; «أتاتورك» و«أردوغان».. كيف غيرا وجه تركيا؟! | مجلة المجتمع

العنوان «أتاتورك» و«أردوغان».. كيف غيرا وجه تركيا؟!

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2013

مشاهدات 73

نشر في العدد 2035

نشر في الصفحة 32

السبت 12-يناير-2013

ليس من المبالغة القول: إن أتاتورك يعرفه أغلبية العرب المثقفين وغير المثقفين، لكن هؤلاء الأغلبية لا يعرفون اسمه؟ ولماذا اشتهر بهذا اللقب؟ وفي المقابل لو سألت أي عربي من مشرق الوطن العربي إلى مغربه عن أردوغان، فلن يضن عليك بمعرفة اسم: أردوغان كاملًا وبتفاصيل مهمة عن هذا الرجل.

ربما تمتع أردوغان وأتاتورك بكريزما معينة جعلت لكل منهما هذه الشهرة وهذا الصيت الذائع، ولكن ما الذي يحسب لكلا الرجلين؟ وماذا حققا من إنجازات جعلت تركيا تسير نحو النهوض على المستويين الداخلي والخارجي في تاريخها المعاصر مع مطلع القرنين العشرين والحادي والعشرين؟ وتستدعي هذه النهضة التأمل والتوقف عندها، ومن ثم معرفة الفارق بين ملكات ومهارات هذين القائدين اللذين وضعهما التاريخ في صدارة رجال تركيا، لأخذ العبرة والاستفادة من تجربتهما في الحكم والإدارة.

ليست المرحلة التي وجد فيها مصطفى کمال اتاتورك بأقل خطورة وأهمية عن الفترة التي عمل بها وعايشها رجب طيب اردوغان فاتاتورك عاصر نهاية الخلافة الإسلامية العثمانية، وشهد سقوط عاصمتها إسطنبول بيد الحلفاء الإنجليز والفرنسيين ومن معهم بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى عام ۱۹۱۸م، ثم عمل على إلغاء الخلافة بعد ذلك في 3 مارس (آذار) عام ١٩٢٤م، استكمالا لما بدأه الحلفاء الغربون من خطوات القضاء على دولة الخلافة ومؤسساتها، وغير وجه تركيا من جمال الإسلام إلى قبح العلمانية باسم الجمهورية التركية الحديثة وجعل من تركيا دولة علمانية، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، والغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية وحول المدارس الشرعية إلى مدارس علمانية، واستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلا من الأبجدية العربية وشن حملة تصفية واسعة لكل مظهر من مظاهر الدولة والخلافة العثمانية، بحيث لم يترك فيها إشارة من قريب أو بعيد لأي شيء إسلامي أو عربي أو متعلق بالإسلام والعروبة، وأمضى أكثر من ١٥ عاما في الرئاسة أقام خلالها نظامًا سياسيًا وقضائياً واقتصاديًا واجتماعيًا جديدًا بيني على الأسس الغربية، وجعل كلًا من الحكومة والتعليم علمانيًا، وحل البرلمان العثماني في إسطنبول المعارض له، واستبدله ببرلمان أنقرة.

أقل من 100 عام عاشتها تركيا بعد سقوط الخلافة الإسلامية لم يستطع النظام العلماني الذي أسسه أتاتورك وحما بستار حديدي من القمع والترهيب باسم القانون كل تلك السنين أن يطمس الإيمان في قلوب الأتراك، وعادت تركيا ترفع صوت الإسلام عالياً، وظهر جيل تربى على يدي مجدد تركيا في القرن العشرين نجم الدين أريكان في مدارس التجديد والوعي والانتماء، وفي محاضن الشريعة ويطالب بالحفاظ على الهوية وبالعودة إلى الأصالة، وكان منهم رجب طيب أردوغان و عبد الله جول، وأحمد داود أوغلوء وآخرون حملوا راية التغيير واستعدوا المعركة النهوض، وصمموا على وضع تركيا من جديد في مصاف الدول الأولى الأكثر نهوضا، فما الذي جرى ؟! وكيف اتجه أردوغان وصحبه نحو البناء من جديد؟ وكيف خططوا الصناعة مستقبل تركيا مرة أخرى؟!

كان ظهور مصطفى كمال أتاتورك نتيجة غياب الشخصية الإسلامية العبقرية القادرة على تجميع الشعوب حولها في لحظة ترنح الإمبراطورية العثمانية الضخمة ذات الإنجازات الكبيرة والأخطاء الكبيرة أيضًا.

أتاتورك قاد انقلابًا جذريًا على الخلافة العثمانية المتجذرة في وجدان وعقول وضمائر أبنائها، فسعى لاقتلاع هذه الشجرة من أصولها انقلابًا شمل النفس والكيان والروح العثمانية على حد سواء، ولم يأبه لكل القيم الوطنية والإنسانية الدولية سارع لتغيير هوية المجتمع وحضارة الأمة.

وأراق الدماء وقتل الآلاف وشرد واعتقل وقتل كل من وقف في وجه مشروعه التغريبي أردوغان وفريقه تلامذة نجم الدين أريكان أدركوا أنه لابد من تغيير النهج ومجابهة النظام العلماني الذي يحرسه العسكر بالبطش وتكميم الأفواه والقمع والانقلابات العسكرية بأسلوب مختلف وعمل وصحبه على تغيير قواعد اللعبة باختطاط خط بموازاة العلمانية بدل الاصطدام معها ومواجهتها، وهو ما عرف به خط الثنائية، وفسّر أردوغان، ذلك حين سئل عن مرحلته الجديدة في العمل السياسي فقال: لم أتغير ولكنني تطورت بهذه الكلمات الموجزة دشن رجب طيب أردوغان، مرحلة الثنائية الجديدة في مسار حركة الإسلام السياسي، وقاد تيارًا وسطًا بين ثنائية (العلمانية الإسلام) عرف بتيار الأردوغانية.

اتاتورك، أراد الإصلاح، ولكن على طريقته الخاصة التي يجد فيها ذاته فوق الأمة وفوق مصالحها ورغباتها وهويتها وكيانها. 

إن أصول أتاتورك غير التركية كما أثبتت الدراسات الأنتلوبولوجية أشعرته بالغربة عن الأمة التركية العثمانية، وعدم الانتماء لها، بكل ما تحمله كلمة الانتماء من معنى حضاري وعرقي وأخلاقي ولهذا أنكر عليها الخروج عن مبادئه وعلمانيته، فقد صممها على الاستمرار في تمجيده وتعظيم ذاته تحت مسمى الأتاتوركية بعنوانها العلماني ونهجها الغربي، وأصر على مجافاتها للعرب وللأمة الإسلامية، وسن من القوانين والأنظمة ما يعمق الشرخ والفجوة بين تركيا الجديدة العلمانية وبين أمنها الإسلامية وتراثها وأصالتها الممتدة إليها بجذور عميقة متينة

لقد أدرك أردوغان، وتياره مقتل أتاتورك، ونهجه الهجين في الإصلاح. فادار السفينة بأسلوب ونهج جديدين، فتصالح مع التاريخ والحضارة، ونزل عند رغبات أمته وشعبه، وعرف إلى ماذا يتطلعون، فنال ثقتهم وحاز على شرف خدمتهم، وكسب رضاهم. وتسلل إلى قلوبهم وأرواحهم، ووضع كل ثقله وخبرته وتاريخه النظيف وتجربته الغنية في الإدارة لتحقيق نقلة نوعية في النجاح.

طوى أردوغان صفحة العداء التاريخية مع العالم العربي، وأصر على العودة للهوية الوطنية والتصالح مع الذات مع أنه لم يسلم من تریص خصومه به لكنه لم يأبه بهم. وعبر عن ذلك بموافقه ذات النبرة العالية تأييدًا للقضية الفلسطينية، وكسر الحصار عن قطاع غزة، ولم يمنعه ذلك من الإصرار على الاقتباس من الحضارة الغربية ومن مظاهر تمدنها وتقنياتها ورقيها المادي. 

وعلى العكس من ذلك أراد أتاتورك تحديث تركيا معنويًا وماديًا، وجعل طموحه أقرب للتغريب من الحداثة، وأكد حرصه بالحاق تركيا بالغرب ولم يترك فرصة إلا واغتنمها ليعبر عن تبرئه من أصالة تركيا وقيمها وحضارتها وتراثها الإسلامي، ولم تغل سنوات حكمه (١٥ سنة) التي أمضاها في رئاسة الجمهورية التركية من عقدة گراهيته لتركيا العثمانية المسلمة، والتي أراد أن يترك بصمات شخصيته عليها كدولة مارقة عن قيمها تتمسك باتباع التقاليد الغربية في البيت والأسرة والمجتمع، وسعى الإثبات ذلك بإخراج المرأة من بيتها، وأفرط في الحث على نزع حجابها، ثم فرض ذلك بقوانين ابتدعها مستوحيا إياها من النمط الغربي في أساليب التمدن والحداثة، ليجعله نظامًا للحياة التركية في السياسة والقضاء والأحوال المدنية ونظام الأسرة.

في المجال الاقتصادي سعى أردوغان كرئيس للحكومة التركية باسم حزب العدالة والتنمية، والذي تمكن من وضع الاقتصاد التركي على طريق النمو الدائم إلى تحصين مكتسبات الديمقراطية وتوسيع مجال الحريات عبر الآلية الدستورية، وبلغة الأرقام يثبت لنا ثقته ببرنامجه التحديثي النهضوي الذي وضع قدميه على بداية طريقه ولم يزل يستحث الخطى مسرعا في اتجاه الصعود نحو بلوغ ذروة النجاح، لتكون تركيا من أوائل الدول المتطورة، فمن ذلك استعاد أكثر من ٤٦ مليار دولار من الأموال التي نهبها السياسيون ورجال الأعمال من البنوك الرسمية وهربوها للخارج.

استطاعت حكومة اردوغان بقيادة حزب العدالة والتنمية تحقيق المزيد من الإنجازات الاقتصادية والسياسية خلال فترة حكمه، فقد انجزت الحكومة اتفاقًا مع صندوق النقد الدولي طهرت بمقتضاه النظام المصرفي. وفرضت نظامًا منضبطًا صارمًا في الميزانية، مما أدى إلى عودة الثقة بالاقتصاد التركي وزيادة النمو، وقد سجل الاقتصاد نموا مطردا لأربع مرات متتالية بنسبة تتجاوز ٨.٥% في ظرف عشر سنوات، وارتفع إجمالي دخل الفرد الواحد خلال السنوات العشر التي حكم فيها حزب العدالة والتنمية بين ۲۰۰۲ و ۲۰۱۲م، إلى ثلاثة أضعاف من ٢٥٠٠ دولار في ٢٠٠٢ إلى ١٠٤٠٠ دولار في ٢٠١١م.

مضى أتاتورك ، وخلف وراءه تراكمات الاضي وثقل الحاضر وأمال المستقبل، ولم يتمكن من بلوغ ما أراد، وفي عصره أدرك الأتراك أن زعيمهم الأوحد كبت إرادتهم. وأراد بلوغ أهدافه وتمجيد ذاته، ولو على ضياع هويتهم، بالقاب وشعارات ذهب بريقها وبانت الأيام تزيل بهاءها الزائف الذي أراد إضفاءه عليها.

وفي المدى المنظور أيقن العثمانيون الجدد أردوغان وفريقه حزب العدالة والتنمية. وهم يتطلعون إلى المستقبل بعيون واثقة، أن تحقيق أماني شعبهم وبلادهم، وتلبية مطالب هذا الشعب في الديمقراطية والحرية والعدالة التي نشدها زهاء مائة عام مضت من الأتاتوركية مؤملًا بالرخاء والازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، لا تأتيه بالانقياد للغرب الطامع فيه بل بالحفاظ على الهوية والتمسك بالثوابت والثقة بالنفس، وبالتخطيط العلمي العقلاني، فقي هذا كله سبيل النجاح والولوج للمستقبل وذلك لا يكون إلا بكسب رضا الشعب وولائه وإخلاصه، وبالعمل لا بالشعارات والأماني.

(*)  مدير عام مركز الكلمة للدراسات الإستراتيجية

الرابط المختصر :