العنوان المجتمع الثقافي (1261)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 64
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
ومضة
جلس مهمومًا كاسف البال، بعد أن أدار معركة حامية الوطيس، تمكن خلالها من إسكات أصواتهم، وشل حركاتهم، وملأ قلوبهم بالخوف والهلع، حتى تسمرت عيونهم في محاجرها، وبدوا كأن على رؤوسهم الطير، لكنه بعد أن تركهم شعر بأنه هزم في معركته تلك هزيمة منكرة، لأنه أولًا لم يحقق الهدف المرجو من حملته القمعية، فلا تحسنت أحوالهم، ولا حصل التغيير الذي يريد، ولأنه ثانيًا أعطى أسوأ مثل للمربي الأول في حياة الأولاد وهو أبوهم، ولأنه ثالثًا أساء للعلاقة الحميمة التي ينبغي أن تربط أفراد الأسرة في محضن طفولتهم، ولأنه رابعًا فقد بتصرفه ذلك الكثير من هيبته واحترامه، بعد أن خلخل رصيد الود، وهز ميزان الولاء الذي هو صمام الأمان الطبيعي لتماسك الأسر، وحمايتها من التفكك والضياع، على طريقة كثير من الطغاة الذين يحكمون بالحديد والنار دون أن يظفروا من شعوبهم ولو بالقليل من التقدير.
في جلسته تلك راجع صاحبنا نفسه، وأدرك خطأه، ولكنه ظل حائرًا في إيجاد المخرج من مثل هذه المأزق، فهو إن تركهم تمادوا في مخالفتهم وسوئهم، وإن استخدم الشدة معهم رضخوا لأوامره في اللحظة الآنية، ثم عادوا إلى سيرتهم الأولى؛ لأن الصرامة وحدها لا توجد قناعة، والاستجابة الظاهرة والمؤقتة للصرامة، لا تتجاوز البصر إلى البصيرة، ولا تتخطى الآذان إلى الوجدان، كما أن التفاعل لا يتم إلا بين العناصر التي تشترك وتتشابه في معظم الخصائص، انظر إلى العصا التي أدخلت الماء، تخرج عصا كما كانت، والماء يبقى ماء، ثم إن تفاعل العناصر الإنسانية مع بعضها يعتمد اعتمادًا كبيرًا على كيمياء القلوب، وهي موهبة تمسك بإحكام بخيوط فن التعامل مع الآخرين، بالإضافة إلى المعلومات المكتسبة من معارفهم وتجاربهم..... كيمياء القلوب يمكن استنباطها من الآية الكريمة: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:34)، هذا إذا كان بينك وبينه عداوة، فكيف إذا كان واحدًا من فلذات كبدك؟
هارون الرشيد.. في حياة بادية اليوم وتراثهم
هارون الرشيد كان يحج عامًا، ويغزو عامًا... لكن الشعوبيين حاولوا تشويه صورته الناصعة.
بقلم: أحمد بن محارب الظفيري
هارون الرشيد هو جعفر بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور العباسي الهاشمي، وهو خامس الخلفاء العباسيين وأشهرهم، ولد سنة ١٤٨هـ- ٧٦٦م في مدينة الري من بلاد فارس، وتقع في الجنوب الشرقي من مدينة طهران، وقد فتحها المسلمون في زمن عمر بن الخطاب «رضي الله عنه».
وهو ابن جارية فارسية تدعى الخيزران (ت ۱۷۳ هـ- ۷۸۹م) اشتراها محمد «المهدي» والد هارون- وأنجبت له ابنيه موسى «الهادي» وجعفر «هارون الرشيد» ثم أعتقها المهدي وتزوجها، وكانت الخيزران امرأة حازمة متفقهة بالدين، أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي، ولما شب هارون تزوج ابنة عمه المسماة «أمة العزيز» والملقبة «زبيدة»، وهي ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور، وكانت السيدة زبيدة أو الست زبيدة امرأة صالحة متدينة، معتزة بأصلها الهاشمي القرشي العربي، وكانت أثيرة في نفس زوجها يحبها حبًا جمًا.
والرشيد الذي كتب على عمامته سنة «غازي وسنة حاج في سبيل الله» لم تفارقه زوجته زبيدة، فكانت كثيرًا ما ترافقه في حجاته وغزواته.
وكان الرشيد كثير الاحترام والتودد للفقهاء مثلما كان يفعل أبوه المهدي، فلقد عين الرشيد أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (ت ۱۸۲ هـ) صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه قاضيًا لقضاة بغداد، ثم أصبح أبو يوسف فيما بعد- كما يقول المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) في «مروج الذهب» قاضي قضاة الرشيد، فهو الذي يعين قضاة الأقاليم بعد موافقة الخليفة، وأبو يوسف تلميذ أبي حنيفة غني عن التعريف، فكل مصادرنا التاريخية تشيد بهذا الرجل، فهو قمة شامخة في الورع والتقى والتدين.
وكان الرشيد يجالس الكسائي علي بن حمزة (ت ١٨٩هـ) إمام اللغة والنحو والقراءة، ويجالس الليث بن سعد (ت ١٧٥هـ)، ويستفتيه في كثير من القضايا الفقهية، ولقد أثنى الإمام أحمد بن حنبل على الليث بن سعد حيث قال: «الليث كثير العلم، صحيح الحديث، وما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث»، جاء هذا الثناء في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، ولقد ذكر الطبري (ت ٣١٠ هـ) في تاريخه أن الرشيد كان متدينًا، ويحب أهل الدين، فإذا حج أخذ معه وزراءه وقضاته ووجوه بني هاشم وقادة جيشه.
والآن.. وبالرغم من المسافات الزمنية الطويلة بيننا وبين عهد هارون الرشيد وزوجته الست زبيدة، فلا يزال التراث الشعبي العربي في البوادي والحواضر والأرياف والنجوع يتوارث قصصًا وحكايات كثيرة عن الست زبيدة وزوجها الرشيد، وعن علاقة البهلول وأبي نواس بهما.
وبالرجوع إلى مصادر عيون التراث العربي الموثقة، نجد أن معظم الحكايات التي تدور حول علاقة الرشيد وزبيدة بأبي نواس غير حقيقية، ولا تصمد أمام الواقع التاريخي المثبت عن هذا الخليفة الذي يعتبر بحق من أعظم خلفاء وملوك بني العباس دينًا وخلقًا، ورجاحة عقل، واعتزازًا بنسبه الهاشمي القرشي.
ومن يتمعن بالمأثور الشعبي المتوارث عند أعراب جزيرة العرب الحاليين - ومعظمهم أميين- يجد أن مأثورهم الشعبي يحتوي على الكثير من الحكايات والطرائف والقصص التي تدور حول هارون الرشيد وزوجته زبيدة، ووزرائه البرامكة، ويصف الفكر الشعبي لبادية الجزيرة عصر هارون الرشيد بالرخاء والبحبوحة والعدل والأمان، وإذا رجعنا إلى مصادرنا التاريخية الرصينة نجد أن ما يقوله هؤلاء البدو عن هارون الرشيد صحيحًا وثابتًا، يدل على عظمة هذا الرجل الذي حاول الشعوبيون تشويه صورته العربية الناصعة.. ولكن يأبى الله ذلك، ويأبى الوجدان العربي إلا أن يختزن صورة هارون بداخله نقية منزهة عن كل سواد.
«درب زبيدة»
ومن الشواهد الباقية على الأرض إلى هذا اليوم، والتي تذكر بادية الجزيرة بالرشيد وزبيدة، الدرب الذي يسمونه «درب زبيدة» وتسميتهم صحيحة مائة بالمائة، ولكن بعض كتب التاريخ تسميه إضافة إلى الاسم السابق باسم «طريق الكوفة- مكة» أو «درب محمل الحاج العراقي» فإذا شاء الله ومررت بالصحراء التي يمر بها هذا الدرب... فعرج على أي بدوي تشاهده أمامك سارحًا مع إبله، واسأله عن آثار هذا الدرب.. فإنه سيقف لك متهللًا طلق المحيا، وسيعزمك على لبن نياقه، وسيحكي لك حكايات عابقة بشذى التاريخ، ومضمخة بعطره الفواح عن صاحبة الدرب الطويل الست زبيدة، وعن هارون الرشيد وحكيمه البهلول.
وإليكم قصة درب زبيدة: إن هذا الدرب عمره جد هارون الخليفة أبو جعفر المنصور، واهتم به أيضًا والد الرشيد الخليفة المهدي، ولكن في عهد الرشيد بلغ الاهتمام به أوجه، حيث اهتم الرشيد به اهتمامًا فائقًا، وكذلك اهتمت به ابنة عم الرشيد وزوجته السيدة الصالحة زبيدة بنت جعفر بن المنصور، وعرف هذا الطريق إلى هذا اليوم باسم «درب زبيدة»، فلو سألت أي بدوي في هذا العصر يسكن حول هذا الدرب أين درب زبيدة؟ لأشار لك بیده نحوه، ودرب زبيدة من أهم طرق التجارة والحج في العصور الإسلامية- قبل ظهور السيارات- يبدأ من الكوفة وينتهي بمكة المكرمة، طوله حوالي ۷۷۱ ميلًا، ويتكون من ٣٠ محطة تسمى هذه المحطات «مُعشَّی» و «مُغدَّی» وبين كل محطة ومحطة مرحلة، والمرحلة هي رحلة البدو على جمالهم طوال اليوم، وتعادل ٤٥ كيلو مترًا، والأميرة زبيدة هي التي أقامت عليه المحطات والمنازل والاستراحات والآبار والبرك، ولقد حجت هي وزوجها على هذا الطريق تسع مرات مؤكدة.
وما زالت آثاره ومعالمه باقية حتى هذا اليوم، شاهدتها بنفسي ونزلت بإحدى البرك بواسطة بقايا درجها، ورأيت عيانًا على الأرض جادة الإبل المرسومة على شكل شريط مستعرض طويل، رسمته أخفاف الإبل بضغطها على الأرض عبر العصور والأجيال، وسنتناول هذا الدرب بمقال تاريخي يربط الماضي بالحاضر.
وتروي كتب التاريخ أن هارون الرشيد ومعه زبيدة حج في بعض الأعوام، ولما تعشي في محطة زرود، وتحركت ركائب «قافلة» الحاج قاصدة مكة تذكر مدينة بغداد فتمثل بهذين البيتين:
أقول وقد جزنا زرود عشية
وراحت مطايانا تؤم بنا نجدا
علي أهل بغداد السلام فإنني
أزيد بسيري عن بلادهم بعدا
«عين زبيدة»
ومن أهم أعمال هذه المرأة الصالحة زبيدة، أنها اهتمت بعين ماء في مكة المكرمة، فأرسلت المهندسين والعمال الجيدين من بغداد، وقامت ببذل الأموال والمصاريف الكافية لحفر هذه العين وإعمارها، وتحسينها، وأنشأت لها السواقي التي يجري فيها الماء، فسميت باسمها «عين زبيدة»، وفي عهد الملك عبد العزيز آل سعود تم تجديد هذه العين وإعمارها، ويذكر والدي وقد حج في الثلاثينيات من هذا القرن على ظهور الإبل، أن الحجيج وركائبهم كانوا يشربون من ماء عين زبيدة.
دار البرامكة أو دار البرابكة
مثل لا يزال يتردد على أفواه بادية اليوم، فإذا حلت مصيبة أو كارثة بفرد أو بقوم، فأذهبت المال والدار والولد، قيل إن القوم الفلانيين أصبحت دارهم «دار البرامكة» وبعض البدو يقول: «دار البرابكة» والمعنى واحد.
والملفت للنظر أن هؤلاء البدو المعاصرين الأميين يعرفون قصة المثل التاريخية، ولكن ليس بالتفصيل، فهم يفسرونه بقولهم: إن الرشيد ذبح البرامكة الفرس، وحرق دورهم؛ لأنهم تطاولوا وتآمروا على الحكم، وأراد أحدهم أن يتزوج أخت الرشيد؛ لأن الملك الرشيد زوج زبيدة مجمد، لا يحل ولا يربط بفعل قوة البرامكة.
وإليكم قصة نكبة البرامكة من مصادرها التاريخية: يذكر ابن عبد ربه صاحب «العقد الفريد» والحافظ الذهبي صاحب «العبر في خبر من غبر» والجهشياري صاحب «الوزراء والكتاب» وغيرهم أخبار هذه النكبة، ونلخصها بما يلي:
البرامكة: أسرة فارسية، عميد هذه الأسرة هو خالد بن برمك (ت ١٦٥هـ) وكان وزيرًا للخليفة العباسي الأول (ت ١٣٦هـ) أبي العباس السفاح، وكان خالد بن برمك يتهم بالمجوسية.
وفي عهد الرشيد كان وزيره يحيى بن خالد بن برمك، وكان رجلًا أديبًا حسن التدبير، وكريمًا وممدوحًا بكل لسان، وكان ولدا يحيى الفضل وجعفر يلازمان الرشيد، ويساعدان أباهما في الوزارة، وتصفهما كتب التاريخ بالجود والكرم المفرط، وبلغ الأمر بيحيى وولديه أن استبدوا واستفردوا بأمور الدولة دون الرجوع للرشيد، فأصبحت الخلافة لهم وليس للرشيد منها إلا اسمها، حتى المخصصات العائلية للأسرة العباسية تمر من تحت أيديهم.
وبلغ الاستياء حدًّا لا يطاق عند رجالات العرب في الحكم وخارج الحكم، من عباسيين وغيرهم، فاتصلوا بالرشيد وقالوا له: إن الخلافة ستصبح فارسية مجوسية إن لم تتداركها، لقد عزل أولاد برمك أكثر ولاة الأقاليم، وعينوا مكانهم ولاة موالين لهم، فنحن لا نعرف هل خليفتنا هاشمي عربي أم برمكي فارسي، فطلب منهم الرشيد الصبر، وأخذ الأمور بالرشد والحذر، ووعدهم بأنه سيضرب ضربته القاضية عن قريب.
وفعلاً في سنة ١٨٧ هـ أطبق حرس الرشيد الخاص على بيوت وضياع البرامكة، فتم القبض على يحيى وولديه جعفر والفضل، وجميع أولادهم وذراريهم، فضربت عنق جعفر بن يحيى وأحرقت جثته، وسجن يحيى وولده الفضل وبقية البرامكة في سجن الرقة، فمات يحيى وولده الفضل في السجن، ومات أكثرهم في السجن.
وسويت قصوره بالأرض، فانطفأ ذكرهم، وماتت أخبارهم، فلم تقم لهم قائمة.
«لاني من البرامكة ولا البرامكة مني»
أي: «لا أنا من البرامكة، ولا البرامكة مني» ولهذه الكلمة قصة متواترة تتردد عند البدو، كنت أسمعها وأنا شاب يافع في بدايات النصف الثاني من هذا القرن، والقصة هي: في أحد الأيام كان الرشيد يتجول مع وزيره البرمكي في أحد بساتين البرامكة، وأثناء تجوالهما في البستان أعجب الرشيد برمانة كبيرة متدلية على شجرتها، فحاول الرشيد اقتطافها فلم يتمكن من ذلك لارتفاعها عنه، فقال له وزيره البرمكي: دنق «اركع» يا مولاي لأقف على ظهرك وأقطف لك الرمانة، فدنق «ركع» الرشيد وصعد على ظهره وزيره البرمكي وقطف الرمانة وناولها إياه.
وكان الرجل البرمكي صاحب البستان حكيمًا، يسمع ويرى ما حصل بين الرشيد ووزيره، فهاله أن يتجاسر الوزير البرمكي على سيده بهذه الصورة المشينة، فما كان من هذا الرجل- صاحب البستان- إلا أن أحضر ورقة وكتب عليها: «ما أنا من البرامكة ولا البرامكة مني»، وتقدم للرشيد قائلاً له: يا مولاي، وقع لي على هذه الورقة، فلما قرأها الرشيد التفت إليه وقال: ما الذي دفعك لكتابة هذا الكلام؟ فقال: هذا يا مولاي أمر يخصني، وأنا أعرف به، فوقع له الرشيد، وسلمه ورقته.
ولما نكب الرشيد البرامكة، واستأصل شأفتهم، كان من بين المقبوض عليهم صاحب الورقة، حيث قدمها للرشيد قائلًا له: «ما أنا من البرامكة ولا البرامكة مني وهذا توقيعك يشهد على ما أقول»، فأنقذته ورقته من الموت.
حكايات في كتب التراث
ولو رجعنا إلى كتب التراث والمصادر القديمة لوجدنا فيها الكثير من الحكايات الشبيهة بهذه الحكاية، فالفضل وجعفر ابنا يحيى البرمكي أسقطا كل حاجز نفسي ومادي بينهما وبين الرشيد، على اعتبار أنهما أخواه ووزيراه، فأمهما هي التي أرضعت الرشيد، وتسمت بأم الرشيد، ولكن الرشيد عندما شب عن الطوق، وأحس بخطر المؤامرة على الدين والدولة، رجع إلى ربه محتسبًا ومعتمدًا، وابتعد عن مجالس آل برمك المبتذلة، ونادى أبا يوسف القاضي والليث بن سعد وغيرهما من العلماء الثقات قائلًا لهم: انصحوني وقوموني، فوالله إن سيرة جدي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب هي التي يهفو لها قلبي ويسعى بتطبيقها.
إن قصة زواج العباسة أخت هارون الرشيد من جعفر بن يحيى البرمكي، قصة شعوبية مدسوسة، لا أساس لها من الصحة، بالرغم من أنها ذكرت في بعض المصادر البعيدة زمنيًّا عن عهد الرشيد معتمدة على إشاعة كاذبة راجت بعد مقتل البرامكة، والعجيب أن هذه المصادر التي ذكرتها أضافت عليها حبكة فنية قد تكون مقصودة أو غير مقصودة، وهي أن الرشيد وجعفر والعباسة يجلسون جميعًا في مجلس مبتذل فيه طرب وشراب وتهتك.
وألف الكتاب المتأخرون حول هذا الزواج المزعوم بين العباسة والبرمكي الكثير من القصص بعضها لمستشرقين أجانب، وبعضها لعرب مثل: «قصة العباسة» للكاتب المصري جورجي زيدان، و«مسرحية العباسة» للشاعر المصري عزيز أباظة، وأشار لها الأستاذ منير العجلاني في كتابه «عبقرية الإسلام» حيث يقول: «وتغلب جعفر في النهاية على أمر الرشيد، الذي كان يحبه حبًّا جمًّا حتى زوجه أخته العباسة، وكان الرشيد يحب مجلسهما كثيرًا، وذلك لينعم باجتماعهما في مجلس واحد».
فهذا المؤرخ القديم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري «ت ۳۱۰هـ» صاحب كتاب «الرسل والملوك» وهذا عبد الرحمن بن محمد بن خلدون «ت ۸۰۸هـ» صاحب «المقدمة الشهيرة» التي اكتشف أهميتها الأوروبيون قبل أن نكتشفها، وصاحب تاريخ «العبر وديوان المبتدأ والخبر» ينفيان هذا الزواج نفيًا قاطعًا بالأدلة النقلية والعقلية المعروفة والمنقولة عن سيرة هذا الخليفة الهاشمي العربي المسلم هارون الرشيد.
ولا تنس أن الوجدان الشعبي يختزن الحقيقة والخيال، والوهم والخرافة .. يصطنع هذه الأمور بعد حدوث الأحداث الجسام، فيختلط الواقع بالخيال، والماء بالسراب.
لذلك يفترض بباحث التراث والتاريخ أن يكون ملمًّا بتاريخ الأمة المكتوب والمتوارث عبر أجيالها الطويلة.. قادرًا على أن يقارن بين الأسباب ومسبباتها، بين حوادث اليوم والأمس.. بين الصحيح والمدسوس حتى يتمكن من تقديم الصحيح المثبت من مصدره الصادق، وبذلك يريح ضميره، ويرضي ربه تعالى.
نهاية هارون الرشيد
ذكر الطبري أبو جعفر محمد بن جرير «ت ۳۱۰هـ» ومؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان «ت ٧٤٨ هـ»: أن الرشيد مرض وهو في غزوة من إحدى غزواته، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ١٩٣ هـ في مدينة طوس من إقليم خراسان، وكانت مدة خلافته ثلاثًا وعشرين سنة، حج مرات وغزا عدة غزوات حتى قيل فيه:
فمن يطلب لقاءك أو يرده
فبالحرمين أو أقصى الثغور
وكان شهمًا شجاعًا حازمًا جوادًا، ممدحًا، فيه دين وسنة، وكان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وعظه الفضيل وابن السماك، وغيرهما، وله مشاركة قوية في الفقه والأدب والعلم.
واحة الشعر
شعر: حبيب بن معلا اللويحق المطيري (*)
لا..
إلى سدنة مشاريع السلم المتخاذلة
ستبزغ اللاءت كالنهار
كالفجر
كالشموس
كابتسامة الصغار
ستطلع اللاءات
في طلوعها تبدل العصور
كاستدارة الأحلام
ستطلع اللاءات
تزفها مواكب الشعوب
وفي هديرها الموار في احتدامها
تماوجُ الدهورْ
فكل حي لا
وكل ميت لا
ترونهم قنابلا
مشاعلًا
تضيء كل دار
و«لاؤنا» ليست ک «لاء» غيرنا
«فلاء» غيرنا
شعار
و«لاؤنا» انتصار
تفجرت لاءاتنا
كما تفور النار
جحيمها يذيب
كل شاهق
يهشم الجدار
تلقونها
في كل مسجد
وكل معهد
وكل شارع
وكل دار
في رعشة الربيع
في سماحة الوجوه
غضنتها
الريح والأمطار
القول قول «لا»
والرأي رأي «لا»
يحدو بها المزارع الأبقار
يشدو بها الصغار والكبار
وترقص الصغير أمه «بلا»
يا أيها الصغير
تذكر الخيانة التي تصاغ بالقرار
تذكر الأوطانَ
والحقوق والديارْ
تعلم الرفض لكل جوقة
تميل بالمزمار
ولا تصدق الأبواق
إنما هو استسلام
وإنما هو انهيار
فنحن ألف «لا»
وألف ألف ألف «لا»
خذوا سلامكم
وأطعموه خيلكم
وإن تقذرته خيلكم
فأطعموا الحمير
ما أكثر الحمير في سلامكم
ما أكثر الحمير
***
يا أيها القطيع يا شراذم اليهود
يا لعنة الزمان
والمكان
والجدود
يا أرذل العبيد
يا حثالة الدهور
ستشعل الشعوب نارها
تأتيكم
بخيبر
أو النضير
أو نذير قينقاع
تجتث كل غرقد
تذيبكم
بجحفل الأبرار
فأين تذهبون؟
الأرض تنبت القنابل
الحمراء
تنثر الأسى
تميد بانفجار
وزحفنا
يجيء كالإعصار
سيوقد
المشاعل الكبار
كي يضيء درب الثأر.
(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية- الرياض
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل