; يا باغي الخير أقبل.. ويا باغي الشر أقصر | مجلة المجتمع

العنوان يا باغي الخير أقبل.. ويا باغي الشر أقصر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994

مشاهدات 78

نشر في العدد 1087

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 08-فبراير-1994

جاءت مواسم النور وأيام النفحات وإشراقات الهداية، تحمل عبق الذكريات الحبيبة وأنسام التجليات الرطيبة، وأهلت أشواق السجدات والركعات والابتهالات وتعلقت القلوب بالنفحات والتجليات وانفلق الإصباح عن بشريات العطاء الإلهي الغامر، والفيض الرباني السابل، وانبثقت في الحياة أعراس الطهر والفضيلة، وانتشرت في الآفاق ترانيم العُباد والعارفين، ورفرفت حول مرابع التقوى نفوس القاصدين، وسرى للتوّ واللحظة في أعماق الموحدين التكبير والتهليل واختلطت أطياف الأرواح بإشعاعات المقربين، وهامت الملائكة في حلقات المتهجدين، ولف النور مساجد المسلمين الطائعين، وما كل هذا العبق والشذى والنور والهدى إلا احتفاء بميلاد الرسالة وظهور خير أمة، وما هذا التجلي والكرم الإلهي إلا لإعلام الإنسان المسلم بمواسم الخيرات فيغترف منها، وإخباره بأيام النفحات فيتعرض لها، ولفته إلى أيام المغفرة فيتضرع فيها، وإرشاده إلى مسالك التقوى فيسارع إليها، ولهذا ناداهم ربهم بهذا اللفظ الحبيب إلى القلوب ليعلمهم بذلك فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

وهكذا تظهر الغاية الحقيقية لذلك الصوم، إنها التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في قلوب الصائمين وهي تؤدي هذه الفريضة وتعيش في هذا الجو الإيماني الحاني، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من المعاصي والذنوب، وتحفز الهمم إلى التسامي والترقي في مراتب الكمال والعلو، ورمضان موسم هذا كله والصوم صانع هذا جميعه، عن سلمان رضى الله عنه قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا يا رسول الله: ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو على شربة ماء، أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له، وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غنى بكم عنهما، فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن سقى صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة».

هذا الخير جله وهذا الفضل كله، إنما هو جائزة لأناس وقفوا والتزموا تعاليم ربهم فكانت عندهم تلك الطاعات طبيعة وكانت عندهم هذه الآداب غريزة وقربي.. قال صلى الله عليه وسلم: «والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب» فكانوا نعم الأطهار البررة «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

ولهذا كانت مدرسة رمضان مدرسة الكرام العمالقة أولي العزم، لا يُقر بها قميء، ولا ملوث، ولا باغٍ، ولا مقصر، ولا منهار، ولا مجرم إلا إذا تجرد من هذا كله وتطهر واستقام وأخلص القلب والنية وشمر وشد المئزر وتسلح بالعزيمة واستعد لحمل المنهج، لأن رمضان لا يعرف المداخلات النجسة ولا يقبل المخالطات الهابطة تلك التي تلوثه في الأوحال وتحجب بينه وبين شموس الهداية الدافئة، جاء فيما رواه عبدالله بن مسعود رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء رمضان نادى مناد من السماء كل ليلة إلى انفجار الصبح يا باغي الخير يمم وأبشر، ويا باغي الشر أقصر وأبصر، هل من مستغفر يغفر له؟ هل من تائب يتوب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟» نعم ينادينا ربنا في رمضان وكل رمضان، فهل يقبل المسلمون على النداء وهل يسمعون الداعي؟ إننا أحوج ما نكون إلى طهر يبعد الآثام، وعزم يبعد الوهن، وحب يبعد التقاطع، وإيمان يبعد الشيطان، وقوة تبعد الأعداء، إننا أحوج ما نكون إلى عون الله ومدده، وإلى تعاليم الله وهداه، بعد أن تقطعنا في الأرض أيدي سبأ، واستضعفنا في الحياة لكل طامع، واستباح بلادنا كل شريد، إننا جنس غريب الآن عن رمضان، رمضان الطهر والنقاء، رمضان العزم والكفاح، رمضان الفتح والإقدام. يتنافر رمضان مع الوهن والخذلان، ويتعادى مع الذل والهوان ويتدابر مع الشح والإقتار، ويتباعد مع التدني والانحدار، وصدق صلى الله عليه وسلم حين قال: «إن جبريل عرض لي فقال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت أمين» فكم من مبعد في رمضان، قد يكون المبعد أفرادًا وقد يكون أممًا وشعوبًا. 

رمضان يفتح ذراعيه للرجال والأبطال لأنه شهر العزم والفرقان، ويهرول نحو المحسنين والكرماء، لأنه شهر العطاء والخيرات، فهل تستفيد الأمة من رمضان؟ وهل تغتنم هذا الشهر الكريم فتتوب إلى الله من الخطايا وهي كثيرة ومن الآثام وهي عظيمة؟ هل تلتفت إلى الجياع خاوي البطون فتطعمهم، والعرايا فتكسوهم، والمحتاجين فتعطيهم؟

إنه شهر الطاعة والبركات فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر.

الرابط المختصر :