; وما بدلوا تبديلًا | مجلة المجتمع

العنوان وما بدلوا تبديلًا

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-1987

مشاهدات 60

نشر في العدد 829

نشر في الصفحة 33

السبت 01-أغسطس-1987

لقد آن الأوان أن نرفع شعار الإسلام وحده ولا شيء غير الإسلام، إنه الشعار الوحيد الذي لن ينتكس رافعوه، ولن يهزم حاملوه، فالعرب عندما رفعوا شعار الإسلام توحدت كلمتهم، وقويت عزيمتهم، وأعزهم الله بالإسلام، كما قال عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «لقد أعزنا الله بالإسلام ومهما طلبنا العزة في غيره أذلنا الله» وقد تحققت كلمة عمر هذه عندما تنكرنا لشعار الإسلام ورفعنا رايات الجاهلية وتفرقنا شيعًا وأحزابًا فكُنَّا غثاء وسرابًا، وانتزِعت منَّا القدس التي فتحها عُمر وهو يحمل شعار الإسلام، وهزم دولة فارس والروم بشعار الإسلام، ولما انشغل المسلمون بعد ذلك بخلافاتهم، وضعف ولاؤهم لدينهم، خارت قواهم، وتضعضعت قوتهم، فجاء الصليبيون واحتلوا بيت المقدس، فجاء صلاح الدين بعد ثمانين سنة ورفع الشعار مرة أخرى، وتجمَّع المسلمون حوله تحت هذا الشعار، فاستعاد القدس وطرد الصليبيين ولن تحرر القدس بمجرد الشعارات، ولا بالبيانات، ولا بمناقشة الصالونات، وكتابة القصائد، والمقالات، ولن تحرر على أيدِي أهل المكاتب، ولا على يد الموالين للشرق أو الغرب، ولا على يد الذين يقضون ليلهم في البارات ونوادي القمار، والذين يسهرون على أنغام الموسيقا، ويملأون بطونهم بالمشروبات والمشويات، وينتقلون من عاصمة إلى أخرى في الفنادق الفخمة، وإنما ستحرر على يد رجال، كرجال عمر ورجال كرجال صلاح الدين رجال هم رهبان الليل وفرسان بالنهار.

الحرية، بقدر ما تعلن عن وجهتها، وإنها عندما تتاح لها الفرصة لإعلان رأيِها تقول ذلك بكل صراحة، وإن كلمة الحق مهما حاول المغرضون طمسها فلا بد أن تظهر، وإن الزيف والتضليل والكذب والتزوير لا بد وأن يفضح، وإنه إذا تكشَّفت الأمور على حقيقتها تبين المفسد من المصلح، وإنه كلما ازدادت المِحَن والصدمات على الرجال المخلصين، كلما ازدادوا ثباتًا وتمسُّكًا بالحق، فكما تظهر نفاسة المعدن بوضعه في النار، وبشدة الطَّرْقِ والضرب عليه، كذلك تظهر نفاسة الرجال وأصالتهم وإنه لا يصح إلا الصحيح، ولا يثبت من الأشجار عندما تهب الرياح والعواصف إلا التي امتدت جذورها إلى أعماق الأرض وإنه لا بقاء إلا للأصلح، وإنه لا استمرار ولا مكان إلا للنافع المفيد للإنسان في حياته ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد:17)، وقد تأكد بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا مكان بين الشعوب الإسلامية لمن يناصب الإسلام العداء ويدعو إلى غير دعوة الإسلام.

لقد رجف المرجفون، وكذب الكاذبون، ونافَقَ المنافقون، وظنُّوا أن الشعوب الإسلامية قد أدارت ظهرها للإسلام، وأنها تتجه نحو الشيوعية أو العلمانية، وأن الإسلام يجب أن يتوارى ولا يتجاوز المسجد، فكما أن المسيحية لا تتجاوز الكنيسة فالإسلام كذلك، واتهموا كل من ينادي بالإسلام ويرفع شعار لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن الإسلام دين ودولة، وأن الحكم لله أحكم الحاكمين، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأن على البشر أن يتبعوا منهج الله في حياتهم وسلوكهم ولا يقارفوا المنكرات، ولا يجاهروا بالمعاصي في مجتمعاتهم، لا بيوت دعارة ولا بارات ولا أندية فسق ولا سفور، ولا ربا ولا استغلال ولا فجور، كل من يقول ذلك اتهم بالرجعية والجمود والتخلف، وإنه يريد أن يرجع عقارب الساعة إلى الوراء، ويعيد الإنسانية إلى القرون الوسطى، وإنه يتستر بالدين من أجل الأغراض الخاصة، فهو يستغل مشاعر المسلمين وعواطفهم من أجل مكاسب مادية وسياسية، وينسَى هؤلاء الذين يتهمون رجال الإسلام بكل ذلك، إن الذي يهدف إلى تحقيق مصالح خاصة من دعوته، ويسعى إلى أغراض دنيوية لنفسه لا يصمد في وجه الطغيان، ولا يعرض نفسه لغضب السلطان، ولا يفضل السجون والمعتقلات والتعذيب والقتل على السلامة والتمتع بذهب المعز، وإن الذين يستغلون مشاعر الناس وعواطفهم، ويسعون إلى المكاسب المادية هم الانتهازيون، الذين يحسنون التقلب مع كل وضع، ويجعلون من أنفسهم سيوفًا وألسنة للطغاة فهم يعيشون على الكسب الخبيث، والذين يتاجرون بالدين هم الذين لا يصلون إلا في المناسبات وأمام الجمهور وآلات التصوير، ويظهرون الاحترام للدين، ويكيدون له في الخفاء بإلغاء أحكامه، وإنهاء دوره في الحياة ويناصرون المذاهب والمبادئ المناهضة له، أولئك هم المنافقون يظهرون ما لا يبطنون، ويزيفون الحقائق، ويلصقون التهم بالأبرياء.

لقد تنامَى الوعي في الشعوب الإسلامية، وعرفت من هم على الحق، ومن هم على الباطل، ومن هم الانتهازيون، ومن هم المخلصون، وعرفت أن تطبيق أحكام الإسلام ليس رجوعًا إلى الوراء وإنما هو تقدُّم إلى الأمام، وتحقيق للعدالة، وإن الإسلام كفيل بتحقيق آمال المسلمين، فهو الذي سيحرر القدس وفلسطين وأفغانستان إذا اجتمعت القلوب عليه، وتخلصوا من تأثيرات الشرق والغرب، واعتصموا بحبل الله جميعًا وأعدُّوا ما استطاعوا من قوة، وأقاموا العدل والإنصاف فيما بينهم.

ومن الغريب أن بعض الناس يظن أن تحرير الأرض إنما يكون بالغوغائية والمظاهرات والتصفيق والهتاف، والخطب الرنَّانة، ويسمون أيام الهوان أيام العز والكرامة، ويتجاهلون الحقيقة، ويحاولون أن يحجبوا الشمس بالغربال، وهم يعتبرون القرون الوُسطى هي قرون تخلف وانحطاط، ويجهلون أن القرون الوُسطى هي قرون تخلف وانحطاط بالنسبة للغرب فقط، أما بالنسبة للعرب والمسلمين فهي أيام مجدٍ وعزٍّ، وهُمْ يعتقدون بأنهم أتوا بما لم تأتِ به الأوائل، وهُمْ في الواقع أمعنوا في التخلف والرجوع إلى الوراء، ولم يأتوا إلا بالدمار لأمَّتِهم، ولم يعلموا أن الظلم مَرْتَعُهُ وخِيم، وأن حبل الكذب قصير، والحق أن الخلاص لن يأتي إلا على يد رجال صادقين من الذين قال الله فيهم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23).

الرابط المختصر :