; »أسماء الله الحسني« في تجربة إبداعية رائدة للفن الإسلامي المتكامل | مجلة المجتمع

العنوان »أسماء الله الحسني« في تجربة إبداعية رائدة للفن الإسلامي المتكامل

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2013

مشاهدات 71

نشر في العدد 2061

نشر في الصفحة 42

السبت 13-يوليو-2013

التجربة الأولى في تاريخ الفن الإسلامي على مدى تاريخه الطويل أن يقوم فنان أو فنانة باستبصار أسماء الله الحسنى في عمل فني تشكيلي مع ما يكتنف هذه المحاولة من مغامرة ومخاطرة على المستويين الفني والشرعي.

الشاعرة الفنانة نيار راشد قامت برسم لوحات الديوان باقتدار ومعايشة واستشفاف نابع من إشعاعات وفيوضات كل اسم من أسماء الله الحسنى فجاءت الرسوم شعرًا ملونًا بالفرشاة

اجتمعت للأديب الناقد الشاعر د. جابر قميحة يرحمه الله تعالى (12 أبريل 1934 - 24 ذو الحجة 1433 هـ / 9 نوفمبر 2012م) ثلاثية ماتعة من الرافعي، وسيد قطب والقرضاوي.

 أما أولها: فله من الرافعي سيولة العبارة، وعمق التوليد، ورقة اللفظ، ودقة الأداء.. وتطريز ذلك كله بجمال إنساني الشاعر فريد .

وأما ثانيها: فله من سيد قطب تحليق الفكرة، واستراتيجية التصور، وتجذير المعتقد، ورسوخ المبادئ.. وري ذلك كله بماء الشهادة. وأما ثالثها: فله من القرضاوي صحة الموقف، ومرجعية التناول، وأصالة الشرعية، ووضوح الشرعة.. والاستعانة على ذلك كله بنور الوحي، وهداية الوعي، وإخلاص السعي. 

أما عن د. جابر نفسه، فهو الذات المُنشّأ على الجسارة والإقدام والمفطور على الدعوة والثقافة والتواصل والتكامل الحي البنّاء، فهو حركة دائبة، وشغل دائم أينما حل أو رحل.

صدر له أحد عشر ديوانًا ضمن »مجموعة الأعمال الشعرية والمسرحية« التي صدرت مؤخرًا عن مركز الإعلام العربي في ثلاثة مجلدات، بتقديم ورعاية الداعية الإسلامي الكبير المستشار عبد الله العقيل، المفكر الإسلامي الدائب على القيام بإنجاز مثل هذه المشروعات الفكرية والدعوية الضخمة، والتي أنجز منها مشروعات وليد الأعظمي وغيرها من المشروعات التي قدمها عدول هذه الأمة من قادة الفكر والحركة والدعوة والجهاد الذين تشكلت بعطاءاتهم قسمات الوجه الإسلامي الحضاري المعاصر، في مشوار الثقة والثبات، والإقلاع وعودة الذات.

ود. جابر قميحة واحد من المعدودين من أصحاب الأقلام الرسالية المشروعة بقوة وجدارة وعافية، في وجه الأعداء وعيونهم، وعلى أنوفهم إن أبوا. 

وهو يمثل، إلى جوار إخوانه من مفكري كتيبة الحق، سياجًا حاميًا للفكرة الإسلامية وهم خير مبشر بأصالتها ومشروعيتها، ومن ثم فهم السابقون السباقون في حمل نورها للعالمين. 

وعلى هذا السبيل، أثمر قلمه أكثر من أربعين مؤلفًا علميًا، وعشرات الأبحاث ومئات المقالات التي كانت -وما زالت- تحمل نكهة خاصة من حيث العمق والقوة والسخرية والطرافة، وليته يجمع هذه المقالات في مجلدات خاصة، حيث تمثل مشهدًا أساسيًا من أهم مشاهد الصحافة الأدبية الإسلامية السياسية المعاصرة التي كان د. قميحة يمتع الساحة والقراء فيها بمزيج من أقلام الرافعي، وسيد قطب، مع مصفوفة د. عمارة، وفهمي هويدي، وحلمي القاعود، والبشري، وعماد الدين خليل، ومن حاذى صفهم، أو لف لفهم.

 ولعل أمتع وأروع ما في هذه الأعمال الشعرية والمسرحية الكاملة ذلك العمل الشديد التميز »حول أسماء الله الحسنى» وهو عبارة عن تعليقات شعرية على لوحات رسمتها الفنانة الشاعرة المسلمة نيار إحسان راشد Neyyar Ihsan Rashed وترجمها شعرًا من الإنجليزية إلى العربية الشاعر د. جابر قميحة.

 التجربة الأولى 

ولعلها التجربة الأولى في تاريخ الفن الإسلامي على مدى تاريخه الطويل، أن يقوم فنان أو فنانة باستكناه، واستبصار أسماء الله الحسنى في عمل فني تشكيلي مع ما يكتنف هذه المحاولة من مغامرة ومخاطرة على المستويين الفني والشرعي ولكن الأخت الشاعرة الفنانة نيار راشد قد أبحرت فأحسنت السباحة، وأبدعت فأحسنت السبك والحبك، وخاض شاعرنا د. جابر نفس التجربة المركبة، فترجم وأبدع، وصاغ تجربة فنية مكتملة، من حيث النور والظل والمضمون والشكل وليكمل الصورة الفنية التي أبدعتها الفنانة المسلمة نيار، ولينجزا معًا هذه المهمة الشاقة جدًا باقتدار، لاسيما وهذا العمل لم يسبق من قبل على هذه الصورة، ولا تلك الشاكلة في الرسم والتكوين والإيقاع التوحيدي الصحيح لرسالة الأدب والفن الإسلامي الرفيع. وقد مرت هذه التجربة الفريدة بأربعة مستويات تعبيرية وتصويرية في رحلة التشكل الفني الجميل الناطق بصدق على نجاح الفنانة الشاعرة نيار، والشاعر الفنان د. جابر قميحة، في نقل حقائق الخلود إلى عالم الوجود .

 وهذه المستويات الأربعة هي: «الترجمة النثرية من الإنجليزية إلى العربية، المعايشة الفنية للوحات الفنية التجريدية المصاحبة للكلمات، رحلة الإبداع الفني الموازي الإبداع، والتنوع الشكلي والتشكيلي للقصائد الشعرية«.

 وقد كان د. جابر قميحة يخوض هذه التجربة الفريدة على أكثر من محك؛ للاستنفار والتحدي والمنافسة، منها: كثرة التراث الشعري في هذا الضرب الإبداعي الخاص بأسماء الله الحسنى قديمًا وحديثًا، فقد نظمها كواكب ومواكب من الشعراء الإسلاميين والعارفين بالله تعالى والفلاسفة والمفكرين من شعراء الإسلام، من أمثال سيدي أحمد الدردير ومحمد بن الخطيب، والشيخ حسين بن علي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ود. عبد الغفار هلال، ومحمد الشهاوي، وعبد السلام أمين وآخرون.. كما نظمها شعراء إسلاميون في المشارق والمغارب؛ في فارس وتركيا والهند والمغرب العربي، وكانت - وما زالت - مصدر استمداد، ومنبع إلهام، ووسيلة قرب يتعلق بها العارفون والعابدون من باب قوله تعالى : ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:180). 

والديوان الفريد الذي نعرض له حول أسماء الله الحسنى قد صدرت طبعته الإنجليزية عن معهد البحوث الإسلامية التابع للجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد بدولة الباكستان، حيث كان د. جابر قميحة يعمل بها من عام 1984 إلى عام 1989م، وقد أهدت الشاعرة الرقيقة نيار هذا الديوان إلى حفيدتها زينب المولودة عام2002، كما قامت هذه الشاعرة الفنانة برسم لوحات الديوان باقتدار ومعايشة واستشفاف نابع من إشعاعات وفيوضات كل اسم من أسماء الله الحسنى، فجاءت الرسوم هي الأخرى شعرًا ملونًا بالفرشاة تتماهى فيه الخطوط المستقيمة الدقيقة والموجات المنداحة المترامية، والنباتات والأوراق والأزهار والأكمام في تداخل إبداعي عجيب ونافذ وفواح.

 أضواء وظلال

 كما جاءت الظلال والأضواء في رسوم الديوان استكمالاً لمعنى التكثيف والتخفيف الإشعاعي للرسالة والظلمات والنور في التشكيل الفني المتعدد المستويات والمعبر عن مدلولات العين والقلب والروح على لوحة المعنى المتوحد لكل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى والتعبير الخطي واللوني عن إيقاع هذه الأسماء على الحس، لتشكيل الحقائق الجميلة المؤثرة التي تمشي على الأرض وتحلق في السماء، مع آيات الجمال والجلال.

 فمثلًا مع اللوحة التي جمعت بين الخطوط والانسيابات القريبة من ريش الأجنحة، والتداخلات المشكلة للقلب الدفاق يتوحد الشاعر الكبير د. جابر قميحة مع هذه المعاني المرسومة والمكتوبة، فيقول حول اسم الله تعالى «الفتاح»:

 هي العقدة الكبرى استبدت بداخلي

                                                      فحلت، وأدركت الذي كنت أجهل

 وحل سكون في ضميري ومهجتي 

                                                      محل اضطراب من نخاعي ينهل

 وفتحت الأبواب -بشراي- إذ أرى

                                                     بوعي جديد فوق ما كنت أعقل

                                                     ***                 

كأني فيها برعم قد تفتحت 

                                               جوانبه للنور غير مقيد 

إلى جوهري المكنون أرنو بلهفة

                                             وأمضي لرحب بالطهارة أمجد 

تحررت من قيدي وعشت سكينتي 

                                               لأبني غير اللانهاية معبدي

وما غيره فتاح كل مغلق

                                               وما غيره حلال كل معقد 

وما غيره يدري مصادر محنتي

                                                على نوره الوضاء أسعى وأهتدي

  وتنوعت أشكال القصائد ما بين »الشعر التفعيلي»، كما في أسماء الله الحسنى »القادر المقتدر، المقدم، المؤخر»، أو أسمائه الحسنى »الواسع الحكيم الودود المجيد«، و«الشعر العمودي الخليلي»، كما في أسماء الله تعالى الحسنى «الرحمن الرحيم القدوس السلام المؤمن المهيمن العظيم، الغفور، الصبور«.

كما تضمنت شعر المقاطع من الثنائيات والثلاثيات والرباعيات، وفي كل هذه الأشكال الشعرية نرى ماء الشعر الصادق يسري في عروق القصائد، باعثًا فيها حياة ونورًا ورواء، في صورة فريدة للتكامل الفني ما بين «الرسم، اللون، التآخي اللغوي الصورة واللوح الشعر«

 ومن لوحة «المعز»، يقول د. قميحة:

 يا مالك الملك المديد بلا حدود 

يا صاحب العرش المجيد 

الملك تؤتي من تشاء

 والملك تحرم من تشاء

 يا رافع النبلاء بالتقوى

 على كل العباد

بكرامة وبعزة ومهابة 

في كل ناد

 والأخسرون إذا ارتقوا 

إلى هام السحاب

 فسيسقطون لهوة 

فيها المهابة والعذاب

 طوبى لمن رزقوا البصيرة والصفاء

 إذ يشهدون الله في آياته

 دون امتراء وافتراء

 فالحمد لله المعز على الدوام

 رب العطايا والسلام 

ومع اسم الله »العليم» يتآخى الرسم والشعر، حتى يقول د. جابر قميحة:

 يا عالم خائنة الأعين

                               يا عالم ما خم الصدر 

وسواء في علمك دومًا

                                ما ضم البر أو البحر

 ودبيب النملة تعلمه

                                        والسر لديك هو الجهر

من غير الله له الرجعي

                                   وله العتبى وله الأمر؟

  تحيات طيبات للأقلام التي خطت الصورة واللوحة، ورسمت المعنى والقصيدة، واستعلت في إبداعها حتى قدمت هذه الصورة غير المسبوقة في تاريخنا الفني قديمًا وحديثًا، وجزى الله خيرًا الفنانة المسلمة نيار إحسان راشد، والفنان المبدع الشاعر الكبير د. جابر قميحة يرحمه الله تعالى اللذين أبدعًا وأمتعا وأشبعا، وأضافا إلى مكتبة الفن الإسلامية هذه التجربة المكتملة الرائدة ..

 

 

الرابط المختصر :