العنوان ومضة تربوية: غربة بين الأهل
الكاتب عبدالله هادي القحطاني
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993
مشاهدات 42
نشر في العدد 1037
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 09-فبراير-1993
ومضة تربوية: غربة بين الأهل
مفهوم الغربة الشعورية
الغربة في
معناها العام هي البعد والنأي عن الأهل والوطن ولكن أن يشعر الإنسان بالغربة بين
الأهل وعلى تراب الوطن فهذا أمر قد يكون مستغربًا، فكيف يكون الإنسان غريبًا بين
أهله وأصدقائه وفوق ثرى بلاده وتحت سمائها. في واقع الأمر أن ما أعنيه في هذا
السياق هو غربة المبادئ والشعور، فمثلاً عندما يعيش الإنسان بأحلام المدينة
الفاضلة في مجتمع مادي صرف فهو يشعر بغربة ربما تكون أشد غربة من ذاك الذي نأى
بنفسه عن الأهل والديار إلى ديار وأناس آخرين والعكس صحيح، فمن يحمل فكرًا ماديًا
يشعر بغربة وعزلة في مجتمع ليست المادة ديدنه وعقيدته. لذلك فقد يعيش المؤمن بين
أهله وعلى تراب بلاده ولكنه يشعر بغربة شديدة وحسرة تحرقه لما أصاب أهله ومعارفه
من تغير في السلوك والمعاملة وشذوذ في رؤيتهم للحياة ودورهم فيها.
أسباب الغربة وتأكيد النبوءة
فقد اكتسبوا
أنماطًا سلوكية ومعطيات فكرية متطرفة في الانغماس في وحل الرؤى والمعايير المادية
البحتة، فوجود طائفة من الناس ترى أن المادة وسيلة لا غاية أصبح نادرًا في مجتمع
اجتاحته حمى النفاق الاجتماعي وأخذ بهارج الحياة الدنيا ومتعتها كهدف أساسي لا
كمرحلة عابرة. وهذا مصداق لنبوته- صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «بدأ هذا الدين
غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». وفي حديث آخر يتجلى فيه وصف الغربة
الشعورية لمن يلتزم بالمبادئ الربانية حيث يقول- صلى الله عليه وسلم- «القابض على
دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمرة» فالغربة الشعورية أي تلك التي تنتج عن
فارق كبير في التصور للواقع وفي رؤية الحياة أشد وقعًا على قلب الغريب من تلك
الغربة الطبيعية عندما يغادر الإنسان أرضه وأحبابه. لذا فإنما الغربة الموحشة هي:
غربة الروح والمبادئ لا غربة الأحبة والمساكن.
د. عبد الهادي
القحطاني جامعة الملك سعود بن عبد العزيز
(1) وقد وصف
الرسول (ص) تلك الفئة من الناس بأنهم «النزاع من القبائل» التي ترفعت على أن تبقى
في حمأة المادة ووحل الانتماء الجاهلي لكي ترتقي بسمو العقيدة لتبقى غريبة قابضة
على الجمر راضية بمنهج الله ووعده.