العنوان 10 حقائق نقدمها لأصحاب القرار في السياسة الأمريكية
الكاتب الأستاذ يوسف العظم
تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
مشاهدات 92
نشر في العدد 748
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
الرأسمالية بمفهومها الاستعلائي والشيوعية بمفهومها التسلطي وجهان لعملة واحدة
التقارير التي ترفع لكم تفتقر إلى التكامل والوعي والصدق والموضوعية.
حين تعجز إحدى الدولتين العظميين عن بسط نفوذها على منطقة ما تطل السياسة «السوفريكية» برأسها لتعمل على تقسيم النفوذ.
نشرت مجلة المجتمع الغراء في عددها «٧٤٢» الصادر بتاريخ ١٤ ربيع الأول /١٤٠٦هـ الواقع في 26/ 11/ 1985م التقرير الوثيقة الذي هو خلاصة بحث أعده البروفيسور دانيل بايبس أستاذ التاريخ المحاضر في مركز جامعة هارفرد للدراسات الشرق أوسطية وهو المركز الذي تسهم بعض الدول العربية النفطية في دعمه وتقديم المساعدات المالية له.
لقد ورد في التقرير الوثيقة جملة من الأمور قدمها الباحث المذكور خدمة للسياسة الأمريكية كما يتصور، وتبصيرًا لبعض الحكومات في العالمين العربي والإسلامي بما يرضى عنها الولايات المتحدة، وما ترتاح له أمريكا لتقوم سياسة الحكم في تلك البلاد على أسس لا تخرج عن إطار الرضا واللقاء مع الولايات المتحدة في مسيرتها السياسية.
والمطلع على التقرير بإمعان يدرك من خلاله ثلاثة أمور:
1- أن جملة من الحقائق والمواقف الواقعة وردت في التقرير المشار إليه فأضفت على الوثيقة ولو في الظاهر روح البحث العلمي الموزون لمن لا يمعن النظر لقراءة ما بين السطور ومن جملة تلك الحقائق:
-روح العداء التي يكنها المسلمون للولايات المتحدة.
-وانتهاج الحكومات سياسة التضييق على الحركة الإسلامية وخنق تحركها.
- في الوقت الذي تعلن فيه تلك الحكومات شعارات براقة تحمل عناوين الإسلام والدعوة إليه وقد ضرب الباحث الأمريكي مثلًا لذلك في حكومة المغرب.
2- أن حشدًا من المغالطات والأخطاء والمواقف الزائفة قد حشرت في ثنايا التقرير فمسخت قيمته وقللت من أهميته ومن تلك المغالطات الزعم بانحياز المسلمين الذين وصفهم بالمتعصبين نحو السوفييت.
3- أن كثيرًا من الحقائق والمواقف الصادقة والصور والملامح الصريحة قد سكت عنها التقرير أو تجاهلها الباحث بسبب انعدام الوعي، أو انعدام الصدق، أو البعد عن التكامل ونظرة الشمول في البحث، أو تجنب الإنصاف والموضوعية مما أحال التقرير إلى مجموعة من الأمنيات التي يرجوها الباحث لمستقبل العلاقات بين العالم العربي والولايات المتحدة الأمريكية.
ويقتضيني واجب الإنصاف وروح البحث العلمي المجرد أن أقدم تعليقًا على التقرير جملة من الحقائق التي لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار عند دراسة أوضاع المد الإسلامي في العالم.
وفيما يلي أهم الحقائق التي لا بد أن نسوقها في مصارحة لمن لا يحب أن يخدع نفسه من السياسيين الأمريكيين ومن يدور في فلكهم في عالم العرب ودنيا الإسلام:
أولًا: المسلمون يعتقدون بعمق أن الرأسمالية بمفهومها الاستعلائي والشيوعية بمفهومها التسلطي وجهان لعملة واحدة هي المادية البشعة التي لا تعرف من الروحانية والقيم إلا ما يزيد كلا منهما استعلاء وتسلطًا وإحكام القبضة على مقدرات الشعوب الاقتصادية والسياسية.
ثانيًا: المسلمون الواعون يدركون بعمق كذلك أن السوفييت والأمريكان يعملون لبسط النفوذ على أكبر مساحة ممكنة من بلاد الآخرين والسيطرة على الشعوب المستضعفة وخاصة في ديار العروبة والإسلام.
وحين تحس كل من الدولتين أن بسط نفوذها على منطقة بكاملها صعب أو شبه مستحيل تتفق الدولتان معًا على اقتسام النفوذ لتقوم في العالم سياسة «سوفريكية» لتحقيق مطامع ذئبين شرسين يقتسمان الذبيحة.
ومن هنا كان شعار السياسة الدولية بين الدولتين العظميين المتبادل:
اسكتوا عنا في فلسطين ولبنان نسكت عنكم في بولندا وأفغانستان!
إن المسلمين لا يفرقون بين الإمبريالية الروسية التي تزحف لتحظى بالدفء قرب منابع البترول في ليبيا والجزيرة العربية وتسعى لبسط نفوذها بالحديد والنار وقوات الاحتلال في أفغانستان والإمبريالية الأمريكية التي تركت وراءها آثارًا رهيبة من الدمار والخراب في هيروشيما وفيتنام وأمريكا اللاتينية وفلسطين ولبنان والفلبين وجنوب إفريقيا.
ثالثًا: نحن المسلمين نعي تمامًا وندرك إلى أي مدى أعان العالم الغربي الصهيونية وقدم من الدعم للكيان اليهودي ممثلًا في ميراج فرنسا، وتعويضات ألمانيا، ووعد بلفور بريطانيا، أما الدعم الأمريكي اللا محدود للكيان اليهودي فله في نفوسنا موقع أعمق سنتحدث عنه، كما نعي تمامًا ما قدمه العالم الشرقي من الدعم للكيان نفسه ممثلًا في السلاح التشيكي عام ١٩٤٨ والاعتراف السوفييتي المبكر بالإضافة إلى هجرة الخبراء اليهود من الاتحاد السوفييتي لدعم الكيان الصهيوني العدواني على أرض فلسطين بعد حرب ١٩٦٧.
ولكنا نعي أكثر وبمرارة وحقد لن يمحي مواقف أمريكا من الكيان الصهيوني العدواني على أرضنا وضد شعبنا بل أمتنا جمعاء، وهذا ما حاول التقرير الوثيقة المشار إليه أن يتجاهله ويغفله وهو يشرح أسباب الكراهية القائمة في نفوس أبناء أمة الإسلام نحو الولايات المتحدة الأمريكية، لقد عزا ذلك للحضارة المادية والانحلال اللذين يكرههما المسلمون كما قال. ولكنه نسي أن يشير إلى أننا لا نحمل حقدًا ولا كراهية للشعب السويسري أو النرويجي أو السويدي أو الياباني أو الصيني مثلًا رغم ما تتمتع به حكومات هذه البلاد وشعوبها من مظاهر الحضارة المادية.
إن لأمريكا دورًا مميزا في حربنا ومعاداتنا، ولذا فإن لها حقدًا متميزًا نخصها به ولن يمحي ما لم يقم جيل أمريكي جديد يحرر البيت الأبيض والسياسة الأمريكية من النفوذ الصهيوني والحقد الصليبي على أمتنا والتآمر عليها صباح مساء، عندئذ فقط نراجع حساباتنا ونتعامل مع الأمريكان في إطار من التفاهم وحفظ المصالح المشتركة.
رابعًا: يمني بعض السطحيين أنفسهم أن المد الإسلامي ظاهرة عابرة لا بد وأن تزول وقد نسوا أن كل الشعارات الوافدة قد سقطت خاصة تلك التي مكنت من الحكم وتولت السلطة في أكثر من بلد عربي ولم يبق إلا أن ينبع من أصالة الأمة هذا النهر المتدفق من العقيدة والنظم والمشاعر والمفاهيم والأحكام مما يشكل الفكر الإسلامي النير والثقافة الإسلامية الواعية وهي أمور لم يبتكرها مفكر معاصر وإنما استمدت من القرآن والسنة وكنوز الفكر الإسلامي العريق التي تعد أفضل رصيد معرفي للمد الإسلامي الحديث.
إننا على يقين أن جماعة إسلامية قد تضرب، وداعية مسلمًا قد يغتال، وآخر قد تشوه سمعته أو يسقط خلال المسيرة الإسلامية المباركة، وكثيرون سيحاربون في أرزاقهم ولكنا على يقين كذلك أن الإسلام لن يتراجع وأن الزحف لن يقف وأن المد لن يستحيل جزرًا، إن المؤامرات أكبر من الجماعات والدعاة، ولكنها أصغر بكثير من الإسلام الذي تكفل الله بحفظه وصيانته وهو القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9).
والذكر هنا ليس سورة تتلى على مقبرة ولا آيات ترتل في ميتم ولا خطابًا يلقى في المحافل، ولكنه عقيدة أمة ونظام حياة ومنهج كون ومدرسة إنسانية.. حقًا لقد صدق عبد المطلب شيخ بني هاشم حين قال لأبرهة الذي أراد أن يغزو الكعبة: إن للبيت ربًا يحميه.
خامسًا: أشار التقرير إلى أن بعض الحكومات في العالم الإسلامي تحاول أن تجمع بين اضطهاد الحركات الإسلامية وبين رفع شعارات إسلامية براقة ظنًا من تلك الحكومات أن مثل هذا الطرح يخدع الجماهير ويضلل الشعوب وقد ضرب الباحث الأمريكي مثلًا صريحًا لذلك في المغرب.
والذي نحب أن نؤكده أن هذه اللعبة الخطرة لم تعد تنطلي على أحد، فالإسلام بشموله وتمامه وكماله وتكامل فكره هو الذي يطلبه أعداء الإسلام لحبل المشنقة وليس الأفراد الذين يفنون، ولا الجماعة التي قد تقهر إلى حين ولكن الأمر أعمق من ذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد.
إن ضرب الجماعة الإسلامية واضطهاد الدعاة لا يغطى باحتفال أو يوارى خلف لافتة.. ومن هنا فإن مثل هذه الازدواجية وتلك اللعبة الساذجة باتت مكشوفة لا بد من التخلي عنها بعمق ووعي وموضوعية.
سادسًا: السياسة «الكيسنجرية» التي تدعو لتفتيت المحنة وتجزئة الضربة لاحتواء الحركة الإسلامية مرحلة مرحلة والقضاء عليها خطوة خطوة تصلح مع كل الحركات إلا مع الحركة الإسلامية لأن كل خطوة تقع تأخذ بتلابيب أختها وكل ضربة تتم تجر أختها التي قبلها تمامًا مثل كرة الثلج التي تبدأ صغيرة ثم تنمو مع الزمن وتكبر ليقع بعد ذلك الانهيار ويكون بعد ذلك الطوفان.
سابعًا: الإسلاميون ليسوا دعاة تقوقع بل دعاة انفتاح على العالم كله، يأخذون منه ويعطونه مثلما كان أوائلهم الذين انفتحوا على حضارات العالم فأخذوا من الفرس واليونان وأعطوهم وصوبوا أخطاءهم وأضافوا إلى إبداعهم، ولذا فهم يدعون لإقامة مئذنة المسجد ومدخنة المصنع معًا ليتحول المجتمع في ديار الإسلام من مجتمع استهلاكي تافه إلى مجتمع إنتاجي معطاء يسبح بحمد ربه ويشكره على ما أولاه من نعم ليقوم بنشر رسالة الإسلام رسالة العلم والعدل والكرامة، ومن هنا فإن نظرة الإسلاميين حين يطالبون بتحكيم الإسلام أن يقوم مجتمع القوة والكرامة والإنتاج والعدل والحرية لكي ندحر من حياتنا الولاء والتبعية للأجنبي في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية، ولعل هذا هو أهم أسباب النقمة الأمريكية على الإسلاميين الذين يريدون أن يخلصوا بلادهم من عار الولاء والتبعية بعد أن تحولت إلى أسواق تستورد المنتوجات الأمريكية المستخدمة في البيت والمكتبة والمدرسة والحقل وميدان المعركة التي يفرضها عليهم أعداؤهم بين الحين والآخر.
ثامنًا: فكرة شمول الإسلام لكل قضايا الحياة بحيث يتميز عن غيره من الأديان هي التي توقع الإسلاميين في المحن وتسبب لهم الاضطهاد ولو رضوا أن يكون الإسلام صلاة وصومًا فحسب لحلت المشكلة وانتهى الخلاف.
إن الإسلاميين لا ينطلقون في هذا المفهوم من فراغ وإنما من قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (سورة المائدة: 49).
ولنمعن النظر في كلمة «بعض» الواردة في الآية الكريمة، فهي نهي عن أخذ الإسلام مجزءًا: صلاة من الإسلام واقتصادًا من الاشتراكية، وحكمًا من الديمقراطية، ليشكل خليطًا بشعًا لا يقبل به الله ولا يرضاه وهو الذي يقول: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة البقرة: 85).
تاسعًا: الإسلاميون ليسوا أعداء أشخاص ولكنهم يخالفون ما يعتقدون خطأه، ولذا ليس بينهم وبين حكامهم خلاف على كرسي أو صراع على سلطة ولكنه خلاف حول منهج فمن أخذ بالمنهج وعمل على تطبيقه منهم ولو بالتدريج وانتهج طريق الإقبال على الإسلام لا الإدبار عنه، فهو أقرب إلى نفوسهم وأحب إلى قلوبهم يدعون له بالتوفيق ويرجون له السداد والرشاد في القول والعمل ويعتبرون أنفسهم جندًا لمن يرتضي حكم الله ويقتنع به ويسعى لتطبيقه في أصالة ومعاصرة ولو بعد حين.
عاشرًا: لم تعد حقيقة شمول الإسلام وتكامله باعتباره عقيدة أمة ومنهجًا ينتظم كل شؤون الحياة مقصورة على فرد أو جماعة دون أخرى بل أن ذلك بات ثقافة بدهية عامة واضحة لدى معظم المسلمين أفرادًا أو جماعات، ممثلة في الإخوان المسلمين أو السلفيين أو جماعة التبليغ أو حزب التحرير أو بعض الصوفيين وغيرهم حتى صار هذا الاعتقاد جزءًا أساسيًا من ثقافة الأمة كلها في قاعدتها العريضة، أما الخلاف في الرأي بين تلك الجماعات فإنه ينحصر في بعض الجزئيات، وفي الوسائل والأساليب لتحقيق حكم شرع الله في الأرض وإقامة دولة الإسلام حيث يدفع البعض إلى العنف والتطرف بسبب ما يلاقي من اضطهاد وقهر في حين يرى البعض أن يتم التغيير الاجتماعي الهادف بالحسنى وعبر المؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية والثقافية ضمن القنوات الدستورية دون صراع دموي أو صدام عنيف لا مبرر له.
ومن هنا فإنا نتساءل كيف يقف بعض الحكام في وجه رغبات الأمة في حين يحقق التحامهم بأبناء الأمة وتمسكهم بمثلها وقيمها وطموحاتها مزيدًا من القوة ويعطيهم مزيدًا من الحصانة ضد المتآمرين عليهم في الداخل والخارج.
وبعد.. فإننا واثقون أن كثيرًا من التقارير التي ترفعها دوائر الاستخبارات العالمية والأبحاث التي تعدها مراكز البحث والدراسة والاستشراق ينقصها كثير من الصدق والوعي والشمول والموضوعية لتكون جديرة بتقدير القارئ واحترام الباحثين.
إن أمريكا التي تصر على معاداتنا في جميع المواقف لا تحب الاعتدال للحركة الإسلامية لأن الاعتدال هو الذي يمكن للحركة أن تستقر هادئة الممارسة، قوية البنيان، هادفة التوجه، ولذا فهي ترتاح كلما برز جيب من جيوب التطرف أو ظهر على الساحة فئة من الشباب الذين يحركهم الحماس وتقودهم الغيرة التي كثيرًا ما تكون مجنونة بسبب التوصيات الأمريكية التي تدعو للقهر والتسلط والاضطهاد. إن الحركة الإسلامية الراشدة الواعية مدعوة في كل مكان أن تضبط النفس وأن تمارس سياسة السيطرة على الانفعالات لكي تتجاوز خبث المؤامرة ويكون لها البقاء في الأرض والبقاء للأصلح.
وصدق الله العظيم ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ (سورة الرعد: ۱۷).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل