; وهم أمريكا.. والسقوط إلى الهاوية | مجلة المجتمع

العنوان وهم أمريكا.. والسقوط إلى الهاوية

الكاتب محمد أبا بكر

تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001

مشاهدات 47

نشر في العدد 1463

نشر في الصفحة 41

السبت 11-أغسطس-2001

يقول رئيس تحرير الجارديان البريطانية السابق بيتر برينسون: «يبدو أن الأمريكيين يعتبرون أنفسهم السادة الجدد في هذا العالم روسيا فيه قوة مهمشة والصين تحتاج إلى تحجيم فهم كسبوا الحرب الباردة لأنهم دفعوا الاقتصاد السوفيتي إلى الانهيار دون أن يطلقوا طلقة واحدة، ولم يعد هناك سباق جديد للتسلح... 

قد يمكن أن يتحول الأمريكيون خلال عقدين - باستخدام بلدوزر العولمة «الأمركة» والشركات العملاقة ومن خلال عسكرة الفضاء من جديد - إلى قوة كابحة بمنع ولادة أي منافس لهم وسيكون هذا هو السلام على الطريقة الأمريكية بهذه الكلمات يكون هذا البريطاني قد لخص الرؤية الأمريكية التي ثبت خطؤها، بل ستبرهن الفترة القادمة على فشلها.

 لقد ضاق المجتمع الدولي زرعًا بكل ما تفعله الولايات المتحدة في شتى أنحاء العالم من ممارسات وسياسات جعلتها تفقد مصداقيتها خاصة في مجال حقوق الإنسان فما تقوله يخالف تمامًا ما تفعله سواء داخليًا أو على المسرح الدولي.

فبعد انهيار النظام الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي نصبت الولايات المتحدة نفسها الزعيم والقائد واعتبرت أنها الجديرة بزعامة وريادة العالم، وقدمت نفسها على أنها نموذج يتعين أن تحتذيه الدول الأخرى خاصة في تطبيق النظام الديمقراطي، لذلك أخذت زمام المبادرة وبدأت تلعب دور الرقيب على الأوضاع السياسية لأغلب دول العالم وتتدخل في شؤونها الداخلية من خلال إطلاق العديد من الأحكام. 

أصبح شعار حقوق الإنسان الذي ترفعه الولايات المتحدة، داعية الديمقراطية تجارة أمريكية تبتز بها واشنطن كل من يخالف خطها وتوجهها السياسي، توجه رسائلها الإعلامية وتسخر كل إمكاناتها وتدابيرها للحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان وتعمل على تشويه صورة هذا البلد أو ذاك أمام العالم لم تدرك أمريكا أن الـعـالـم أصبح يعي ويفهم كل ممارساتها وسياساتها المكشوفة المبنية على ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين في تعاملها مع قضايا الإنسان في العالم، أدرك ذلك أصدقاؤها قبل أعدائها فعملوا على إسقاط عضويتها من لجنة حقوق الإنسان الثالث من مايو الماضي بعد أكثر من نصف قرن من احتفاظها بمقعدها داخل هذه اللجنة فيما دخلتها السودان وليبيا وكويا «الدول غير المرغوب فيها والتي تتعرض للعقوبات الأمريكية». 

وبعد أربعة أيام فقط من خسارتها العضوية لجنة حقوق الإنسان خرجت الولايات المتحدة من مكتب المخدرات الدولي، وتعليقًا على ذلك قال سفير فرنسا في الأمم المتحدة: إن فوز فرنسا يعود لاتباعها سياسة خارجية تقوم على ركيزتين هما الحوار والاحترام، في حين قال سفير الصين إن سقوط الولايات المتحدة يعود إلى تقويضها لمناخ الحوار.

لقد نسي الرئيس الأمريكي جورج بوش قوله أثناء حملته الانتخابية إن على الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة أن تتواضع في تعاملها مع العالم لأن التعالي والغطرسة أسلوب يجعل العالم يكرهنا. وهذا ما حدث فعلًا، فقد فقدت أمريكا مقعدين مهمين في لجنتي حقوق الإنسان والمخدرات وقد تكون هذه هي النتيجة الطبيعية لأفعال واشنطن، فالأوربيون مستاؤون من مواقف أمريكا الخاصة من نظام الدروع الصاروخية التي هزت توازن العالم، ومن تخلي أمريكا عن معاهدة كيوتو الخاصة بالاحترام العالمي للمناخ ومن تورط كثير من الدول الأوروبية في مشاكل البلقان بسبب السياسة الأمريكية الهادفة إلى تفتيت المجتمعات الأوروبية إلى دويلات صغيرة تسهل السيطرة عليها واحتواؤها تحت لوائها.

الفيتو الأمريكي الذي أسقطها

إن مواقف الولايات المتحدة - المنحازة دائمًا المظلم والعدوان تحت دعاوى ومسميات مغايرة لما تعارفت عليه الشعوب وضمنته في القوانين والقرارات الدولية وضد الشعوب المقهورة خير دليل على سياستها المزدوجة، لقد استخدمت أمريكا حق الفيتو في وجه شعب أعزل يواجه حرب إبادة من جيش من القتلة يتسلح بأفتك أنواع الأسلحة الأمريكية وتجرد من كل المشاعر الإنسانية ولم يفرق بين مقاتل مسلح وطفل في أحضان والده أو رضيعة بريئة لا ذنب لها استخدمت حق الفيتو لتمنع المجتمع الدولي من ممارسة مسؤوليته لحماية الشعب الفلسطيني من هالة الحرب الصهيونية الأمريكية الغاشمة.

 ويشير التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العالم الذي أصدرته منظمة العفو الدولية مؤخرًا إلى انتهاكات حقوق الإنسان داخل المجتمع الأمريكي.

كما هاجم السياسة الأمريكية ذات المعايير المزدوجة وقال: بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب الباردة فإن الولايات المتحدة مازالت مستمرة في دعم ومساندة أكثر نظم الحكم في العالم ديكتاتورية وانتهاكًا لحقوق الإنسان سواء بالمعونات الاقتصادية والعسكرية أو التدريب بصفقات الأسلحة الهائلة ودعم أجهزة الأمن المكلفة بقهر المواطنين وانتهاك حرياتهم دفاعًا عن هذه النظم. 

شعار حقوق الإنسان تجارة أمريكية تبتز بها واشنطن كل من يخالف خطها وتوجهها السياسي

إن قوات الاحتلال الصهيوني تمارس أبشع أنواع العنف ضد الفلسطينيين بتصعيد مستمر ومنظم سعيًا لاستئصالهم من أراضيهم كما كان يفعل هتلر عندما أراد استئصال الجنس غير الآري، لقد أصبح الدور الأمريكي الداعم لآلة الحرب الصهيونية مفضوحًا للجميع ومعروفًا للقاصي والداني، ذلك الدعم الذي كشف عن بعض جوانبه الخفية تقرير لجريدة الواشنطن بوست الأمريكية، يؤكد أن أمريكا لم تكتف بعد تل أبيب بأحدث الأسلحة من ترسانتها الاستراتيجية مباشرة بل إنها اتخذت من الكيان الصهيوني قاعدة كبرى لتخزين أحدث الأسلحة مما جعلها أقوى الترسانات العسكرية وأكبر قاعدة أمريكية خارج الحدود وفقً لاتفاق استراتيجي تم بين البلدين في الثمانينيات. 

وباعتراف دبلوماسيين أوروبيين وكنديين فإن هناك عوامل عدة ساهمت في إسقاط عضوية الولايات المتحدة من لجنة حقوق الإنسان لأول مرة منذ أن أنشئت هذه اللجنة عام ١٩٤٧م أولها «حسب رأي هؤلاء الدبلوماسيين» استخدام الفيتو الأمريكي ضد حماية الشعب الفلسطيني والانحياز الواضح لصالح الكيان الصهيوني والموافقة الضمنية له على التمادي في استخدام القوة المسلحة ضد الفلسطينيين، الأمر الذي اغضب كثيرًا من الدول العربية والنامية وحتى حلفاءها الأوروبيين. 

الضمير العالمي يرفض المعايير الانتقائية

 إن إبعاد أمريكا من لجنتي حقوق الإنسان والمخدرات هو نداء قوي وتعبير صادق أراد من خلاله الضمير العالمي رفض المعايير الأمريكية الانتقائية غير المقبولة هذا النداء - وكما أشار المستشار السابق لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة نعيم قداح - يتضمن العديد من الرسائل الموجهة إلى الإدارة الأمريكية أهمها:

الرسالة الأولى: استنكار العالم لما قامت به أمريكا من استخدامها حق الفيتو في مجلس الأمن ضد تمرير قرار تشكيل قوة دولية لحماية الفلسطينيين، هذا الموقف الأمريكي وما استتبعه من مشاعر الإحباط لدى دول العالم للمعايير المزودجة وسياسة الكيل بمكيالين في مجال حقوق الإنسان ومساندتها بطريقة مباشرة وغير مباشرة للانتهاكات الصهيونية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية ودعمها لتل أبيب في استخدام الأسلحة والصواريخ والطائرات وقتل الأبرياء المدنيين والأطفال وتدمير البيوت والمنشآت وفرض حصار واستخدام أساليب الضغط الاقتصادي والمعيشي ضد الشعب الفلسطيني كل هذا كان له صداه وانعكاساته على النتيجة التي توصلت إليها لجنة حقوق الإنسان بشأن عضوية أمريكا.  

الرسالة الثانية أصبح شعار حقوق الإنسان الذي ترفعه الولايات المتحدة شعارً أجوف بلا مضمون، ففي أمريكا نفسها تنتهك حقوق الإنسان من هنا جاء رفض كثير من دول العالم استخدام الولايات المتحدة لقضية حقوق الإنسان كسلاح ساسي للهيمنة والسيطرة على الدول التي لا تؤيد السياسة الأمريكية وتتبنى نهجها وتوجهها على المسرح الدولي، حيث اتخذت أمريكا من لجنة حقوق الإنسان ساحة لتوجيه انتقادات واتهامات لكل دولة لا تسير في ركبها، بل تسعى لاتخاذ إجراءات عقابية عليها من مقاطعة أو حصار اقتصادي أو سياسي أو عسكري، ومن هذه الدول كوبا وإيران والصين والسودان، خصوصاً أن نتيجة الانتخابات في لجنة حقوق الإنسان جاءت في وقت كانت الاتهامات فيه على أشدها بين كل من الصين وأمريكا بشأن هذه القضايا.

الرسالة الثالثة: بانتخاب بعض الدول التي تعتبرها أمريكا من الدول الراعية للإرهاب ولا تحترم حقوق الإنسان واكتسابها عضوية اللجنة ومنها السودان في الوقت الذي سقطت عضوية أمريكا في اللجنة بهذا يكون المجتمع الدولي قد أعطى واشنطن درسًا قاسيًا عسى أن تستوعبه وتغير من سلوكها وسياساتها المزدوجة في علاقتها وتعاملاتها الدولية وكذلك نظرتها الاستعلائية الانتقائية المتغطرسة. 

الرابط المختصر :