العنوان ويل للعرب من شر قد اقترب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988
مشاهدات 73
نشر في العدد 853
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 26-يناير-1988
هذا حديث شريف
ينبه العرب دائمًا إلى الأخطار التي تحدق بهم، باعتبارهم حملة رسالة الإسلام،
وبلادهم بلاد الوحي والمقدسات. وقال العلماء في شرح هذا الحديث إنه ينبه إلى خطورة
الاختلاف بين العرب مما يؤدي إلى الاقتتال بعد أن يكفروا بالنعمة ويتركوا ما جاء
به نبيهم من الإسلام. وتمام الحديث «أفلح من كف يده» أي كف يده عن التمادي في
الفتنة، وإثارة الخلاف والنزاع، والله سبحانه وتعالى قد أنذرهم بقوله: ﴿وَإِن
تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (محمد: 38).
وأعظم نعمة منَّ
الله بها عليهم هي الوحدة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا
ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل
عمران:103).
وقد أصبح العرب
اليوم هدفًا لكل طامع، وازداد الطمع فيهم بعد ظهور النفط في بلادهم، لذلك يتعين
عليهم أن يكونوا على حذر وبصيرة من طمع الطامعين، وحقد الحاقدين، وحسد الحاسدين،
وطغيان الظالمين، ودسائس المتآمرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا
حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن
لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ
اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا
لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 71-73).
فالطريق الوحيد
لقطع دابر الفتنة، ودحر الأعداء وحماية الأوطان هو الوقوف صفًا واحدًا أمام هذه
الأخطار، والتصدي لها بكل حزم وقوة ولا يسمح لأي محاولة لاختراق الصف من قبل القوى
المعادية، فقوتنا في وحدتنا، ونصرنا في قوتنا، فلم يعد للضعفاء مكان في بحر هذا
العالم الذي تأكل فيه الأسماك الكبيرة الأسماك الصغيرة، لقد آن الأوان أن تذوب
الخلافات وتكونوا في كيان واحد قوي متماسك لا تخترقه قوة ولا تقوى عليه عُدة، ولا
ينال منه طامع حقود. ونحن مع الأسف نتكلم كثيرًا عن الوحدة، ولكن «جعجعة بلا طحن».
لقد فرقتنا الأهواء والأفكار الضالة، مع اتصافنا بالانفعال وعدم الثبات على
المبادئ، فما أن يوقع على اتفاق أو اتحاد إلا ويُلغى قبل أن يجف الحبر على الورق
الذي كتب به ويعود الشقاق والافتراق وهكذا دواليك، وكأننا في فلك غير فلك البشر،
ونحن نرى دول العالم من حولنا تتوحد من أجل مصالحها، ولحماية أمنها وسلامتها، فهذه
كتلة السوق الأوروبية المشتركة وهذه الكتلة الشرقية، وهذه منطقة جنوب شرق آسيا،
فهذه الدول توحدت في كلمتها لحماية مصالح شعوبها، على الرغم من اختلافها في اللغة
والدين، فلماذا لا نتوحد نحن مع توفر عوامل الوحدة عندنا، ونحن أحوج ما نكون إليها
في ظروفنا الحالية، فكل الكائنات الحية تتوحد عندما تشعر بالخطر يهددها، ونرى
الحيوانات تهرع إلى التجمع عندما ترى عدوًا مقبلًا. ومع الأسف إننا نتيح للأعداء
الفرص من غير جهد منهم ليتحكموا في مصائرنا، ومصيبتنا في المتلونين والمتقلبين،
الذين تراهم يومًا لك ويومًا عليك.
أخ لي كأيام
الحياة إخاؤه *** تلون ألوانًا عليّ خطوبها
وتراه كما قال
الآخر:
بعيد قريب أحمق
متطرف *** سخي بخيل مستقيم مخالف
فكيف تستقيم
الأمور ونطمئن على أنفسنا إذا كنا نعتمد على إخوة هؤلاء المتقلبين وصداقتهم.
يهب مع الرياح
بكل فن *** يميل مع الزمان بكل لون
أو على أولئك
الذين يظهرون الوفاق ويضمرون النفاق، إخوان طمع، وأعداء نعم، وأصدقاء العيان،
وأعداء الغيب، يطلقون التصريحات فنطمئن إليها، وفي الخفاء يرتبون المؤامرات مع
الأعداء.
احذر أخوة كل
مَن *** شاب المرارة بالحلاوة
فأهل الباطل
ملتهم واحدة، فيجب ألا تُخدع بالشعارات.
وكل فريق إلى
شكله *** كأنس الخنافس بالعقرب.
إننا إذا
استلهمنا التاريخ، وتأملنا أحداث الماضي، لن نجد تغييرًا في المواقف فيما كان، وما
هو كائن.
ونحن نقرأ في
قرآننا قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا
ۚ﴾ (آل عمران:103) فأبينا إلا التفرق، وقرأنا في التاريخ ما جرى للعرب في الأندلس
عندما تفرقوا طوائف يكيد بعضها لبعض، وغرقوا في البذخ والترف فاستؤصلوا عن آخرهم.
وفي تاريخنا
الحديث انهزمنا أمام إسرائيل في ثلاث حروب بسبب تفرقنا وتشتتنا، فإذا أردنا أن
نتغلب على سلبياتنا فعلينا أن نعرف ثمن انتصاراتنا وهزائمنا، ونُقيم مواقفنا،
ونسير في ثقة في خطوات ثابتة إلى الأمام من غير تبعية في الأفكار السياسية
والاجتماعية، وعلينا أن نتيح الفرصة أمام الشباب للإبداع، ولا نكبت حماستهم بالقمع
والإرهاب، بل نحاول ترشيدها بالحوار والتوعية، وتشجيعه على الالتزام بالقيم
والأخلاق، فالشباب هو الأمل وهو العُدة وهو المُخلص.
إن التحديات
التي تواجه العرب اليوم تقتضي مزيدًا من الوعي ومزيدًا من العمل، فغرس كيان غريب
في قلب الأمة يهدد مستقبلها، وذلك ما يفرض على الشباب الاستعداد للجهاد.
ومما ضاعف مشكلة
علاج خطر إسرائيل الحرب الإيرانية العراقية، وقد كان العرب يظنون أنها مجرد نزاع
بين جارتين مسلمتين في الإمكان التغلب عليه، وحله في المحيط الإسلامي، فإذا هي تمر
ثماني سنوات مدمرة، تقضي على الأخضر واليابس، وتأتي أساطيل الغرب والشرق إلى
المنطقة وتهدد مستقبل الأمة بأسرها، ويخطئ من يظن أن المجالس الدولية ستعمل على حل
مشاكلهم أو أنها ستحمي الذي يتعرض للعدوان.
إن القرارات
التي أصدرتها المنظمات الدولية بإدانة إسرائيل على عدوانها في فلسطين ولبنان
ودعوتها إلى الانسحاب من البلاد العربية لا تعد ولا تحصى، ولم تفد شيئًا.
الحرب الإيرانية
العراقية لن تقف إلا إذا وحد العرب كلمتهم، ولن يأمنوا في أوطانهم إلا إذا توحدت
أهدافهم، وقويت شوكتهم بالتضامن والاتحاد، ورفعوا شعارًا واحدًا هو شعار الحق الذي
قامت عليه عزة العرب وصلُح عليه أمرهم. اللهم اجمع كلمتنا على الحق، ولا تسلط
علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل