخلع ذلك التاج المشمع الذى يغرى الملايين بملاحقتها ومطاردتها.. وتبدأ عملها المنتج فتنقسم انقسامات متتالية.. فتصير الخلية الأمشاج «وهي المكونة من بويضة المرأة والحيوان المنوي من الرجل» بالانقسام المتتالي ملايين الخلايا تكون أولًا علقة تعلق بجدار الرحم وتكون محاطة بالدم المتخثر. فهي علقة عالقة بجدار الرحم وهى محاطة بالدم كما وصفها المفسرون القدماء تصير العلقة مضغة تتشكل وتصور خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث حتى يخرجها الله طفلًا مكتمل الأعضاء والبناء.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (المؤمنون:12-14) وهكذا تكون المرأة وهي بويضة بعد مصونة لا تتبدل ولا تخون زوجها، بل تصد الراغبين صدًّا عنيفًا.. حتى أنها تتركهم يموتون كمدًا وحسرة على جدارها وهي لا تجود لهم بوصل ولا تقر لهم بعاطفة ولا تفتح لهم بابًا.. وليس هذا تشبيهًا أدبيًّا وإنما هو الواقع الذي صورته المجلات العلمية.. وهي ترينا ملايين الحيوانات المنوية ميتة على جدار البويضة بعد أن تلقحت البويضة وأوصدت بابها.. وضاعفت من سمك جدارها..

أفلا تكون المرأة بعد أن خلقها الله من بويضة ملقحة لا ترى بالعين حتى اكتمل نموها فصارت أنثى كاملة قد وهبها الله الجسم البديع والعقل الراجح والأمومة الحنونة.. أفلا تكون مثل البويضة في عفتها تبتذل للرجال وإنما هي لزوجها فقط لا تبتغي غيره ولا تروم سواه. 

تلك هي فطرة الله التي فطر الناس عليها تظهر في البويضة.. وحكمة ربانية تتجلى عالم الذرة: الإلكترون يخالف البروتون في شحنته ويكون تكميلًا له.. فلا تقوم الذرة إلا بهما معًا.. فلا تقوم وكذلك البويضة التي تنادي كالملكة وعليها التاج المشع في مشيتها وهي تلتقي بمن اختاره الله لها من ملايين الحيوانات المنوية التي يشبه الواحد منها صاروخًا.. في شكله وسرعته.. كذلك البويضة السالبة تلتقي بالحيوان المنوي الموجب، فتتكون من الشحنتين السالبة والموجبة النطفة الأمشاج التي تتخلق فتصبح إنسانًا كاملًا.. 

والبويضة في مراحلها تلك عفيفة مصونة.. فكيف لا تكون المرأة مصونة عفيفة وقد بلغت ما بلغت من تكامل البناء الجسدي الرائع والبناء النفسي المتكامل حتى أصبحت جديرة بلقب الأم.. وهي التي وضعت الجنة تحت أقدامها.. أفليس من العار ومناقضة الفطرة أن تتبدل بعد هذه الصفة وتمتهن بعد هذه الكرامة وتكون لكل لامس بعد أن صدت ملايين الطالبين والراغبين يوم أن كانت بويضة؟ بلى إنه لكذلك.. 

وواقع الأمر يقول لا بد أن تكون المرأة لرجل واحد فقط.. وحكمة الله تتجلى فترينا البويضة وهي لا تقبل أن تكون لأكثر من حيوان منوي واحد تختاره لها يد الحكمة الإلهية فترضي به وتقنع.. ولا تبحث عن غيره ولا تنتظر سواه.. ولا تلتفت إلى إغراء ولا تنتبه إلى إثارة ولا يجذبها هرج القول ولا معسول الكلام، بل ولا تلتفت إلى العشاق والراغبين ولو ماتوا على بابها وجدارها كمدًا وحسرة. 

فالزواج إذن هو العلاقة الوحيدة المعقولة بين الرجال والنساء ولا علاقة غير ذلك إلا من باب قلب الأشياء ومضادتها لفطرتها ومخالفتها لسنة خالقها. 

والزنا أي أن تكون المرأة لمن جاء أو لخليل أو عشيق هو علاقة شاذة تصادم الفطرة، بل وتصادم التكوين البيولوجي والنفسي والوظيفي للمرأة..

فجسم المرأة وكيانها النفسي والجسدي قد بني لإقامة العش والمحضن الذي تنمو فيه تلك الزغب الصغيرة حتى يتقوى ريشها وتقوى أجنحتها فتقدر على الطيران. 

وقد تفرد الإنسان من بين الحيوانات كلها بفترة حضانة طويلة وطفولة تمتد إلى عشر سنوات فأكثر.. وكلما تعقدت المجتمعات كلما ازدادت الحاجة إلى رعاية للأطفال أطول وأعقد.. بينما نرى الحيوانات جميعها لا تحتاج لمثل هذه الفترة الطويلة من الحضانة والرعاية.. ذلك لأن قدرات الإنسان الهائلة إنما تكمن في قدرته على التعلم بينما قدرات الحيوانات محكومة بالغرائز فقط.. وفرق شاسع بين عمل الغريزة وعمل العقل الواعي المتبصر.. فهذا لا يحتاج إلى تنمية وتربية وصقل وذاك يحتاج إلى فترة طويلة من التعلم، والتعليم والصقل والتدريب.

وأول محضن للطفل هو الأم والأسرة.. وآخر تقرير للصحة العالمية يقول: بأن أقل فترة يحتاجها الطفل هي ثلاث سنوات متتالية من رعاية الأم.. وأن دور الحضانة لا يمكن أن تقوم بهذه المهمة.. ويرجع التقرير انتشار الجريمة بين الشباب في الغرب إلى حرمانهم من حنان الأم في تلك الفترة الهامة من حياتهم.. كما يدعو تقرير الصحة العالمية الأمهات إلى إرضاع أولادهن لأن لبن الأم هو أصلح غذاء للطفل الرضيع.. ولا يقوم مقامه تلك الألبان المجففة من الأبقار والجواميس وفوائد الرضاعة الطبيعية من الأم لا تعد ولا تحصى.. وليس أقل هذه الفوائد شأنًا النمو العاطفي السليم للطفل الذي يلتقم ثدي أمه.. بينما نجد ذلك الذي رضع من القارورة معرضًا لكثير من الاضطرابات النفسية كما هو معرض لكثير من النزلات المعوية.. ولذا فقد أوصت منظمة الصحة العالمية جميع دول العالم وحكوماتها بتفريغ الأمهات لمدة ثلاث سنوات متتاليات لكل طفل جديد.. وعلي الدولة أن تتحمل نفقة الأم في تلك الفترة إذا لم يكن لها عائل أو إذا كان دخل الأسرة لا يفي بحاجتها ويضطر الأم للخروج إلى العمل..

ومعظم الأمهات يلدن طفلًا على الأقل كل ثلاث أو أربع سنوات فكيف تستطيع الأم أن تعمل بعد ذلك وهي بين حمل وولادة، ورضاعة ورعاية للأطفال وأبيهم.. وكيف تستطيع أن تعول هذه الأسرة وهي مشغولة بالحمل والولادة والرضاعة؟ ألا يكون ذلك إجحافًا في حقها وظلمًا بينا لها؟ 

لقد هيأها الله لوظيفة هامة.. أهم من أي وظيفة أخرى ولو كانت وزيرة.. إنها وظيفة الأمومة.. ووظيفة الزوجة وربة البيت.. وجعل الله بينها وبين زوجها مودة ورحمة وجعلها له سكنًا.. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم:21) فسبحان من جعلها سكنًا.. وجعلها مودة وجعلها رحمة.. يسكن إليها الرجل بعد معركته خارج المنزل وبعد جهاده للحصول على لقمة العيش فيأتي ليجد البسمة الحنون والرعاية الدافقة والمودة الخالصة تزيل عنه ألمه وتعبه؛ فكيف.. يكون بالله ذلك المنزل الذى يؤوب إليه صاحبه فإذا هو مهمل لأن ربة البيت مشغولة بوظيفة أخرى عند رجل آخر تعمل له سكرتيرة أو تعمل في مصنع أو تعرض نفسها في متجر.. فتعود بشيء من النقود التي تنفق معظمها على أدوات الزينة والبهرج حتى تستطيع الخروج في هيئة جذابة.. ثم تعود منهكة متعبة لا تستطيع حراكًا.. فما ذنب الزوج؟، وما ذنب الأطفال؟ بل قل لي: ما ذنب الزوجة المسكينة التي تعانى من ازدواج؟ أي ازدواج في شخصيتها وهي ترى نفسها مقصرة في حقزوجها وأطفالها؟

 أفلا يكون بعد هذا كله من حق الزوجة أن تتفرغ لمنزلها وزوجها وفلذات أكبادها.. ويتفرغ هو للكدح خارجه؟. أفلا تعطى إذن حق التفرغ وهو ما تطالب به هيئة الصحة العالمية اليوم بعد أن أعطاها الإسلام هذا الحق منذ ألف وأربعمائة عام.. وجعل نفقتها واجبة على زوجها.. بل إن الإسلام وصل إلى أبعد مما تحلم به أو ستحلم به هيئة الصحة العالمية أو غيرها من الهيئات.. فقد فرغ الإسلام المرأة في جميع مراحل حياتها حتى تعد إعدادًا كاملًا للأمومة.. فهي ابنة ونفقتها على والدها فإن كان والدها متوفيًّا فأخوها أو عمها أو قريب تتوجب نفقتها عليه.. فإن لم يستطع فالدولة المسلمة هي المسئولة عن كل مسلم.. فإذا تزوجت انتقل ذلك الواجب إلى الزوج فإذا كان لها أبناء يستطيعون الإنفاق انتقل ذلك الواجب إليهم..

وهي هي حرة مصونة لا تلقى بالًا إلى كيفية نفقتها إلا في ظروف محدودة ومع هذا فقد أباح لها الإسلام حرية البيع والشراء وحرية العمل في حدودها الشرعية المرعية.. ودون أن تمس كرامتها أو وظيفتها كربة بيت وزوجة وأم.

فاخبرني بالله؛ كيف يرقى نظام بشرى إلى مثل هذا النظام الرباني؟ فالخالق أعلم لا شك بما يصلح مخلوقه وما ينفعه: فهو الذي خلق البويضة وجعل لها تلك الصفات الخاصة بها.. وجعل فيها السكينة والتؤدة.. وهو الذي خلق الحيوان المنوي وجعل شكله على هيئة صاروخ أو قذيفة وجعل له ذيلًا طويلًا قوي الشكيمة شديد البأس.. وهو اختلاف في الترتيب والهيئة واختلاف في الوظيفة والغاية منذ اللحظة الأولى فهذه للبيت وهذا لمعترك الحياة.. وصدق، الله العظيم القائل: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ﴾(آل عمران:36) والاختلاف بينهما كما قلنا هو أساس الحياة.. فلا بد من اختلاف البروتون عن الإليكترون ليقوم بناء الذرة.. ولا بد من اختلاف الرجل عن المرأة في الهيئة والبناء والوظيفة ليقوم كيان الأسرة.. هذا هو الحق وما عداه هو الباطل.. والله الهادي إلى سواء السبيل

الرابط المختصر :