; يلماظ وتكنولوجية «سنفا» و«برْهَمْتُوش» | مجلة المجتمع

العنوان يلماظ وتكنولوجية «سنفا» و«برْهَمْتُوش»

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996

مشاهدات 58

نشر في العدد 1209

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 23-يوليو-1996

سنفا وبرهمتوش قريتان من قرى مصر وريفها، يعمل سكانهما في الزراعة التي هي عماد القرية المصرية، حيث يأكل الفلاح «الزارع» من عمل يده، ويعيش على كده، وينعم بهذه البيئة الطبيعية الخالية من التعقيد والتقييد، تشعر وأنت تسير في شوارع القرية الضيقة الترابية براحة نفسية، كأنك تمشي في الحدائق الغناء، لأن الطبيعة هي الطبيعة سعادة الإنسان بها تكون في عفويتها وفطرتها، وراحة الإنسان في جناتها تأتي من هدوئها ونداوتها، وتجلس مع سكانها رقيقي الحال فتشعر ببرد الحنان الفطري، وتحس شوق القلوب الدافئة، وترى الحب العفوي، وتسمع التقدير الأخوي، وتبصر الأشياء على طبيعتها كأنك تسمع خرير النبع الصافي، وتنظر إلى انسياب النهر الجاري، والموج الهادئ، والأشجار المتعانقة، والأنسام العليلة التي تلمس خديك وتدخل إلى رئتيك فتملؤها صحة وعافية ونشاطًا وسعادة، ترى الإنسان كما خلقه الله، لا كما شوهته الأبالسة، وشكلته الأحقاد وخربته المدنية، ولوثه النفاق، وذابته التكالبات على الدنيا، واستعبدته المطامع، فصار تعيسًا بئيسًا وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش». 

أهل القرية يشعرون أنهم أسرة واحدة يتوادون ويتراحمون ويتواصلون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر. 

المرأة تعيش تسعد زوجها، والزوج يكد ويكدح ليفرح زوجه، والأسرة كلها تعمل وتجد لتربي الأولاد، وتحضنهم وترعاهم، كما تحتضن الطبيعة النبتة، والطير فراخه بغير كلل أو ملل لأنها الطبيعة، والكل جزء منها، الكرم طبيعة والوفاء طبيعة، والإيمان طبيعة، والعفة طبيعة والإخلاص سجية، والشجاعة والنجدة فطرة ورجولة، والصداقة دستور لا يمس، والمسجد في القرية هو بيت الله الكل يسارع في عمارته وصيانته، وهو المكان المقدس الذي تلقى فيه دروس العلم، وتقوم فيه حلق تحفيظ القرآن وتعليم الصبية، وتلقينهم كتاب الله يحضر الناس فيه الجماعات والجمع التي يؤمهم ويخطبهم فيه محفظ القرآن في القرية، أو بعض متعلميها المتطوعين، وغالبًا ما تكون الخطبة من ديوان الخطب الذي ألف زمن السلطان الغوري، والخطب فيه مقسمة على الجمع والشهور للسنة الهجرية، وقد يخرج الخطيب المتعلم بعض الشيء عن هذا التقليد ليحث الناس على شيء من أمور دنياهم، وأحوالهم المعيشية، وكان خطيب بلدتنا دماص مركز ميت غمر التي تبعد عن قرية سنفا وبرهمتوش حوالي 4 كيلو متر من هذا النوع الذي يوجه الناس إلى أشياء تنفعهم في دنياهم من فوق المنبر، فإذا به في أحد خطب الجمعة، يعلو صوته، وتتصلب عضلاته، وينطق بصوت جهوري يحث الناس على فعل ما ينفعهم فيقول: «نريد أن نتقدم ونتحضر مثل البلاد الأجنبية، سنفا وبرهمتوش، وكان أحد الوجهاء في سنفا وبرهمتوش قد اتفق مع أهل القريتين أن يقوم أهل كل شارع وكل حارة بوضع فانوس للإضاءة مرفوعًا على قطعة من الخشب الإضاءة الشارع من الظلام الدامس ليًلا، فاعتبر الخطيب أن هذه تكنولوجيا متقدمة جدًا، واختراع كبير وحضارة فائقة، ولابد من اقتداء بلدة «دماص» بهذه التكنولوجيا المتطورة، يجب إرسال بعثة من البلدة لتقصي هذا الاختراع حتى لا نتخلف عن ركب سنفا وبرهمتوش الحضاري». 

والناس بعفويتهم وفطرتهم الطيبة يتقبلون هذا التوجيه، ويظنون أن كلمة البلاد الأجنبية هذه هي البلاد المجاورة التي لا يعرفون إلاها ولم ينظروا إلى سواها، فهي دنياهم وعالمهم الذي لا يختلطون بسواه، وإن بلادهم هذه هي أم الدنيا، وليس في الإمكان إبداع مما كان، وقد تظن سنفا وبرهمتوش أنها هي الأخرى سبقت العالم بهذا الاختراع الفريد، وأن الآخرين بالنسبة إليها متأخرون جدًا. 

هذا كان من أحاديث الماضي الذي عشناه ذكرني به وأحياه في فؤادي الأستاذ مسعود يلماظ- زعيم حزب الوطن الأم في تركيا- جزاه الله بمثل ما يجزي به جاهلًا عن أمته، ومتخلفًا عن دنياه، حيث يظن أن عنده تكنولوجيا سنفاوية أو برهمتوشية يدل بها على الناس ويفخر فيتحدث ويصرح ببلاهة منقطعة النظير، وبجهالة ليس لها مثيل قائلًا: «إن حزب الرفاه الإسلامي يريد أن يصلنا بالبلاد العربية والإسلامية المتخلفة»، ومسعود بلماظ في الحقيقة بتصريحه هذا يذكرنا بتكنولوجية سنفا وبرهمتوش العظيمة! فأي تقدم أنت فيه يا أستاذ يلماظ أهو التسيب الخلقي والتهميش الحضاري الذي أوصلتم تركيا إليه؟ أهو الديون التي تربو على مائة مليون دولار؟ أهو التخلف الصناعي والعلمي؟ أم هو المستوى المعيشي المتدني وفقدان الليرة التركية لقوتها، حتى أصبحت لا تساوي الورقة التي تطبع عليها؟ أم هي تلك الفضائح والتهم بالفساد التي تزكم الأنوف أم التشرذم القومي والأممي الذي ليس له طعم ولا لون ولا رائحة، فطريت تركيا من الغرب، وطردت من الشرق، وأصبحت بين البلاد مثل الزوجة الناشز المعلقة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؟ أم هي حب التبعية وخدمة الأسياد الغربيين حتى إسرائيل، وفتح البلاد للصياعة الغربية والدعاوى العلمانية، التي همشت النخب وثبطت العزائم، وصعلكت التعليم، وحبسته في القشور حتى خرجت المعاهد والجامعات مسخًا علمية، لا تحسن إلا الشعارات، ولا تنتج إلا الإحباطات، والعداوات لدينها وهويتها؟

لقد كانت تركيا تسيطر على نصف المعمورة وكانت تسمى الدولة العلية، وكانت لها المكانة التي ترعب الدول، وتعمل لها الأمم ألف حساب فماذا كان من أمرها اليوم؟ وبماذا تفخر الآن أو حتى في تاريخها العلماني الحديث؟ لعلها تفخر بالبغاء والتسيب الخلقي، أو بمنع الأذان في المساجد، أو بتحريم زي العلماء الديني أو بمنع حجاب العفيفات المسلمات، أو بلبس القبعة وبأمثال هذه التكنولوجيا الاجتماعية المتقدمة جدًا، أو لعلها تفخر بتقدم كبير في عداوة البلاد العربية والإسلامية، أو حتى بمعاونة أعداء الإسلام من اليهود، أو حتى بفتح الأجواء وبيع البلاد والعباد لهم.

هذه يا أستاذ تكنولوجيا الجهل والتخلف والهبش وكذابي الزفة والعجز عن ملاحقة الآخرين، وما أظنك إلا أسير أشياء كثيرة منها الإيحاءات الغربية، والشعوذات العلمانية الموهمة للأغرار المتخلفين بأنهم بضياعهم القومي سادة الأمم، وبتهميشهم الإسلامي والحضاري أباطرة التقدم، وهذه هي الكارثة، أما وقد صحت تركيا على أذان الرسالة، وتكبيرات المنهج الإسلامي، وتهليلات الجماهير المؤمنة وتصدرت لقيادتها إياد متوضئة ونفوس متطهرة تهجر الرجز، وتبتعد عن الخني وتوطن العزم على السباق الحضاري والعلمي لتكون كما كانت خير أمة أخرجت للناس، فقد ناداها الفلاح، ودعاها النجاح لتهتف إن شاء الله من جديد ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (سورة الإسراء:81).

الرابط المختصر :