; تركيا.. مركز الثقل الإقليمي الجديد: 1993 هل سيكون هو عام السيادة التركية؟ | مجلة المجتمع

العنوان تركيا.. مركز الثقل الإقليمي الجديد: 1993 هل سيكون هو عام السيادة التركية؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993

مشاهدات 81

نشر في العدد 1037

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 09-فبراير-1993

تركيا.. مركز الثقل الإقليمي الجديد

صعود تركيا وتغيير الموازين

فجأة بدأت تظهر تركيا كمركز ثقل لا يستهان به في قلب العالم، ساعدها على ذلك حدثان هامان غيرا موازين القوى والتحولات السياسية في العالم هما: حرب الخليج وسقوط الإمبراطورية السوفيتية، ووجدت تركيا نفسها فجأة أمام ميراث الدولة العثمانية التي أسقطها «مصطفى كمال أتاتورك» في بدايات هذا القرن وحاول أن يغير هوية تركيا من الإسلام إلى العلمانية فأفلح في تغيير الوجه إلا أنه سقط في تغيير الهوية.

الموقع والثقل السكاني والعسكري

وجدت تركيا نفسها بعد سقوط الإمبراطورية السوفيتية في مركز ثقل يتحدث التركية يمتد من البلقان وبحر إيجة غرباً إلى حدود الصين شرقاً مروراً بالبحر الأسود وآسيا الوسطى ليضيف إلى سكانها البالغين 58 مليون نسمة أكثر من مائة مليون نسمة آخرين مما يشكل ثقلاً سكانياً واقتصادياً وصناعياً إن لم يعادل ثقل الوطن العربي فإنه يزيد عليه. وتركيا تتمتع بوضع يجعلها من أكثر دول العالم من حيث الأهمية الاستراتيجية، فمساحتها تكاد تعادل مساحة فرنسا مرة ونصف المرة، كما أن موقعها المميز بين أربعة بحار هي البحر المتوسط ومرمرة والبحر الأسود وبحر قزوين ومكانتها على مفترق المواصلات البحرية: الدردنيل والبوسفور والطرق البرية بين آسيا وأوروبا وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا، وعلى طريق البترول بين الخليج والبحر المتوسط.

وقد زاد من تلك الأهمية قوتها العسكرية التي تبلغ 600 ألف جندي في الظروف العادية يزيدون إلى 2 مليونين في الظروف الطارئة مما يشكل إحدى أقوى الجيوش الإقليمية في المنطقة وتعتبر تركيا بذلك ثاني أقوى قوة عسكرية بعد الولايات المتحدة في الحلف الأطلسي وهي بذلك تعتبر جزءًا هاماً ورئيسياً وأساسياً في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط ومنطقة وسط آسيا وجنوبها الشرقي.

السياسة الخارجية الجديدة والمحاور الأربعة

وإذا كانت السياسة الخارجية لتركيا قد اتسمت منذ سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية على أرضها في بدايات هذا القرن بما يمكن أن يسمى بسياسة النعامة فإنها قد بدأت خلال العامين الماضيين تقف في قلب الحدث وصناعته والتأثير فيه بعدما كانت تقف على الهامش، وأصبحت تتعامل بقوة مع أربعة محاور رئيسية تحاول من خلالها تعزيز مركزها الإقليمي وسيادتها في المنطقة.

المحور الأول: آسيا الوسطى

 فعلى محور آسيا الوسطى سرعان ما مدت تركيا يدها إلى الجمهوريات الإسلامية وكانت أول من اعترف بها بعد استقلالها وقام رئيس الوزراء التركي سليمان ديمريل بزيارة لها في -مايو الماضي- شملت أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان كما عقد الرئيس التركي قمة رئاسية في تركيا في أكتوبر الماضي حضرها رئيسا أذربيجان وكازاخستان كما قامت تركيا بتخصيص بث تليفزيوني لأربع ساعات يومياً بواسطة القمر الصناعي القمر الاصطناعي/الساتلايت لمواطني كل من أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وتتارستان، كما انتهت وزارة التربية والتعليم التركية من طباعة 3 ملايين نسخة من كتيب خاص بتعليم اللغة التركية ستقوم بتوزيعه على مواطني جمهوريات آسيا الوسطى، وتعد الآن برنامجاً كبيراً لمنح دراسية لآلاف الطلاب من تلك الجمهوريات وذلك علاوة على تبادل البعثات الدبلوماسية وافتتاح المراكز الثقافية التركية في المدن الهامة في جمهوريات آسيا الوسطى حتى أن حكومة أذربيجان قد أقدمت على اعتماد الحرف اللاتيني التركي بدلاً من الحرف العربي في كتابتها ولعل هذا يعكس أبرز التأثيرات التي أحدثها الاتصال التركي بجمهوريات آسيا الوسطى، وتكاد تتفق كل المصادر على أن المحاولات التركية تتسع وتمتد لتصب كلها في مجرى معاكس للتيار الإيراني الذي يحاول مستميتاً اكتساح الموانع التي تحول بينه وبين هذه الجمهوريات بما فيها أذربيجان التي توجد بها نسبة عالية من الشيعة وتسعى تركيا من خلال هذا النفوذ إلى إحلال النظام التركي العلماني الذي يتمسح بالإسلام محل الأنظمة التي كانت قائمة في تلك الجمهوريات.

المحور الثاني: دول البلقان وقبرص

  • أما المحور الثاني فهو محور دول البلقان وقبرص:

حيث لا يزال أكثر من 30 ألف جندي تركي يتواجدون في شمال قبرص لحماية دولة قبرص التركية التي أعلنها المسلمون عام 1983 ولم تعترف بها سوى تركيا، ويطيب للرئيس التركي «تورجوت أوزال» أن يتحدث دائماً عن الوقائع التاريخية التي تعود إلى ظلال الدولة العثمانية ولكن من منطلق يختلف عن ذلك المنطلق الذي سادت به الدولة العثمانية هذه المناطق، فمن المستحيل أن تتبنى دولة علمانية قضايا إسلامية، إلا أن أوزال يصف المسلمين أبناء الدول التي كانت خاضعة للدولة العثمانية بقوله أبناء من كانوا بالأمس مواطنينا وأبناء مواطنينا الحاليين، متبنياً أفراحهم وأتراحهم واضعاً خطة إقامة علاقات معهم بأنها حق طبيعي وواجب.

ثم يقول: كيف لا وقد عشنا سوية ما يقرب من -900 عام- ولم ننقطع عن بعضنا سوى في السبعين أو الثمانين عاماً الأخيرة. وفي حين استمرت تركيا تؤيد إعلامياً وبقوة مسلمي البوسنة والهرسك فإن الغرب لم يقلق كثيراً من هذا التأييد التركي لأنه لا يجد في تأييد تركيا للبوسنة بهذا الشكل القائم شيئاً يثير المخاوف، بل على العكس فإن الغرب يسعى لإبراز صورة تركيا العلمانية التي تتمسح بالإسلام في أوروبا كما يسعى كذلك لتسويق النموذج التركي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

المحور الثالث: المجموعة الأوروبية

أما المحور الثالث فهو محور المجموعة الأوروبية: الذي تسعى تركيا جاهدة فيه منذ أن تقدمت بطلبها للانضمام للمجموعة الأوربية عام  1987 ومن وقتها وتركيا تسعى لالتماس الرضا الأوروبي عنها للانضمام كعضو كامل وقد أبلغت المجموعة الأوروبية تركيا مؤخراً بأن طلب انتسابها للمجموعة سيكون موضع بحث خلال العام الحالي 1993.

المحور الرابع: الجنوب والخليج

أما المحور الرابع فهو محور الجنوب والخليج: ولعل الدور التركي كان بارزاً فيه أثناء حرب الخليج، إلا أن عوامل أخرى كثيرة قد جعلت للدور التركي أهمية أكبر لاسيما مع تفاقم مشكلة مياه الأنهار التي تنبع من تركيا خاصة دجلة والفرات ومشكلة -الأكراد- في جنوب تركيا، فحينما وجدت تركيا نفسها مهددة في الجنوب بإمكانية قيام دولة كردية في شمال العراق قامت بشن هجوم على حزب العمال الكردستاني في -أكتوبر الماضي- فكسرت شوكتهم، وكان ذلك إنذاراً في نفس الوقت للأكراد العراقيين الذين يسعون لإقامة دولة لهم في الشمال حتى أن «نجيب إيجوز» رئيس القسم السياسي في وزارة الخارجية التركية يقول:

إن شمال العراق منطقة مهمة وحيوية بالنسبة إلى تركيا وقد خطا الأكراد العراقيون عدة خطوات باتجاه إقامة دولة لهم ومهمتنا هي منع الأمر الواقع من التحول إلى واقع شرعي. وإضافة إلى ذلك فقد استضافت تركيا في -ديسمبر الماضي- اجتماعاً لوزيري خارجية إيران وسوريا، وأسفر الاجتماع عن إعلان معارضة الدول الثلاث أي مسعى لإقامة دولة كردية.

  • أما الدور الإيراني المتعاظم في الخليج والذي يهدد التوازن في المنطقة لاسيما بعد سيطرة إيران على جزيرة أبو موسى فقد زاد من أهمية الدور التركي لكبح جماح التعاظم الإيراني ولعل زيارة «ديمريل» الأخيرة لدول الخليج قد عززت هذا الأمر بصورة واضحة.

الخلاصة والآفاق المستقبلية

  • لقد أصبحت تركيا تتمتع اليوم بنفوذ دولي لم تحظ به منذ انهيار الخلافة الإسلامية وسقوط الدولة العثمانية في بدايات هذا القرن، وذلك بفضل الدعم الأمريكي الأوروبي لها، وتغير الظروف المحيطة بالمنطقة لصالحها مع النموذج العلماني الذي تطرحه، ويكاد يجمع المراقبون على أن العام 1993 سيكون عام بداية السيادة التركية وإن كان رئيس الوزراء التركي قد أشار في تصريح له نشر مؤخراً إلى طموح أبعد من ذلك حينما قال إن القرن القادم سيكون لتركيا، غير أن تركيا هذه المرة ترفع راية غير التي رفعها العثمانيون حينما غزوا العالم وفتحوه من قبل وهذه الراية الجديدة التي ترفع شعار العلمانية التي تتمسح بالإسلام تحظى بدعم الغرب والبيت الأبيض وهي تهدف في النهاية إلى كبح جماح التيارات الإسلامية التي تحاول النهوض الآن في كل مكان.

اقرأ  أيضا:


سليمان ديميريل

تورغوت أوزال

 

الرابط المختصر :