العنوان يومئذ.. يستطيع المسلمون أن يطبقوا المنهج الرباني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
على الرغم مما حققه العالم من طفرات علمية واسعة، فإن الأزمات الطاحنة تضيق حلقاتها حول الرقاب، وتجثم أثقالها فوق الصدور ويعاني الجميع من آثارها. ولا نغالي -كما لا نرجم بالغيب- إذا قلنا: إن تلك الأزمات ستستمر وتتوالى، ومرد ذلك أن النظام العالمي القائم مصاب بخلل في الاعتقاد والفكر أفرز بالنتيجة خللًا في مناهج الحياة القائمة، وقد رأينا قبل سنوات قليلة انهيار النظام الاشتراكي، وها هي الأزمات تعصف بالنظام الرأسمالي على الرغم مما يقوم به من عمليات ترقيع وإصلاح، وهو بدلًا من أن يسعى لحل مشكلاته وفق منهج الإله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه نجده يحاول تعويض النقص الهيكلي في بنيانه بامتصاص مقدرات الشعوب المستضعفة، وأهمها شعوب العالم الإسلامي والهيمنة عليها.
ومن جانب آخر نجد أن العالم الإسلامي الذي عانى الكثير من الظلم والاضطهاد الغربي ترسخت لديه قناعة بعدم جدوى النظم الوضعية القائمة وزاد إيمانه وتعلقه بضرورة قيام نظام إسلامي يرفع لواء الحق وينشر العدل ويبشر بالخير والنماء. وساعد على انتشار تلك الفكرة الصحوة الإسلامية التي اشتملت معظم رقعة العالم الإسلامي.
لكن قوى الظلم والسيطرة والاستغلال ما كانت لتترك هذا التيار العريق يشق طريقه ويرسم مساره، إذ سرعان ما واجهته بسيل من المخططات والمكائد:
فعلى مستوى الحركة الإسلامية انتشرت حملات الملاحقة والاعتقال والمحاكمة المدنية منها والعسكرية، وتنوعت الاتهامات ما بين السعي للوثوب إلى السلطة والخروج على الشرعية ومعاداة النظام والاتهام بالإرهاب.
وتمضي بعض السلطات تروج هذه الاتهامات دون كلل على الرغم من أن الشواهد والدلائل تؤكد زيفها، فقد سارت الحركة الإسلامية في دعوتها إلى الله على درب الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والحجة والبرهان، فحركت في القلوب نوازع الإيمان وأحيت في النفوس معالم الإسلام.
ولم تقابل الحركة الإسلامية المحن والشدائد إلا بالصبر والاحتساب وعميق الإيمان، ودقيق الفهم، وجميل التطبيق للإسلام، حتى وإن أغرى سلوكها ذاك بعض الأنظمة بالتمادي في ممارساتها والمزيد من الضغط على الحركة الإسلامية.
ومن الغريب أن تتهم الحركة الإسلامية بالإرهاب فيما الإرهاب مسلط عليها، وبزعزعة الاستقرار وهي التي حرمت الاستقرار من فرط الاعتقالات والمحاكمات وقد سلبت حقها في ممارسة دورها الكامل في الدعوة إلى الله وجمع الصفوف حول شريعته ومنهاجه.
وعلى مستوى الأقطار العربية، فقد سعى المخططون إلى تفتيت الدول العربية لتنشغل بصراعاتها وزرعوا الكيان الصهيوني الغاصب بينها ليكون نواة للتوسع لتحقيق حلم اليهود بالسيطرة على المنطقة ما بين النيل والفرات.. وفي سبيل تحقيق أغراضهم تلك احتلوا فلسطين بالكامل بما فيها القدس الشريف ودنسوا المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي، وغيرهما من بيوت الله، كما احتلوا أجزاء من الدول العربية المجاورة ولم ينسحبوا من أراضي بعض تلك الدول إلا بعد أن كيلوها باتفاقات تبيح لهم التغلغل فيها والتأثير على شعوبها. أما القضية الفلسطينية فهي تشهد كل يوم المزيد من التنازلات على يد ثوار الأمس الذين خدموا الأمة والذين تولوا سلطة الحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا، وقد شهدنا قبل أيام -بكل أسى- كيف انحنى رئيس السلطة الفلسطينية أمام صورة واحد من أكابر مجرمي الكيان الصهيوني، الذي قضى حياته كلها لحرب العرب والمسلمين وتدمير القضية الفلسطينية، ثم انحنى على يد أرملة ذلك اليهودي ليقبلها.
وعلى المستوى الإسلامي، فقد انتقصت أطراف العالم الإسلامي شبرًا وراء شبر، ويكفي أن نعدد حوادث السنين الأخيرة؛ إذ إن الحال لا يحصيه البيان.. ويكفي أن نذكر بكشمير والبوسنة وكوسوفا ومورو وأراكان والصومال وأريتريا والسودان وإندونيسيا المعرضين للتقسيم، والشيشان المعرض للمحو الكامل.
على أن هذه المآسي لا ينبغي إلا أن تزيد العرب والمسلمين إصرارًا على أن يلتمسوا لأنفسهم طريق العزة والكرامة، وألا يعيشوا وهم السلام مع أعداء لا يفتأون يعدون العدة لحربهم ليل نهار، وخير لهم أن يعيشوا حالة ترقب حرب قادمة على أن يناموا على أوهام سلام كاذب.
خير لهم أن يقاوموا سياسات التفتيت ويحرصوا على الوحدة التي هي رمز القوة.. إن الظروف تملي على الحكومات العربية والإسلامية أن تزيل الخلافات فيما بينها، وأن ترفع الظلم عن المظلومين، وأن تلجأ إلى الحوار وإطلاق الحريات والإفراج عن الكم الهائل من المعتقلين الأبرياء المحتجزين ظلمًا وجورًا بدلًا من القهر وكتم الأنفاس كما نرى على الساحة العربية والإسلامية.
ولا يجوز للمسلمين أن يتأثروا بمن يشيع فيهم روح اليأس والإحباط، فقد أهلك الله عادًا بريح صرصر عاتية، وأغرق فرعون وجنوده في اليم، وأهلك ثمود بالطاغية. وهكذا لن يفلت نظام طاغ أو مستكبر من حساب الله وعقابه، وهؤلاء الذين يحاربون دين الله سيحبط الله كيدهم، إذ كلما أوغلوا في حربهم للإسلام ومقدساته أثار ذلك الحمية في نفوس الشعوب، ولا يمكن أن يستقر بضعة ملايين من الصهاينة في قلب الأمة الإسلامية ما بقي الوعي بخطرهم قائمًا، ولن يتحقق النجاح لقوى الظلم والاستغلال ما فهم المسلمون مخططات أعدائهم.
يوم يدرك المسلمون ذلك ويعملون له سيكون بوسعهم أن يطبقوا المنهج الرباني الذي ارتضاه الله لهم والذي ارتضته الشعوب رضًا بما اختاره الله لهم، ويومها لن تقوى قوى الأرض جميعًا أن تمنعهم من تحقيق غايتهم: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: 41).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 2176
91
الأربعاء 01-فبراير-2023