; «أحلام» فلسطينية على صهوة المقاومة | مجلة المجتمع

العنوان «أحلام» فلسطينية على صهوة المقاومة

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003

مشاهدات 57

نشر في العدد 1580

نشر في الصفحة 29

السبت 13-ديسمبر-2003

 

عمرها (23) ربيعًا، لكنها فتاة فوق العادة، سكبت قارورة عطرها الأنثوي تحت قدميها؛ وتركت همم الرجال تتعانق مع متع الدنيا وحطامها لتمتطي صهوة المقاومة في الأفق المقدسي الذي بارك الله في مسجده وفيما حوله. 

لم تحلم كبقية الصبايا بفارس الأحلام الذي يمتطي الفرس البيضاء سابحًا في فضاء الخيال ليختطفها لجزيرة الأحلام، وبدلًا من أصبع أحمر الشفاه حملت أصبع الديناميت؛ لأن وجه حيفا المغتصب يحتاج لمجاهدة لا لعروس تتقلد إكليل العرائس.

إنها أحلام عارف التميمي

في مدينة الزرقاء الأردنية ولدت، لكن الريح الغربية كانت تحمل لها رسائل من هناك مشحونة بأنفاس القدس وروابيها المباركة المختلطة بضوع أزاهير دفلى النهر، وظلت الريح تحدثها بقصة الحنين وخضرة غابات الزيتون حتى عادت لأحضان الوطن المبارك.

عادت ولكن لا لتأكل برتقال الساحل أو زيتون الجبال، عادت لشيء آخر يعرفه الرجال القلائل وقليل من قلائل النساء.

رآها القسامي «وائل دغلس»، وأحس «برجولة» غامضة تختبئ بين خلاياها الأنثوية فاستشار قادته في الكتائب حول تجنيدها فكانت أول قسامية في كتائب عز الدين القسام.

تفجرت رجولتها الكامنة في غلاف أنثوي؛ فجابت شوارع القدس بسيارتها الخاصة لتبحث عن أهداف مناسبة، بل وزرعت عبوات ناسفة في أسواق الصهاينة بالقدس لتنفجر في وجوههم الكريهة.

في 9/8/2001م تألقت «أحلام» أكثر وتسربلت بشجاعة فريدة لا يعرفها الكثير من الرجال؛ إذ جاءها القائد القسامي المهندس «عبد الله البرغوثي»، فك الله أسره وطلب منها أن تحمل الاستشهادي «عز الدين سهيل المصري» إلى قلب القدس لم تتردد لحظة واحدة؛ لأن حجم الثأر والقهر المتقدين في قلبها الصغير أعظم بكثير من خوفها الفطري، وكان لها شرف الوصل بين «العزين» في مسيرة المقاومة المباركة.. عز الدين القسام وعز الدين المصري؛ إذ حملت الأخير في سيارتها عابرة الحواجز الأمنية حول القدس ومقتحمة طوابير العساكر ورجال الأمن الصهاينة؛ وهناك عند مفترق الملك جورج في شارع يافا أنزلته مع «جيتارته» المحشوة بالبارود وطلبت منه أن يفجر الجيتارة الملغمة على هذا المفترق، لكنها وفق تعليمات الكتائب كانت مرنة معه فتركت له الخيار في تحديد الهدف في ذات المنطقة.

كان الشهيد «عز الدين المصري» موفقًا فاختار مطعم «سبارو للبيتزا» على نفس المفترق لم يكن في عجلة من أمره، بل كان هادئ الأعصاب مما مكنه من أن يتغلغل داخل المطعم.. وهناك في جنباته فجر جيتارته ليصعد شهيدًا بمشيئة الله تعالى وليحترق قتلة أطفالنا وشيوخنا. 

عادت «أحلام» إلى منزلها في رام الله بعد أن صنعت ملحمة قسامية فريدة... وما أعظم الملاحم حينما تصنعها النساء في موسم بيات الرجولة.

في مقتبل عام 2002م رصدها الصهاينة فاعتقلت وتنقلت بين سجني الرملة والمسكوبية بالقدس، وفي الأخير عزلت في زنزانة منفردة وأضربت عن الطعام جراء ذلك.

في أكتوبر حكم الصهاينة عليها حكمًا بالسجن (16) مؤبدًا أي (1584) عامًا، لكنها لم تنكسر ولم تخضع، وفور أن نطق القاضي العسكري بالحكم وقفت ناطقة بكلمات أغاظت قضاة المحكمة، إذ لم يقهر صدأ القيود جسدها... وقالت بحسب إسلام أون لاين: (أنا لا أريد أن أعرفكم على نفسي باسمي أو عمري أو حلمي، أنا أعرفكم على نفسي بأفعالي التي تعرفونها جيدًا في هذه المحكمة.. وأنا أرى في عيون كل الجالسين بالمحكمة الغضب وأنا مبسوطة، ليش؟ -مضيفة بلهجة عامية-... «الغضب اللي في وجوهكم وعيونكم هو نفس الغضب اللي في قلبي وفي قلب كل الشعب الفلسطيني وهو أكبر من غضبكم... (16) قتيلًا و122 جريحًا هذا رقم قليل مقابل الأعداد اللي قتلوا بسببكم.. وإذا أنتم بتقولوا ما عندي قلب وإحساس، فمن إذن عنده قلب أنتم؟ إذا بتحكوا ما عندي قلب ولا إحساس، وين كان قلبكم عندما قتل الأطفال والنساء في جنين ورفح ورام الله، وين القلب وين الإحساس؟... وإذا عقابي جهنم مثل ما تقول أيها المدعي.. لن نلتقي هناك، أنا سأنظر إليكم وأنتم في جهنم بأفعالي التي عشتموها ولمستموها في حياتكم، أفعالي التي حرقت قلوبكم، وذهبت بكم إلى الجحيم.. إن (16) قتيلًا هو عدد قليل مقارنة بالعدد الكبير ممن قتلتموهم... وسأشاهدكم وأنتم في جهنم، إن شاء الله إن الابتسامة المرسومة على وجهي لن تزول».

هذه حكاية «أحلام القسامية»، وليت الأرحام في مدائننا التي تغفو من خدر العصر الأمريكي أن تلد لنا «أحلامًا» عربية أخرى مثل «أحلام» الفلسطينية.

الرابط المختصر :