العنوان «أبي زيد» في إثيوبيا
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004
مشاهدات 62
نشر في العدد 1591
نشر في الصفحة 32
السبت 06-مارس-2004
كشفت زيارة الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة المركزية الأمريكية الأخيرة لإثيوبيا «١٤ - ١٦فبراير» عن أهداف واشنطن في هذه المنطقة الحيوية في شرق إفريقيا إذ كان الهدف إيجاد تحالف جماعي ضد القوى الإسلامية في المنطقة التي يحلو لواشنطن أن تطلق عليها القوى الإرهابية، وقد ردد أبو زيد أثناء الزيارة نغمة جديدة، وهي أن مواجهة دول الإقليم لظاهرة الإرهاب لا يجب أن تكون قاصرة على المستوى الفردي إذ لابد من وجود نظام أمن جماعي collective security لمواجهتها.
ومعنى ذلك إيجاد منظومة أمنية تضم دول المنطقة تكون خاضعة مباشرة للإدارة الأمريكية التي يمثلها أبي زيد إذ إن القيادة المركزية تضم مناطق أفغانستان والعراق وشرق إفريقيا. وأعطى أبي زيد مثالًا على ذلك بالصومال، معتبرًا أن غياب الحكومة المركزية والمؤسسات الديمقراطية يسهم في تفريخ العناصر الإرهابية على حد قوله.
ويبدو أن إثيوبيا مؤهلة - وفق وجهة النظر الأمريكية - لقيادة هذا التحالف على المستوى الإقليمي، خاصة بعد تشكيلها «تحالف صنعاء» الذي يضمها مع السودان واليمن، وقد أعلن التحالف أن هدفه الأساسي مواجهة واستئصال الإرهاب من هذه المنطقة، كما أعلنت أديس أبابا أنها تسعى لضم كل من جيبوتي وكينيا والصومال إليه، أي أنها ستكون بمثابة الدولة المحور وتقدم نفسها كدولة حارسة، أو شرطي أمريكا في المنطقة، وهي ترتكن في ذلك لأمرين أساسيين:
ا- أنها تكاد تكون الدولة الوحيدة التي لم تتعرض فيها المصالح الأمريكية لعمليات إرهابية مقارنة بدول الجوار كالصومال وكينيا أو تنزانيا ولا تعتبرها واشنطن من الدول الراعية للإرهاب مثلما تتهم السودان.
٢- الولاء التاريخي الإثيوبي للدول الغربية والارتباط بالولايات المتحدة، وبالطبع الصهاينة فإثيوبيا تحاول تقديم نفسها للغرب باعتبارها دولة مسيحية في محيط إسلامي إشارة إلى دول الجوار العربية الإسلامية مثل جيبوتي والصومال والسودان وحتى إريتريا ذات الأغلبية السكانية المسلمة حتى وإن حكمها رئيس غير مسلم، فضلًا عن مصر في الشمال، وهي نفس الفكرة التي تقدمها تل أبيب وتروج لها للحصول على الدعم الأمريكي. ومن ثم فقد دخلت إثيوبيا في اتفاقيات تاريخية مع الغرب لتحقيق منافع مشتركة على حساب العرب المسلمين ومن ذلك اتفاق الإمبراطور المتعصب هيلاسلاسي على مساعدة بريطانيا في القضاء على الثورة المهدية في السودان، ثم في هزيمة إيطاليا التي كانت تحتل إثيوبيا وإريتريا في الفترة من ١٩٣٦- ۱۹۳۹ مقابل الحصول على إقليم أوجادين الصومالي المسلم الذي يقطنه ٩ ملايين شخص وبالفعل استولت إثيوبيا على الإقليم عام ١٩٤٨ بموافقة لندن «تمامًا كما حدث بالنسبة لفلسطين عقب إلغاء الانتداب البريطاني واستيلاء الصهاينة عليها».
كما اتفق هيلاسلاسي في الوقت ذاته مع واشنطن على دعمها في مواجهة دول المحور مقابل الحصول على إريتريا، وبالفعل وافق الرئيس الأمريكي روزفلت آنذاك على ذلك.
وبالنسبة للصهاينة فإن ترحيل يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى فلسطين المحتلة مستمر، مقابل الحصول على مساعدات عسكرية وتقنية ويربط بعض المحللين بين زيارة أبي زيد الأخيرة لإثيوبيا وإعلان تل أبيب ترحيل أخر دفعة من اليهود الفلاشا إليها.
ولهذه الاعتبارات قدم رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي نفسه للأمريكان- خاصة بعد أحداث سبتمبر- على اعتبار أنه شرطي واشنطن في المنطقة، وأبدى رغبته في شن حرب بالوكالة ضد حزب الاتحاد الإسلامي الصومالي الذي اعتبرته واشنطن على صلة بتنظيم القاعدة ولعل التنافس المحموم بين كل من إثيوبيا وعدوتها اللدود إريتريا التي أعلنت في الأخرى موافقتها على إقامة قواعد أمريكية على أراضيها، هو ما جعل أديس أبابا تسعى لكسب ود واشنطن خاصة أنها ترغب في استعادة دورها المفقود في المنطقة الذي تراجع كثيرًا بسبب حربها مع إريتريا من ۱۹۹۸م، وحتى عام ۲۰۰۰. ويبدو أن واشنطن تميل إلى إثيوبيا أكثر من إريتريا، خاصة بعدما ثبت لها أن الرئيس الإريتري أفورقي لا يمكن التعويل عليه كثيرًا بسبب مشكلاته الكثيرة مع دول الجوار «إثيوبيا - اليمن - السودان – جيبوتي» ومن ثم فمن الأفضل الاعتماد على الحليف التقليدي المتمثل في أديس أبابا، خاصة أنها أثبتت خلال نصف قرن أنها حليف يمكن الاعتماد عليه فضلًا عن سيطرتها على منابع النيل مما يشكل تهديدًا دائمًا لكل من مصر والسودان، وهو أمر لا يتوافر لإريتريا. ولذلك فقد يترتب على الزيارة مزيد من التدخل الإثيوبي في الصومال بزعم مواجهة القوى الإرهابية خاصة بعد الحصول على الضوء الأخضر من أبي زيد أثناء الزيارة الأخيرة، فضلًا عن إمكانية تصاعد التهديدات من جديد لكل من مصر «بشأن المياه» والسودان «بدعم الجنوبيين» إذا ما رفضنا التسليم بالمطالب الأمريكية، ولعل الدعوة التي اطلقتها بعض دول حوض النيل مؤخرًا خاصة رواندا وبوروندي بشأن الرغبة في إلغاء اتفاقيات تقسيم المياه السابقة والتي قد تضر بدول المصب خاصة مصر تعد -وفقًا لآراء بعض المحللين– أحد تداعيات زيارة أبي زيد الأخيرة.