; بعدما نالت حكومته الثقة من البرلمان- «أربكان» أول رئيس وزراء إسلامي يحكم تركيا منذ 72 عامًا | مجلة المجتمع

العنوان بعدما نالت حكومته الثقة من البرلمان- «أربكان» أول رئيس وزراء إسلامي يحكم تركيا منذ 72 عامًا

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 47

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 16-يوليو-1996

بحصول حكومته على ثقة مجلس الشعب التركي في جلسة 8 يوليو الجاري، يكون «نجم الدين أربكان» -زعيم حزب الرفاه- أول رئيس وزراء تركي من الاتجاه الإسلامي، وهو ما اعتبره المراقبون حدثًا تاريخيًا.

إذ وافق على الحكومة الائتلافية التي شكلها «أربكان» مع حزب الطريق القويم بزعامة «تانسو تشيللر» -مساعد رئيس الوزراء وزير الخارجية- ٢٧٨ نائبًا وهم كما يلي: ١٥٨ نائبًا من حزب الرفاه، وعدد مقاعده ١٥٩، ولم يحضر «أيدن مندريس» جلسة التصويت لوجوده في الولايات المتحدة للعلاج، والذي كان قد طالب بالمشاركة عبر القمر الصناعي إلا أن طلبه رفض، ومن نواب حزب الطريق القويم الـ ١٢٧ صوت لصالح الحكومة ۱۱۳ فقط، كما دعم حزب الوحدة الكبير: «إسلامي – قومي» بأصوات نوابه السبع حكومة «أربكان» كرها، على حد قول محسن يازجي أوغلي الذي برر تأييده بأنه لا يريد أن يقال عنه أنه كان العقبة الرئيسية أمام وصول الإسلاميين إلى الحكم.

بينما كان عدد أصوات الرافضين ٢٦٥ نائبًا منها ۱۲۹ نواب الوطن الأم ٧٥ اليسار الديمقراطي، ٤٩ الشعب الجمهوري، نائب حزب تركيا الكبير، نائب مستقل ۱۰ نواب من حزب الطريق القويم هم: «عصمت سيز جن» رئيس مجلس الشعب السابق، «جاويد تشاغلار»، وزير الدولة السابق، «كوكسال طوبطان» وزير التعليم السابق «محمد کوشمبان» وزير المواصلات السابق، علاوة على «محمد بافالي جانجي جورون»، «رفعت سردار أوغلي»، «رفاء الدين شاهين»، وسيتم فصلهم من الحزب.

ولم يشارك في الجلسة ٤ نواب جميعهم من الطريق القويم هم: «دوغان جوريش» -رئيس الأركان السابق، «خيري قوزاقجي أوغلي» والي إسطنبول السابق، «تكين أنرم دمير بربر أوغلي»، بينما امتنع النائب اليهودي «چيفي كميحي» -وهو من الطريق القويم- عن التصويت.

كما بقي خارج قاعة التصويت لحين تأكدهم من فوز الحكومة كل من «عبد القادر اقصوى» -وزير الدولة السابق- «وعلى جوشكن»، «وكوركوت أوزال»، وهم من النواب الإسلاميين بالوطن الأم إذ دخلوا بعد ذلك صوتوا وفقًا لقرار حزبهم بالرفض، وذلك وسط معلومات تشير إلى أنهم كانوا سيصوتون لصالح حكومة «أربكان» إذا كانت في حاجة إلى أصواتهم حتى لا يتحملوا المسئولية التاريخية بإضاعة الفرصة على حزب الرفاه الإسلامي ليحكم تركيا، وهناك اتجاه حاليا داخل حزب الوطن الأم لإجراء تحقيقات حزبية مع النواب الثلاثة لعدم حضورهم الجلسة إلا في اللحظات الأخيرة ومتابعتها عبر الشاشات الداخلية، إلا أنه من المتوقع عدم اتخاذ إجراءات ضدهم حاليا خاصة وأن المؤتمر العام للحزب سيعقد الشهر المقبل...

المكاسب الداخلية والخارجية:

والآن وبعد حصول حكومة «أربكان» على ثقة المجلس ما هي المكاسب التي حققها حزب الرفاه داخليًا، وما هي انعكاسات تشكيل «أربكان» لحكومته خارجيًا؟

أولا: سيتمكن «أربكان» من ضخ عناصر حزبه في جميع هيئات الدولة وكذلك الإمساك بكافة المفاصل الهامة، علاوة على وضع البنية التحتية الإسلامية داخل كافة الوزارات والهيئات والإدارات وتقدر تلك الوظائف بحوالي المليون وظيفة، ستنعكس مستقبلًا على الرفاه، فمن خلالها سيتم تفريغ التكنوقراط اللازم لإدارة الدولة، علاوة على إبداء حسن الأداء الذي تتميز به عناصر الرفاه، وهو ما اعترف به حتى أعداء الحزب في تجربة البلديات، ودفعت الرئيس التركي «سليمان دميريل» إلى إعلان تأييده ودعمه لرئيس بلديتي إسطنبول وأنقرة، وهو ما سينعكس بالإيجاب على تنامي شعبية حزب الرفاه.

* فوز «أربكان» برئاسة الحكومة سوف يتيح الفرصة لتعيين مليون شخص من أنصار الرفاه في كافة المرافق والمؤسسات الرسمية للدولة

* رئاسة «أربكان» للحكومة سوف ينعكس إيجابيا على علاقات تركيا بالعالمين العربي والإسلامي

إضعاف اليمين:

إضعاف حزبي يمين الوسط (الطريق القويم والوطن الأم) وعرقلة عملية توحيدهما التي يقودها رجال الأعمال وبعض أقطاب الجيش والساسة بهدف إيجاد منافس قوي لحزب الرفاه.. إذ وفقا لنتائج الانتخابات فإن أصوات كلا حزبي يمين الوسط تصل إلى ٤٠% وحتى إذا ارتفع الرفاه إلى ٢٠% فإن يمين الوسط لن يقل عن ٣٥% فتحالف الطريق مع الرفاه أدى إلى نزف الأول الكثير من النواب فبعد أن كان عدد نوابه ١٣٥ عشية الانتخابات البرلمانية ديسمبر الماضي انخفض إلى ۱۱۷ نائبًا بسبب استقالة النواب الرافضين للتحالف مع الرفاه، بل إن الرافضين العشرة في التصويت سينضمون إلى حزب تركيا الكبير، كما سيخرج نواب آخرين من الوطن إليه ليزداد الصراع بين أحزاب اليمين.

عصيان ضد يلماظ:

بل إن حزب الوطن الأم يعاني حاليًا من حالة عصيان يقودها «أكرم باكر میرلي» ضد «مسعود يلماظ» الذي تضاءلت شعبية الحزب تحت قيادته وفقد السلطة مرتين بسبب سياسته الطائشة. 

ويشير «جونش تنر» نائب إسطنبول عن الوطن أن حزبهم سيواجه حالة اضطراب بعد حصول حكومة «أربكان» على الثقة.

ومن المتوقع في حالة حصول مواجهات داخلية بين أجنحة الحزب أن يستقيل 5 نواب من الإسلاميين على الأقل للانضمام إلى حزب الرفاه خاصة بعدما استقال «مصطفى بيرام» قبل يومين من التصويت بالثقة، وانضم إلى الرفاه معلنًا أن سبب ذلك يرجع لإعجابه بنضال حزب الرفاه، وليس من أجل تحقيق مكاسب أخرى وهو ليس من الإسلاميين.

وفي حالة تحقيق السيناريو المتوقع داخل وطن الأم فإنه سيخرج منه ١٥ نائبًا على الأقل 5 منهم للرفاه ليرتفع مقاعده الـ ١٦٤ و١٠ إلى تركيا الكبير ليصبح عدده المتوقع ٢١ نائبًا، ويمكن أن يخرج نائب الوحدة الكبير الذي آثر البقاء في الوطن عقب الانتخابات ليعود إلى حزبه فترتفع مقاعده إلى 8 مقاعد.

سحب أصوات اليسار:

ومع استمرار حالة التمزق في يسار الوسط واليسار الديمقراطي والشعب الجمهوري، فإن وجود الرفاه في السلطة وتقديم خدماته للطبقة العاملة التي تعتبر الخزان التصويتي لهما، سيمكنه من سحب القطاع الأكبر من تلك الطبقة، ولن يبقى للحزبين سوى الكتلة العلوية وهي التي يسعى الرفاه إليها أيضًا لاستقطابها مثلما نجح في استقطاب المسيحيين.

الضباط ينضمون للرفاه:

والمكسب الأهم هو إبطال مفعول قنبلة التخويف بالجيش والذي سيرأس «أربكان» مجلس شوراه العسكري الشهر المقبل، إذ إن عدم اعتراض الجيش وقبوله برئيس وزراء إسلامي تعهد بعدم المساس بمبادئ الجمهورية التركية وأسسها العلمانية الأتاتوركية يعتبر مكسبًا هامًا خاصة وأن عملية انضمام الضباط المتقاعدين إلى حزب الرفاه كان آخرها الشهر الجاري، إذ انضم للرفاه كل من الجنرال الجوي المتقاعد «مصطفى بورهان» «والعمداء صلاح الدين باشاكايا»، «وفؤاد أوجامجي» «وخير الدين هيبابا»، علاوة على 3 نواب سابقين أحدهم وزير سابق (من الوطن الأم إلى الرفاه).

نقطة الضعف والقوة:

أما نقطة الضعف الوحيدة فهي ملفات التحقيق مع «تشيللر»، فإذا كان إغلاقها سيضر بمصداقية حزب الرفاه، فإن تجميدها مؤقتًا سيفيده في تحقيق وعوده وتنفيذ سياسته، وهو الأمر المتوقع إذ إن شوكت كاران وزير العدل من جناح الرفاه أدلى بشهادته في لجنة التحقيق المشكلة من ١٥ نائبًا من مجلس الشعب للتحقيق مع «تشيللر»، ولم يغير كلمة واحدة وتمسك باتهاماته كما لم يسحب الدعوى القضائية ضد «تشيللر» والتي اتهمته فيها بعدم الشرف بعد أن كشف أسرار إنفاقها من البند السري.

وبذلك يمكن أن ينجح حزب الرفاه في تحويل نقطة ضعفه إلى نقطة قوة.

ويعتقد «رجب الطيب أردوغان» -رئيس بلدية إسطنبول عضو الرفاه- أن الخيّال الماهر هو القادر على ترويض الخيل، في إيماءة إلى قدرتهم على تلجيم «تشيللر». 

وهو ما يميل إليه «عبد الله جول» -وزير الدولة المتحدث الرسمي باسم الحكومة- الذي يرى أن حزبه سيكون مثل جهاز المحاسبات دورة حماية المال العام ومصالح الشعب، وبالتالي فإن المشاركة إيجابية سواء كانت بهدف تقديم الخدمة للجماهير أو القدوة أو حماية الشعب.

الانعكاسات الخارجية:

أما انعكاسات حكومة «أربكان» الخارجية فستكون إيجابية على العالم العربي والإسلامي خاصة في مجال تقوية العلاقات، ف«أربكان» يريد تركيا القوية بإطارها الإقليمي والإسلامي لذلك، فالعلاقات مع إيران والعراق وسورية ستتحسن وإن كانت مع مصر مرشحة للتوتر من جانب القاهرة التي تخشى تجربة الرفاه نسخة الإخوان التركية على التجربة المصرية، خاصة وأن الرفاه من أهل السنة والجماعة وليس من الشيعة مثل إيران.

كما أن وصول الرفاه سيقوي الجانب العربي في مفاوضاته مع إسرائيل وسيكون عامل ردع معنوي لفوز نتنياهو برئاسة الوزراء في إسرائيل. فالتوازن مطلوب في تلك الحالة، وهو ما سيقوي الموقف التفاوضي للعرب.

بل على الصعيد الأوروبي فإنه من المتوقع تسريع عملية إدخال تركيا في الوحدة الأوروبية وتنفيذ اتفاقية الوحدة الجمركية التي دخلتها تركيا منذ بداية العام كرشوة انتخابية لتفوز «تشيللر» إلا أن المساعدات المقررة لم تقدم حتى الآن لتركيا بسبب الفيتو اليوناني، فإذا لم تقم أوروبا بتنفيذ التزاماتها فإنها ستضعف موقف «تشيللر» كما ستعطي الفرصة لـ «أربكان» الخروج من الوحدة الجمركية، خاصة وأن البروتوكول الحكومي نص على ألا تكون تلك الوحدة ضد مصالح الشعب والدولة في تركيا.

وفي حالة حدوث ذلك سيكون مفيدًا من الناحية الإستراتيجية لتركيا فإنها في الوقت الذي ستقوي علاقاتها مع العالم الإسلامي ستتعامل بندية مع العالم الغربي مما سيحقق لها مكاسب شتى.

المتضررون:

وتبقى ٣ دول متضررة من وصول الرفاه هي: روسيا التي تخشى من تنامي الحركة الانفصالية داخل الجمهوريات الإسلامية، وكذلك أرمينيا التي تريد فتح الحدود مع تركيا وهو ما سيربطه «أربكان» بالانسحاب من أراضي أذربيجان وحل مشكلة قره باغ بالإضافة إلى اليونان التي لن تتطاول كثيرًا على تركيا خاصة وأنها لا تنسى أن «أربكان» صاحب قرار توقيع التدخل العسكري التركي في قبرص عندما كان مساعدًا لرئيس الوزراء ورئيس وزراء بالنيابة، ولولا عودة رئيس الوزراء «بولنت أجاويد» لكان الجيش التركي قد سيطر على جزيرة قبرص.

وبالتالي فإن وصول «أربكان» إلى السلطة سيفيد الشعب التركي داخليًا ويحقق مكاسب خارجية لتركيا، ولذلك فإن أمر سحب الثقة من الحكومة أو اعتراض الجيش عليها لا تعدو أن تكون أمنيات العلمانيين في تركيا وخارجها.

الرابط المختصر :