; يوغسلافيا.. مشاكل الحجيج | مجلة المجتمع

العنوان يوغسلافيا.. مشاكل الحجيج

الكاتب مشاري البداح

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

مشاهدات 24

نشر في العدد 130

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

يوغسلافيا بلد يزخر بالعجائب والتناقضات.. ففي الوقت الذي وصل فيه التناقض الطبقي – تحت ظل الحكم الشيوعي – إلى تصالح وانسجام غريبين بين الشيوعية والرأسمالية حية شيوعيَّتان جنبًا إلى جنب في جميع مرافق البلد، نجد أن النطاح والصراع بين القوميات المختلفة قد وصل إلى قمته بين ما يزيد على 12 قومية خصوصًا بين الكرواتيين والصربيين. وفي حِمَى هذا الصراع ربما ينسى المرء صراعًا مثيرًا يقع بين الجهات المختلفة والمجتمع الإسلامي اليوغسلافي الذي يبلغ تعداده حوالي مليونين ونصف المليون مسلم، يشكلون 13% من نسبة السكان.

وإن دل الصراع بين الكرواتيين والصرب بعد ربع قرن من الوحدة القومية على فشل إمكانية الانسجام القومي في يوغسلافيا فإن ذلك يعني أن المجتمع الإسلامي اليوغسلافي يعاني كذلك من نفس المشكلة مع بقية الثقافات الأخرى؛ في هذا البلد ذي العناصر المتنافرة.

والظلم الذي يقع على الفئة المسلمة هناك يتمثل في عدم الاعتراف بشخصيتهم الثقافية والحضارية المميزة والأقسام الديني وحرمانهم من المكانة الاجتماعية مما جعلهم طبقة متخلفة اقتصاديًا واجتماعيًا، إلى جانب ذلك فإن حقوقهم السياسية بقيت مهضومة تمامًا.

ولعل بعض الأفراد من المسلمين قد انخرطوا في منظمة "أوستاشا" الكرواتية التحريرية ليجدوا أهدافهم القومية الكرواتية حقوقًا لم يستطيعوا الحصول عليها كمسلمين، وبالفعل فإن عددًا منهم يجري محاكمتهم الآن بتهمة "جرائم ضد الدولة اليوغسلافية".

وهناك شيء أزعج السلطات التيتوية كثيرًا، ألا وهو تمسك المجتمع الإسلامي اليوغسلافي بمرونته بصورة جعلت من العسير على كل السياسات أن تحتويه. حتى الأجيال الناشئة التي ترعرعت تحت ظل الحكم الشيوعي تبدو أكثر حماسًا واهتمامًا لدورها في العمل الإسلامي. لقد وضح أن أعداد الحجاج إلى بيت الله الحرام تتزايد عامًا بعد عام. بل لقد تضخم العدد بصورة لفتت نوعًا من المنافسة بين وكالات السفر حتى أن الفرق في تسهيلات السفر وصل إلى أكثر من 2000 دينار، بل إن بعض المنظمات منحت تسهيلًا أكبر بتخفيض تكاليف السفر لمدة أقساط.

وقد لوحظ في السابق أن الحجاج يأتون من قري الريف ولكنهم في الوقت الحاضر يتدفقون على مكة من المدن ومن عناصر شابة وحديثة السن.

وقد عقدت اللجنة التنفيذية لحزب التحالف الاشتراكي للجماهير العاملة في كوسوفو اجتماعًا لمناقشة هذه الأوضاع، لقد عزى سبب ازدياد عدد الحجاج إلى النشاط الجماعي الإسلامية المكثف في الدعوة إلى الحج، وقيل كذلك أن وكالات السفر وتكاليفها هو السبب الأساسي.

وخرجت الاجتماعات بقرار نهائي يمنع الحجاج من السفر عن طريق البر ويقتصر سفرهم على الجو فقط حتى تفتح السلطة حدًا لإغراء وكالات السفر للحجاج. فإذا نفذ هذا الاقتراح فإن التأثير به أولًا هم الحجاج قبل الوكالات لأن تكاليف السفر ستتضاعف بنسبة 300% مما يستحيل معه على الحاج اليوغسلافي أن يسافر إلى مكة. وحتى يصبح الأمر صعبًا للذين اكتسبوا بعض الخبرة في السفر تساعدهم على التغلب على مساعيه فقد تقرر عدم السماح للذين سافروا من قبل بالسفر مرة أخرى.

كذلك فقد وضعت إجراءات وقائية صارمة ومعقدة للحجاج العائدين من الأراضي المقدسة، ولعلنا نتذكر الضجة المفتعلة التي أثيرت حينها أصيب طفل صغير بـعدوى الجدري. ومع أن جرثومة الجدري لا تتولد في الماء وتكون العدوى من طريق الجهاز التنفسي إلا أن الجرثومة في هذه الحالة (!!) تولدت من الماء وأن الطفل تناول هذا الماء الملوث، ومع ذلك فإن هذا الماء لم يكن ليعدي إن لم يشرب عن طريق الجهاز التنفسي!! ومع ذلك فإن تلك الإصابة زعم أنها كانت بسبب شرب ماء زمزم الذي عاد به الحجاج كعادتهم من مكة.

والهدف من كل ذلك هو تثبيط الحجاج من السفر إلى مكة عن طريق زيادة تكاليف السفر وخلق المصاعب الجمة بل ووصم الذين يذهبون للحج بالتأخر والسخرية منهم.

إن هذه المشكلة كغيرها من مشاكل المجتمع اليوغسلافي المتعددة لن يحلها سوى السعي إلى "ديمقراطية الحياة الاجتماعية والسياسية" في يوغسلافيا وهو الشعار المطروح أمام السلطات الحاكمة ولكن الحزب الشيوعي اليوغسلافي يبدو أقل حماسًا لاتخاذ سياسة ثورية عادلة تحفظ كرامة المواطنين اليوغسلاف غير الشيوعيين مهما كانت انتماءاتهم الحضارية.

الرابط المختصر :