العنوان المظلومون في تاريخنا :يوسف بن تاشفين (3 من 6)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 38
السبت 08-ديسمبر-2007
(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي
ألفونسو حاول خديعة المسلمين في تحديد موعد المعركة ليستر خوا ويتمهلوا فيباغتهم.. لكنه خاب وغلب وخسر.
حين تدهورت الأمور في أندلس الطوائف، وحل بها ذلك الهوان وبدا أنها وشيكة الذهاب بيد عدوها ما كان لأهل الأندلس من منقذ يهينه الله تعالى لهم إلا الاستعانة بالمرابطين وأميرها، يوسف بن تاشفين.. وإنه لمن الجيد أن انتبه من انتبه من ملوك الطوائف لذلك مبكرًا وفي الوقت المناسب، وهو أمر أراده الله فهيأ أسبابه.
ولولا ذلك لذهبت الأندلس في ذلك القرن بعينه، حتى لقد ذكر أنه حين كانت تعبر أفواج الجيش المرابطي. وكان آخرها عبورًا الفوج الذي فيه ابن تاشفين فبينما هم وسط المضيق هبت على سفنهم رياح عاصفة كادت تفرقهم فعسر البحر حينئذ للجواز واضطربت فيه الأمواج، فاستصرخنا الباري تعالى جده وعظم اسمه إن كان في جوازنا خيرة للمسلمين أن يسهل علينا، فما استكملت من كلامي حتى سهل الله المركب وقرب المطلب، رسالة بعث بها يوسف بعد معركة الزلاقة إلى إفريقيا مبشرًا بالنصر. مخطوطة (الأسكوريال).
دور العلماء والأمراء
والحق أن العلماء قاموا بدور بارز قبل ذلك بسنوات وأولهم الفقيه أبو الوليد الباجي ( ٤٧٤ هـ)، وهم الذين هيأوا الأرضية له حتى لقد كان من دعوتهم أن التحق بهم بعض الأمراء وعلى رأسهم المعتمد بن عباد أمير إشبيلية الذي خاطب الجارين المتوكل أبو محمد عمر بن محمد بن عبدالله بن الأفطس، أمير بطليوس و عبدالله بن بلقين أمير غرناطة، لدعوة ابن تاشفين الذي استجاب حسبة ورغبة في الجهاد وإن كانت فكرة الاستعانة بالمرابطين قد بدأت قبل سقوط طليطلة بنحو ثلاث سنوات ومع ذلك فقد أظهر بعض ملوك الطوائف ترددًا فى اتخاذ مثل هذه الخطوة. ومن المضحكات المبكيات. وشر البلية ما يضحك.
أن بعضهم ذكر أن القادر بن ذي النون أمير طليطلة عند تسليمها لـ ألفونسو السادس على شروط لم يف بأي منها توسل إليه أن يوليه بلنسية.. وكان بيده إسطرلاب آلة فلكية استعمالاتها متعددة: منها معرفة الوقت يرصد فيه أي وقت يرحل. وقد طاف به النصارى والمسلمون أولئك يضحكون من فعله وهؤلاء يتعجبون من جهله أمور يضح يضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها الحليم
نجدة الأندلس وأهله
في هذه الظروف استدعى أهل الأندلس يوسف بن تاشفين إنقاذًا للبلد وأهله، فذهبت إليه وفودهم المتتالية، ابتداءً من العلماء ثم الأمراء وعموم الناس يستجيرون به للعبور إليهم بجيش ينقذهم وبلدهم الذي غدا على وشك الذهاب فلم يخيب ابن تاشفين رجاءهم قيدًا باتخاذ الأهبة وإعداد العدة، ثم بدأت أفواج الجيش بالعبور، لترسو سفائنهم (يوم الخميس أواسط ربيع الأول سنة ٤٧٩ هـ 1086/6/30 م) عند بر الأندلس في مدينة الجزيرة الخضراء
وبجوار جبل طارق وعند مرتقاه سجد يوسف لله شكرًا على ما أولاه من نعم، وكان الأمراء والعلماء وجمع من الناس في استقباله بأعلى درجات الفرح ليبدأ المسير بالجيش الذي قوامه بضع عشرات من الآلاف، ربما نحو الثلاثين ألفًا باتجاه إشبيلية، وقبيل وصولها تلقاهم المعتمد ابن عباد في ثلة من أهلها وفرسانها، الذين استقبلوهم أحر استقبال، وتعانقا وتوادا ودعوا الله تعالى أن يجعل جهادهم مقبولًا وخالصًا لوجهه الكريم، وينصرهم على عدوهم وأقام يوسف فيها أيامًا وكتب إلى أمراء الطوائف للإسهام بالجهاد في سبيل الله فاستجاب عدد منهم واعتذر آخرون بانشغالهم بمواجهة جيوش الفونسو السادس
الاستعداد للمعركة
عندها اتجه إلى مدينة بطليوس عند حدود البرتغال، حيث عسكروا شرقيها في سهل الزلاقة غرب، جريرو فرع نهر وادي یانه.. وشرق المدينة الملكية جنوب مدريد بنحو ۲۰۰ كم.
وهناك عسكر الجيش الإسلامي الأندلسيون بقيادة المعتمد بن عباد أمير إشبيلية في قلب المقدمة والمتوكل في الميمنة وأهل شرقي الأندلس في الميسرة وسائر الأندلسيين في المؤخرة والمرابطون بقيادة أميرهم يوسف بن تاشفين والذي له القيادة العامة في كمائن متفرقة تخرج من كل جهة عند اللقاء.. فإذا قدرنا عدد الجيش الأندلسي بنحو عشرين ألفًا فيكون عدد الجيش الإسلامي (من الأندلسيين والمرابطين لا يتجاوز الخمسين ألفًا)، بينما عدد الجيش الآخر المكون من إسبانيا النصرانية بأكملها ومن التحق به ممن قدم إليه من وراء البرت في الأرض الكبيرة لاسيما من فرنسا وإيطاليا، بما قد يصل إلى نحو ضعف هذا العدد لكنه في كل الأحوال يفوق عدد الجيش الإسلامي كثيرًا. وبمعنويات عالية يظنون أنهم سيغلبون، لكن الله غالب على أمره فقلبوا!! قدموا بهذه الجيوش بقيادة، ألفونسو السادس، ليعسكروا أمام الجيش الإسلامي على بعد نحو ست كيلومترات، يفصل بينهما جريرو فرع نهر وادي يانه خديعة فاشلة.
ورغم أن الفونسو حاول خديعة المسلمين في تحديد موعد المعركة إلا أنهم أدركوه. فباتوا على خيولهم وأسلحتهم مستعدين بكل أهباتهم، فما حل فجر يوم الجمعة ١٢ رجب سنة ٤٧٩ هـ- ١٠٨٦/ ١٠/ ٢٢ م حتى هاجمت جيوش الفونسو المعسكر الإسلامي أما ألفونسو فقد اختار البارهانيس.. أبرع وأشجع قادته والمجرب على مقدمة جيشه. وكانت خطتهم تعتمد على تركيز الهجوم أولًا على الجيش الأندلسي والمعتمد، فإذا تحطم سهل أمر المرابطين الذين لا يعرفون البلاد وطبيعتها وهم أهل صحراء لا يجيدون القتال إلا فيها، في وهمهم وزعمهم.
وقد وقف الجيشان ثلاثة أيام قبل الالتحام تمت خلالها هذه الترتيبات. وأراد ألفونسو خديعة المسلمين في تحديد موعد المعركة لهم ليسترخوا ويتمهلوا ويخدعوا فيباغتهم، ولكنه خاب وغلب وخسر.. وفيها كذلك كتب يوسف إلى ألفونسو يعرض عليه فيه الإسلام أو الجزية وإلا، فالمناجزة.
معركة الزلاقة
ما كان فجر يوم الجمعة يطل، ووقت صلاة فجرها يحين. وكان ابن عباد في آخر صلاته. حتى قدمت فرسانهم منطلقة بكثافة نحو المعسكر الإسلامي بقيادة البرهانيس، حيث الجيش الأندلسي بقيادة ابن عباد فضربته بعنف كاد يختل وينكب ويفرق لولا ثبات المعتمد وفرسان إشبيلية الذين الخنوا جراحًا، أصابت المعتمد منها ستة وقتل منهم كثير وتراجع بعضهم، كما هاجم ألفونسو في نفس الوقت مقدمة الجيش المرابط حيث ابن عائشة فأجلاها عن موقعها.
عندها دفع يوسف بالقوات التي كان يقودها أحد أكبر القادة، سير بن أبي بكر اللمتوني نجدة للمجموعتين، فكان ذلك تقوية لهم تغيرت به حال المعركة وأعاد من ابتعد واشتد جيش النصارى في قتالهم على الجبهات مما حدا بيوسف أن يبتكر في الحال خطة جديدة، إذ أقدم سريعًا بقواته الاحتياطية لا إلى المهاجمين بل توجه إلى معسكرهم من خلفهم ليهاجمه بعنف كما ضرب مؤخرته مثخنًا قواته في الوقت الذي كانت فرق تضرب الطبول بقوة وتدوي في الآفاق مما لم يألفه العدو، مع إشعال النار في معسكرهم كل ذلك جعل ألفونسو ينجد المؤخرة فواجهته القوة المرابطية في معركة فاصلة انهكت قواته وأوقعت فيهم الخسائر وأودت بحياة الكثير منهم، وكان يوسف خلال ذلك بين الجيش كاليعسوب. ويُحدث شاهد عيان المعركة الزلاقة مقاتل، قائلاً: وكان الناس يرحلون برحيل يوسف بن تاشفين وينزلون بنزوله تقديمًا له ورعياً لمكانه من السن وعظم الملك ووفور العدد وجودة الرأي وكمال العقل فسمعنا طبوله تضرب
فرار ألفونسو
وتمكن ألفونسو من أن يعود إلى مكانه حيث دارت ملحمة قاسية، وكان يوسف أسدا باسلًا يصول ويجول بفرسه في الميدان مشجعاً الجند على الاستمالة والاستشهاد وهو يدير المعركة متلاحمًا مقاتلًا بجنده في صفوف ثابتة متراصة وفوق ذلك سدد الضربة الأخيرة القاسية القاضية بدفع الحرس المكون من عدة آلاف، وهو في أول قوته إلى قلب المعركة. حيث أمكن أحدهم أن يتسلل إلى ألفونسو ويضربه في فخذه ضربة نافذة في الوقت الذي بدأ الظلام يسدل أستاره فوجد الفونسوء أن لا فائدة إلا بالانسحاب قراراً بعد تساقط أكثر جنده مختفيًا خلف تلة حتى حل الظلام، فنجا مع مجموعة ممن بقى وتوجهوا نحو مدينة طليطلة وكلهم جرحي وبعضهم تساقط في الطريق واستشهد من المسلمين نحو ثلاثة آلاف وربما أكثر.
المراجع
١.الحلة السيراء ابن الآبار، ج٢ ٢.الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ابن بسام
الشنتريني
٣.نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب المقري
التلمساني
٤.مخطوطة الأسكوريال ( مدريد).
٥ تاريخ الأندلس ابن الكردبوس ٠٦روض القرطاس ابن أبي زرع ٧.دوزي: Abbadids. Dozy
8. Badajoz, Sagrajas, Guerrero, Gua diana. Ciudad Real, Madrid.