العنوان ِِالتجديدُ الإسلاميِّ والمفهومُ الخاطئ
الكاتب محمد مسعد ياقوت
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1677
نشر في الصفحة 56
السبت 19-نوفمبر-2005
■ كثيرونَ يظنونَ أنَّ التجديد يكون بنسخِ كلِّ شكلٍ يُتَعَبَدُ بِهِ اللهُ تعالى
يعتبر مفهوم التجديد من أكثر المفاهيم التي تنازعتها التيارات الثقافية والفكرية المختلفة، ولم يأخذ التجديد. كمصطلح شرعي - حقه من الفهم الصحيح، بل تجاوزت به فئات من الناس عن المراد منه، إلى معان تناقض مطلوب الشرع، وتنقض على ثوابت الدين وحقائقه بالإلغاء أو المحو أو التهوين أو التذويب أو التلاعب!
فكثيرون ارتبط في أذهانهم معنى للتجديد، ليس هو المعنى الذي أطلق عليه، بل هو معنى - حسب فهمهم - لم يقم على أصول العلم الشرعي، فظنوا أن التجديد يكون بالتغيير لكل وجه موجود في العصر، وبالنسخ لكل شكل يتعبد به لله تعالى في أوانهم. وبالتبديل لكل أصل يقوم عليه الدين علمًا وسلوكًا. في زمانهم، ظنًا منهم أن التجديد هو التبديل والنسخ والإلغاء والتغيير بإطلاق، فيخوضون بهذا المفهوم المعكوس الحروب ضد ما ثبت من دين أو تدين ويقودون الحملات الشرسة على كل ما استقر من حال أو شكل لدعوة أو عبادة دون تمييز وتفريق بين ما يجوز فيه ذلك وما يمنع (۱) ... ومن ثّمَّ على علماء هذه الأمة أن يبينوا هذا المفهوم الإسلاميِّ الصميم بضوابطه وأصوله.
لا تجديد في ثوابت الدين
إذن.. فلا تجديد في ثوابت الدين بحال إلا إذا قصد به إزالة الغبار العالق بها، وما أدخل فيها من الشبه، وتعلق بها من الخرافات والخزعبلات.
أما محاولات الجهال ومن تربى على أفكار المتشككين والمستشرقين، وأقام عود قلبه على حب الملحدين، وأصاب عقله ونفسه أمراض التغيير المطلق فمحاولات أولئك ومن اتبعهم التغيير ثوابت الدين، وسعيهم المستميت في صياغتها على وفق ما ترسخ عندهم من ضلالات اليهود وخرافات النصارى التي تربوا عليها في مراحل التبعية وسنيها العجاف: لا يكون تجديدًا أبدًا وإنما هو «تبديد» لثوابت العقيدة الحقة، وجوازم الدين التي لا تقبل التبديل، ولا التغيير، ولا النسخ (٢).
فهذا لا يسمى تجديدًا بل يسمى انحلالًا وتفككًا وذوبانًا وموتًا وانظر إلى جميع الأديان والمذاهب العالمية والأحزاب الكبرى لا يمكنها أن تثبت ذاتيتها وتفرض وجودها وتدعم وسائل بقائها، إلا إذا كان لها دستور واضح ومبادئ محددة وثوابت راسخة وأهداف محترمة (۳).
المطلوب الشرعي
ولن يكون التجديد يوما ما لنصوص. الشرع، من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم. إلا إذا أريد بذلك صياغة أصول النظر فيها وتطوير مسالك الاستنباط لمعانيها، وتسهيل طرائق استخراج الأحكام منها، حتى يقدر كل من حصل قسطًا من أدوات النظر فيها الوصول إلى المطلوب الشرعي أو الاقتراب منه.
أما إذا أريد بتجديد نصوص الشرع من الكتاب والسنة الاستغناء عنها اعتمادًا على العقل وتقديمًا له عليها. فهذا مذهب رفضته جماهير الأمة وعلماؤها ومجددوها من أهل السُنَّةِ من قديم، حين ظهر المعتزلة الذين يبالغون في تقديم العقل على النص. ويطرحون ما أوصل نص الشرع إذا وجد معنى عقلي مقابل، بل ربما ردوا نصوص الشرع في مقابل المعنى العقلي (٤).
كما أن التجديد لا يمكن أن يكون في نصوص الشرع بتقديم المصلحة المجردة عن الأصل المنقطعة عنه بشبهة أن الإسلام يعتني يجلب المصلحة، ودرء المفسدة المقابلة لها (٥) ...
فهذا كله ليس بتجديد مقبول، وليس هو الذي بشر به الشرع الأمة ببعث رجالها من أجله.
التجديد والابتداع
وإن الذي بين التجديد والابتداع، هو ما بين الضدين من تخالف وتضاد وتعاكس الابتداع قطع عن الأصل، والتجديد إعادة للأصل وربط به.
الابتداع اختراع في أصول الدين وفروعه بلا دليل والتجديد إرجاع الأصول الدين وربط لفروعه بالدليل.
الابتداع طمس الحقائق الدين ومعالمه والتجديد إحياء لتلك المعالم بعد طمسها. فأني يجتمعان، وكيف لهما أن يلتقيا؟
فلا يمكن أن يكون تجديد الدين بالابتداع فيه يومًا ما (٦).
----------------------------
الهوامش
(۱) عبد الله الزبير عبد الرحمن التجديد وتجديد التدين بتصرف موقع المشكاة http://www.meshkat.net
(۲) المصدر السابق...
(۳) أنور الجندي شبهات في الفكر الإسلاميِّ ٢٤ بتصرف.
(٤) عبد الله الزبير عبد الرحمن التجديد وتجديد التدين، مصدر سابق.
(٥) هو سليمان بن عبد القوي الطوقي حنبلي في الفقه اشتهر بالرفض والتشيع، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في ذيل طبقات الحنابلة، 2/366، و٣٧٧ وابن العماد في «شذرات الذهب»٦ 6/229.
(6) عبد الله الزبير عبد الرحمن التجديد وتجديد التدين، مصدر سابق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل