العنوان وما زالت القضية بين أرجل الروس والأمريكان!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 776
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 22-يوليو-1986
كانت مؤامرة إسقاط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى بداية الانطلاقة العملية نحو تنفيذ الوعد الذي قطعته بريطانيا على نفسها عام ۱۹۱۷ بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وكانت بريطانيا في ذلك الوقت رائدة الحركة الاستعمارية الأوروبية التي تقاسمت مع فرنسا تركة الدولة العثمانية. وكانت فلسطين -درة العالم الإسلامي- من نصيب الاستعمار البريطاني، الذي بدأ فور وضع أقدامه على تراب فلسطين في تنفيذ ما اتفق عليه رئيس وزرائه الأسبق بلفور مع قادة الحركة الصهيونية، وكان ما كان من تمكين اليهود من تثبيت أقدامهم في فلسطين وإعلان دولتهم عام ١٩٤٧ إثر انتهاء بريطانيا من مسرحية الانسحاب من فلسطين.
وكان بروز القوتين العظميين «الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة» بداية التراجع للمد الاستعماري الأوروبي الذي كانت تمثله بريطانيا وفرنسا، ولهذا بدأت الحركة الصهيونية تتجه نحو القوتين الجديدتين لتأمين الرعاية الضرورية للكيان الجديد، بل وتأمين الحماية اللازمة أيضًا. وكانت طبيعة التوجهات العقدية لكل من الشيوعية والصليبية وأنظمتهما المعادية للعقيدة الإسلامية، إضافة للدور النافذ للقوى الصهيونية في كل من موسكو وواشنطن، يشكلان معًا المنطلق الأساسي لضمان أمن الكيان اليهودي واستمراريته.
ولذلك فليس غريبًا أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كانتا الدولتين السباقتين لإعلان اعترافهما بالكيان اليهودي فور صدور بيان القيادة الصهيونية الخاص بقيام ذلك الكيان. ومن ذلك الحين بدأت عمليات المساندة الأمريكية والسوفيتية تتوالى على الكيان الصهيوني من خلال الدعم المالي والعسكري الذي تدفعه الولايات المتحدة، ومن خلال الدعم البشري الذي يرعاه الاتحاد السوفيتي عبر موجات التهجير اليهودية من روسيا إلى فلسطين المحتلة. ثم بدأت بعد ذلك مؤامرة تدويل القضية برعاية العملاقين السوفيتي والأمريكي، فبعد أن كانت القضية الفلسطينية محصورة في حدودها السياسية والجغرافية و... و... بدأت المحافل الدولية التي يسيطر عليها هذا الجانب أو ذاك بتمييع القضية من خلال تسميتها بقضية الشرق الأوسط، الذي يخضع بالتالي إلى قوانين وأحكام اللعبة الدولية التي يمارسها العملاقان ويتحكمان من خلالها بمصير الشعوب، ومن خلال هذه المؤامرة المشتركة أضحت القضية الفلسطينية كالكرة تتقاذفها الأقدام السوفيتية والأمريكية.
والواضح أن هزيمة يونيو عام ١٩٦٧ كانت بداية لعبة دولية جديدة تمثلت في الدعوة المشبوهة إلى تحقيق السلام بين العرب واليهود وانطلقت مبادرات السلام الواحدة تلو الأخرى، فمن مبادرة روجرز الأمريكية إلى مبادرة تشاوشيسكو الرومانية إلى كرايسكي النمساوية ومبادرات أخرى فرنسية وإيطالية وسوفيتية و... مبادرات من كل مذهب ولون. ورغم نقاط الاختلاف بين هذه المبادرة أو تلك، إلا أنها في مجملها كانت تتفق على نقطة أساسية تتعلق بواقع الوجود الصهيوني في فلسطين وضمان أمنه واستمراريته. وقد حققت القوى الدولية أول أهدافها من خلال اتفاقيات كامب ديفيد التي تضمنت أول اعتراف رسمي في الكيان اليهودي ليبدأ بعدها تنفيذ الفصل الثاني من اللعبة الدولية مع أطراف عربية أخرى، وهذا ما نلحظه من خلال التحركات الدولية الدائرة حاليًا عبر إعلانات جديدة، كالإعلان السوفيتي بعقد مؤتمر دولي يضم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أو عبر التحرك الأميركي الذي يقوده جورج بوش.
والتحركات الجديدة لن تكون سوى نسخة من المبادرات والتحركات القديمة التي لن تخرج عن نقطتها الأساسية التي أشرنا إليها، وهي: انتزاع الاعتراف العربي بالكيان اليهودي الذي يحقق لهذا الكيان المزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية، والتي تمكنه مستقبلًا من احتواء المزيد من الأرض العربية التي يضمها شعار الدولة اليهودية «أرض إسرائيل من الفرات إلى النيل».
إن الأمة الإسلامية مدعوة اليوم إلى اليقظة والحذر مما يحاك لها من «خلال قضيتها المقدسة» من مؤامرات وخطط تستهدف الإجهاز على ما تبقى لديها من نوازع إيمانية يمكنها أن تحرك الإمكانات الجهادية المكبوتة في الصدور، تنتظر القيادات التي تضع القضية في إطارها الإسلامي الصحيح وتفهم السلام على أنه سلام القوة والحق والعدل، الذي ينظر إلى القضية نظرة تكاملية حيث لا فواصل بين حقنا المغتصب عام ١٩٤٧ في حيفا و يافا واللد والرملة، وبين حقنا المغتصب عام ١٩٦٧ في القدس ونابلس ورام الله.. فهي أرض واحدة، ووطن وقضية واحدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل