العنوان يوم الجريمة الكبرى
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 04-فبراير-2006
مشاهدات 59
نشر في العدد 1687
نشر في الصفحة 46
السبت 04-فبراير-2006
المجتمع تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة الحلقة» (۱۱)
لقد نجحوا هذه المرة في قتل بن بركة في باريس بعد اختطافه.. وتم نقله إلى المغرب ثم تذويب جثته بالأحماض لإخفاء الجريمة نهائيًا
بعد اختطافه وقتله جرى إلباس جثمانه بدلة رمادية وقميصًا أبيض وربطة عنق ونظارة سوداء وطربوشًا ثم ترحيله إلى مطار أورلي ومنه إلى المغرب
جرى تصوير الجثمان عدة مرات ومن زوايا مختلفة.. كيف يمكن للمرء أن ينسى هذه الصور؟ لقد رأيتها عشرات المرات طيلة خمسة وثلاثين عامًا وحاولت أن أتصور المشاهد والجزئيات الأخرى التي لا يمكن تخيلها؟
قائمة بأسماء المخابرات المغربية والفرنسية التي شاركت في العملية الجنرال أوفقير أشرف على عملية التعذيب والقتل وهو في حالة سكر بيّن
ناقشت الأمر مع أبطال الجريمة.. الشهود والفاعلين ومع «ادجين» الشاهد في عملية تذويب الجثمان وبقيت هناك صدمة وجرح مفتوح
كان الأجانب الذين يقيمون بالمغرب ويشتغلون في البغاء والمخدرات والتهريب والسمسرة ووكالات النقل البحري وحانات الخمور والفنادق كثيرين، فكان ينبغي اختيار بعضهم لتجنيدهم في إطار عملية بويا البشير. من هنا جاءت فكرة تجنيد الفرنسيين الأربعة الذين كانوا يديرون بيوتًا مغلقة في الدار البيضاء والمحمدية وآسفي وتتوافر فيهم المواصفات المطلوبة لدى الكاب.
تعريب: إدريس الكنبوري
كان هؤلاء الأربعة يشكلون فيما بينهم شبكة دولية وكانوا متضامنين معًا، وكانوا معروفين في عالم اللصوصية والجريمة المنظمة والقوادة والبغاء وكذلك في قضايا الاختطاف، وسبق لهم أن تعاونوا بين ١٩٦١ و١٩٦٢ مع «مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس» في عملية اختطاف الكولونيل أرجود في ألمانيا وتحدد دورهم في عملية «بويا البشير» كالتالي:
سيتم تقديمهم بوصفهم المجموعة المالية التي ستمول مشروع فيلم «باسطا» الوثائقي.
تنظيم لقاءات مستمرة مع بن بركة في باريس والقاهرة وجنيف وفرانكفورت للتفاوض معه بشأن المشروع بوصفه المستشار التاريخي للفيلم، ويجب أن تتم هذه اللقاءات في أماكن عامة أو في مطاعم يختارها سلفًا ميلود التونسي.
إدراج ميلود التونسي داخل محيطهم الباريسي ومساعدته في مهمته السرية في فرنسا، وتقديمه كرجل أعمال مغربي والتدخل لدى شريكهم وصديقهم أنطوان لوبيز لتسهيل مهمته في مطار أورلي وخارجه.
وضع شقة بوشيش الواقعة في «فونطوناي لي كونت» رهن إشارة الكاب لاستعمالها لمدة أيام بعد تنسيق لقاء بين المهدي بن بركة وأحد المبعوثين الخاصين من طرف المخزن المغربي «الحكومة».
مساعدة رجلي الأمن الفرنسيين في وقت توجيه الدعوة لبن بركة ونقله إلى الشقة المذكورة.
على أن ينتهي «عصابة الأربعة» عند دخول بن بركة للشقة، بعد هذه اللحظة سوف يصبح بيد رجال الكاب بانتظار تسليمه لمبعوث القصر الملكي الذي سيلتحق بهم فيما بعد، وسيتقاضى الرجال الأربعة مبلغًا بقيمة خمسة ملايين فرنك للواحد مقابل خدماتهم التي كانت تتحدد في عقد أربع لقاءات أو خمس مع المعارض المغربي بين مايو وأكتوبر ١٩٦٥.
ملايين الفرنكات
أما الفريق السينمائي فقد تم اختياره باقتراح من الفرنسي «فيليب بيرنيي» من سينمائيين محترفين ذوي حساسية يسارية، وهكذا تم اختيار «جورج فرانجو» بوصفه مخرج الفيلم مقابل عشرة ملايين فرنك، وقد كان معروفًا في الأوساط السينمائية الفرنسية، حيث كان له فيلم شهير مثل فيه الدور الرئيس جون بول بلموندو، ووقع الاختيار على الكاتبة مارجريت دوراس وجورج فيجون لوضع سيناريو الفيلم مقابل خمسة ملايين فرنك لكل واحد. كانت دوراس معروفة في الأوساط الأدبية والسينمائية الفرنسية، أما فيجون فقد كان وجهًا معروفًا في الوسط الثقافي الفرنسي. وأسجل هنا أن الاثنين لم يكن لهما أي علم بخلفية العملية.
وضع المخطط النهائي للعملية في ضوء الترتيبات الأخيرة الأسبوع الأخير من شهر أبريل ١٩٦٥ وحرر تقرير تحليلي بذلك رفع إلى المخزن «الحكومة» وأوفقير والدليمي، ولم يدل أي طرف من هؤلاء الثلاثة بأي ملاحظات بخصوصه، لا قبل الشروع في التنفيذ ولا خلال ذلك ولا فيما بعد!.
الاختطاف والاغتيال
استيقظ المهدي بن بركة يوم الجمعة ٢٩ أكتوبر ١٩٦٥ في ساعة مبكرة، فقد كان في جنيف، وكان عليه أن يستقل أول طائرة تابعة لشركة سويس آير متجهة إلى باريس، حيث كان على مواعيد عدة خلال النهار وفي المساء.
كانت الطائرة السويسرية ستنزل في مطار أورلي الساعة التاسعة صباحًا تقريبًا، وكان المعارض المغربي مرتبطًا بموعد في الثانية عشرة والنصف زوالًا مع صديقه الصحافي الفرنسي فيليب بيرنيي وفريق العمل في الفيلم بمطعم «ليب» التوقيع العقد وتسلم شيك بمبلغ عشرة ملايين فرنك.
وعلى متن الطائرة كان هناك اثنان من رجال مصلحة العمليات التقنية التابعة للكاب: حليم محمد وحسن بن يوسف في هيئة متنكرة يلاحقان بهدوء خطوات بن بركة، وكان الواحد منهما يملك جوازي سفر مزورين بهويتين مختلفتين، وعندما وصلت الطائرة إلى باريس كان هناك ثلاثة رجال آخرين ينتظرون وصول المعارض المغربي في بهو المطار، هم ميلود التونسي ومحمد بتيش وعبد القادر الدرفوفي، وبعيدًا عنهم كان هناك اثنان آخران من مصلحة مكافحة الشغب هما عبد القادر صاكا ومحمد المسناوي، وكان هذان المبعوثان الخاصان للعشعاشي مكلفين بمراقبة عمل الرجال الخمسة التابعين لمصلحة العمليات التقنية.
آخر عمليات
قضى التونسي والدرفوفي وبتيش الليلة السابقة في فندق صغير بالعاصمة باريس التي نزلا بها ليلة ٢٨ - ٢٩ أكتوبر عائدين على متن قطار من جنيف التي قضوا بها اليومين السابقين، وقد سافروا جميعًا لكن متفرقين في المقصورات كالعادة، وبحوزة كل واحد منهم ثلاثة جوازات سفر مزورة بثلاث هويات مختلفة. استعمل ميلود التونسي عدة أسماء عائلية مستعارة بحسب الظروف والطوارئ: الشتوكي، حيمي وبن التهامي، وأسماء شخصية مختلفة هي العربي، المختار، محمد المعطي، عباس وميلود وعندما وصل الثلاثة إلى باريس استأجروا سيارة قبل أن يتوجهوا إلى الفندق لقضاء ليلتهم، والتوجه بعد ذلك إلى مطار أورلي في ساعة مبكرة من صبيحة اليوم التالي الموافق لـ ٢٩ أكتوبر قبل موعد وصول الطائرة التي تحمل المهدي بن بركة، وقد تم استئجار السيارة من طرف التونسي بإحدى الوثائق التي تحمل هوية مزورة.
أما محمد المسناوي وعبد القادر صاكا فقد وصلا باريس يوم الثلاثاء ٢٦ أكتوبر مع رئيسهما محمد العشعاشي بعد توقف في إسبانيا وكان العشعاشي يحمل جوازات سفر مزورة أعدها أحمد ادجين، وتحمل الأسماء التالية: مصطفى العشعاشي، مصطفى جاليت، مصطفى مناع، محمد جاليت، محمد مناع، بنيونس ادجين، مصطفى ادجين ومحمد ادجين. أما محمد المسناوي فقد كان يحمل جوازات بالأسماء التالية: عبد الله المسناوي، حسن المسناوي، محمد عمو، عبد الكريم عمو، عبد الله عمو وحسن عمو.
بينما كان عبد القادر صاكا يحمل الأسماء التالية في جوازات سفره المزورة: العربي شمس، عبد القادر شمس، كريم صاكا، العربي صاكا، عبد القادر الشريف، كريم الشريف، العربي الشريف، عبد القادر مرزوق، كريم مرزوق، والعربي مرزوق. تم تسجيل آخر عمليات ترصد الخطوات بن بركة في صباح الجمعة ٢٩ أكتوبر، وقد بدأت من مطار أورلي في الساعة التاسعة صباحًا وانتهت في الساعة الثانية عشرة والنصف زوالًا بشارع «سان جيرمان» قرب مطعم «ليب»، وقام بها الثنائي محمد بتيش وعبد القادر الدرفوفي من المجموعة الثانية التي يرأسها ميلود التونسي، أما عملية الترصد ما قبل الأخيرة فقد انطلقت في نفس اليوم بجنيف عبر الطائرة من طرف حليم محمد وحسن بن يوسف من نفس المجموعة، وبدأت في الخامسة فجرًا أمام مقر إقامة بن بركة وانتهت في التاسعة صباحًا بمطار أورلي.
قبل الاختطاف
في مطار أورلي أيضًا كان رجلا أمن فرنسيان من الاستعلامات العامة ينتظران بدورهما وصول المعارض المغربي، إنهما نفس الشخصين اللذين كانا ينتظرانه كلما زار العاصمة الفرنسية ويسيران على بعد خطوات منه لتوفير الحماية له، وقد كانا هنا أيضًا في هذا اليوم التاريخي المشهود الساعة التاسعة بالمطار والثانية عشرة والنصف قرب المطعم، ونجح التونسي في تصويرهما خلسة مرات عدة قبل وبعد وصول بن بركة.
في الساعة التي هبط فيها المعارض المغربي أرضية المطار انتقل الثلاثة: التونسي وحليم وبنيوسف إلى شارع «سان جيرمان» بجوار المطعم على متن السيارة المستأجرة ومعهم آلة تصوير وكاميرا بانتظار منتصف النهار لتصوير مشاهد اختطاف بن بركة مباشرة، وصل الثلاثي إلى الشارع المذكور في العاشرة والنصف صباحًا، قبل حتى وصول الشرطيين الفرنسيين المكلفين بدعوة بن بركة ونقله إلى شقة بوشيش.
أما المسناوي وصاكا فقد انتقلا هما أيضًا إلى المكان الذي سيكون بعد قليل مسرحًا لعملية الاختطاف على متن سيارة تابعة للسفارة المغربية بباريس، مهمتهما دائمًا مراقبة عمل عناصر مصلحة العمليات التقنية التي يقودها التونسي، قبل التوجه إلى شقة بوشيش وانتظار حضور بن بركة ومختطفيه، وبالنسبة لرجلي الأمن الفرنسيين المكلفين بالدعوة/الاختطاف، وهما «روجر فواتوت» و«لويس سوشون»، فقد استقلا سيارة تابعة للمفرزة الأمنية الحضرية لباريس برفقة أنطوان لوبيز وجوليان ليني وقصدوا جميعًا مطعم «ليب» لانتظار زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
كان بن بركة مصحوبًا لدى وصوله إلى باريس بطالب مغربي هو التهامي الزموري الذي كلفه بأن يجمع له الوثائق المتعلقة بالحقبة التاريخية التي يتحدث عنها الفيلم الوثائقي.
وقبل اختطافه التفت المعارض المغربي إلى الطالب الشاب وقال له: «إنني متفائل جيدًا ولدي ثقة كبيرة بالرغم من كل شيء، لأن هناك عروضًا إيجابية من الحسن الثاني من المحتمل أن نشارك في حكومة يكون بها أيضًا أحزاب سياسية أخرى، وأعتقد أن ذلك سيكون أمرًا جيدًا بالنسبة للبلاد، إذ إن المعارضة المنهجية لیست مسألة إيجابية، ويجب أن يكون المرء إيجابيًا في بعض الأوقات ومتعاونًا، وأنا أعتقد في الظروف الحالية أن البلاد بحاجة إلينا، ومن أجل هذا أريد العودة إلى المغرب».
تسجيل الملاحظات
قرب الثانية عشرة مساءً وصل بن بركة أمام مطعم «ليب» على متن سيارة أجرة برفقة مرافقه الطالب المغربي من خلفه كانت سيارتا أجرة أخريان تقل الأولى رجلي الأمن الفرنسيين، والثانية عنصري مصلحة العمليات التقنية بتيش والدرفوفي اللذين لاحقا الزعيم المغربي المعارض من المطار، ولدى وصوله نادى الفرنسيان عليه وأركباه في المقعد الخلفي لسيارتهما دون أن يعيرا اهتمامًا للتهامي الزموري المرافق له، لكن هذا الأخير بدأ يصرخ في الشارع العام، وخوفًا من أن تتطور الأمور إلى المنحى السلبي هرع بتيش والدرفوفي على جناح السرعة إلى الطالب المغربي وهدداه فانسحب بدون ضجيج.
كل هذا حدث أمام أعين رجلي الاستعلامات الفرنسية الخاصة المكلفين بحماية بن بركة، واللذين سجلا رقم السيارة التي أركب فيها بن بركة لحمله إلى جهة مجهولة، وخلال هذا الوقت كان التونسي وبنيوسف وحليم يقومون بتصوير كل تلك المشاهد - لقد كان ذلك شبيهًا برقصة باليه غريبة.
في تلك الصور الملتقطة التي رأيناها عشرات المرات فيما بعد كانت تبدو بوضوح السيارة والفرنسيون الأربعة بداخلها، وكان يمكن رؤية لوبيز متنكرًا ووصول بن بركة والطالب الشاب ورجلي الأمن الفرنسيين المكلفين بحمايته على متن السيارة الأجرة وعنصري مصلحة العمليات التقنية بالكاب كما يمكن رؤية جميع الجزئيات المتعلقة بعملية الاختطاف وتدخل الدرفوفي وبتيش لإسكات الطالب وإبعاده عن مسرح العملية، وأيضًا رجلي الاستعلامات العامة الفرنسية وهما يسجلان الملاحظات ويثبتان في مكانهما دون حراك بشكل مثير.
بعد أن أوصل «فواتوت» و «سوشون» المهدي بن بركة إلى داخل الشقة انتهت مهمتهما، فأخذا طريق العودة بهدوء وفي قاعة الاستقبال بالشقة كان رجال الكاب الأربعة في الانتظار: محمد العشعاشي، محمد المسناوي عبد القادر صاكا وعبد الحق العشعاشي الذي لم يكن حتى تلك اللحظة قد ظهر في جميع الصور التي التقطت خلال العملية بعد ذلك حضر اثنان آخران من الكاب هما ميلود التونسي والممرض، أبو بكر الحسوني الذي سجل في تلك اللحظة أول ظهور له على مسرح الأحداث، وفي اللحظة ذاتها كانت العناصر الأربعة التابعة لمصلحة العمليات التقنية: حليم، بن يوسف، بتيش والدرفوفي، يغادرون الشقة عبر الحديقة بعد انتهاء مهمتهم، وفي مكان آخر بعيدًا عن موقع الشقة في باريس، كان رجلا الاستعلامات العامة الفرنسية يقدمان محضر ما جرى إلى رئيسهما، لكن هذا الأخير كان في عطلته الأسبوعية، فوضع الرجلان المحضر وذهبا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع عائلتيهما، وبقي المحضر في مكانه إلى يوم الثلاثاء ٢ نوفمبر، بعدما حصل ما حصل.
حقنة مخدرة
في شقة «بوشيش» دخل المهدي بن بركة ورجال الكاب الستة في نقاشات مطولة استمرت لمدة ست ساعات تقريبًا، وبقيت الأجواء حتى تلك اللحظة ودية وهادئة إلى مجيء أحمد الدليمي في الساعة السابعة مساء، ولدى وصوله قرر على الفور أن يقوم بتعذيب بن بركة بعد تكميم فمه وربطه بوثاق إلى الكرسي بمساعدة التونسي والحسوني ولإخراسه نهائيًا أمر الدليمي «الممرض» الحسوني بحقنه بحقنة مخدرة، ففقد بن بركة وعيه ساعات، وبين الحين والآخر كان العشعاشي والدليمي يتخاصمان حول جدوى هذا التعذيب المجاني الذي ليس واردًا في مخطط الاختطاف حسب رأي العشعاشي.
في منتصف الليل تقريبًا وصل الجنرال محمد أوفقير بدوره إلى الشقة، كان في حالة سكر بين، وفور وصوله بدأ في مشاركة الدليمي في تعذيب المعارض المغربي، بمساعدة الحسوني والتونسي والدليمي نفسه. كان بن بركة موثق اليدين إلى الخلف وواقفًا، وعندما بدأ يستعيد وعيه قليلًا أمر أوفقير بحقنه مجددًا للمرة الثانية خلال ساعات فقط، وتحت التعذيب المتواصل لكل من أوفقير والدليمي دخل بن بركة للمرة الثانية في غيبوبة كانت الساعة آنذاك تشير إلى حوالي الثالثة صباحًا، ولم يفق زعيم المعارضة المغربية من غيبوبته بعد ذلك أبدًا!!.
بقيت جثة بن بركة في شقة «بوشيش» لمدة ساعات وإلى جواره رجال الكاب السنة ومنعهم أو فقير الذي كان ما يزال مخمورًا من الاتصال هاتفيًا بالمغرب وطلب منهم الانتظار حتى تصلهم تعليمات جديدة، فظل الرجال السنة أمام الجثمان لا يعرفون ما هي هذه التعليمات التي يمكن أن تأتي الآن، وتوجه أوفقير والدليمي إلى مطار أورلي أو مطار بورجي حيث كانت طائرتان عسكريتان بانتظارهما هما نفسهما اللتان حملتاهما إلى باريس في توقيتين متزامنين تقريبًا، الأولى من فاس عبر الجزائر والثانية مباشرة من الرباط.
وبعد عودتهما إلى مطار «فاس سایس» مكثا هناك لبضع ساعات ثم عادا إلى باريس، لكن هذه المرة على متن طائرة مدنية تابعة للخطوط الجوية المغربية ووصلا بشكل منفصل ولكن متزامن تقريبًا إلى مطار أورلي في النصف الثاني من يوم السبت ٣٠ أكتوبر.
خلال فترة غيابهما جرى إلياس جثمان المهدي بن بركة بعناية: بدلة رمادية اللون وقميصًا أبيض وربطة عنق ونظارة سوداء وطربوشًا، ثم نقل إلى شقة «لوبيز» في انتظار ترحيله إلى مطار أورلي، حيث ستهبط بعد قليل الطائرة العسكرية التي نقلت بالأمس أوفقير في رحلته السريعة من الرباط إلى باريس ثم من باريس إلى فاس لنقله إلى المغرب وفي الساعة العاشرة ليلًا وصلت الطائرة ورافق التونسي والحسوني جثمان المعارض المغربي، حيث كانا يحملان جوازين مزورين في هذه الرحلة الاستثنائية، واستخرجا لبن بركة جوازًا مزورًا.
تقدم التونسي الذي كان يعرف جيدًا الإجراءات الإدارية العادية والاستثنائية لشرطة المطار حوالي الساعة الحادية عشرة ليلًا إلى مكتب الاستعلامات العامة بمطار أورلي أو بورجي، مصحوبًا بالجوازات الثلاثة وثلاث أوراق هوية معبأة الخانات، فختم الشرطي الوثائق دون طرح آية أسئلة ولا حتى إلقاء نظرة على الصور والوثائق لفحصها ولم يكن يعرف أن بين المسافرين الثلاثة شخصًا ميتًا، ليس أي شخص، بل المهدي بن بركة شخصيًا.
الاختفاء النهائي: هكذا وصل جثمان المهدي بن بركة في سرية تامة إلى المغرب ليلة ٣٠ - ٣١ أكتوبر ١٩٦٥، وفي العاشرة صباحًا غادر الدليمي وأحد عناصر مصلحة العمليات التقنية التراب الفرنسي عائدين إلى المغرب، ووصل جثمان بن بركة للمغرب تمام الساعة الثالثة فجرًا حيث حطت الطائرة العسكرية بمطار الرباط - سلا يوم الأحد ٣١ أكتوبر، وكان بانتظاره أحمد ادجين وتم حمل الجثمان مباشرة إلى النقطة المركزية «دار المقري» وبقي برفقته التونسي والحسوني وادجين في انتظار وصول التعليمات بعد ذلك سيلتحق بهم محمد النويني ثم أحمد الدليمي فور نزوله من رحلة العودة من باريس.
في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر وضع جثمان المهدي بن بركة بداخل حوض من الفولاذ غير قابل للصدأ يحتوي على أحد الأحماض من أجل تذويبه ليختفي نهائيًا بعد ذلك بدار المقري!
٤٨ ساعة بعد عملية الاختطاف فوق التراب الفرنسي - وفي هذه الأوقات كانت السلطات الفرنسية تحاول العثور على أي شي، يدل على معالم الجريمة، لكن دون جدوى. فلا أحد في فرنسا كان يتصور أن شخصية سياسية معروفة مثل المهدي بن بركة يمكن أن يجري اختطافها فوق التراب الفرنسي، ثم يعذب ويقتل في فرنسا، ويتم نقل جثمانه بشكل سري إلى المغرب على متن طائرة عسكرية تابعة للجيش المغربي.
قبل وضعه داخل الحوض وتذويبه جرى تصوير الجثمان عدة مرات ومن زوايا مختلفة، كيف يمكن أن للمرء أن ينسى هذه الصور؟ لقد رأيتها عشرات المرات طيلة خمسة وثلاثين عامًا وحاولت أن أتصور المشاهد والجزئيات الأخرى التي لا يمكن تخيلها، وناقشت الأمر مع العشعاشي وصاكا والمسناوي الشهود والفاعلين في القضية في فرنسا، ومع ادجين الشاهد فيما حصل في دار المقري وفي عملية تذويب الجثمان وإخفاء معالمه، وبقيت هناك صدمة قوية وجرح مفتوح، بالرغم من مضي سنوات على ذلك وحصول تجارب عدة.
يتبع....
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل