العنوان «الدور الغربي المشبوه» في مأساة القارة الإفريقية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1189
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 20-فبراير-1996
موضوع الغلاف
تجارة الرق تمثل عائقاً نفسياً كبيراً أمام نهضة إفريقيا.. اقتصادياً وسياسياً
باريس:
- الكنيسة مهدت عبر البعثات التبشيرية للاستعمار العسكري والثقافي في إفريقيا.
- تعمدت بريطانيا إغلاق جنوب السودان ومنعت أي اتصال بين شمال البلاد وجنوبها.. ولم تنسحب إلا وقد اشتعلت النيران بين الشمال ذي الأغلبية المسلمة والجنوب ذي الأغلبية الوثنية.
- منطق الدولة هو السائد في معالجة الملف الإسلامي من طرف الإدارة الفرنسية.
منذ انتهاء الحرب الباردة وانشغال أوروبا الغربية بأوروبا الشرقية برزت إلى السطح الإفريقي الخلافات السياسية والنعرات العرقية التي ساهمت في تأجيجها العديد من القوى الخارجية خلال الصراع بين القطبين الأمريكي والروسي، وفي الوقت الذي تسعى فيه شعوب القارة الإفريقية إلى الانعتاق من التبعية وتقرير مصيرها بنفسها، تعود القوى الخارجية للهيمنة على التطورات السياسية والاقتصادية في القارة السمراء، وتحديد مسارها ومستقبلها في ظل منافسة قوية بين فرنسا التي تعتبر هذه القارة مجالها الحيوي، والقوى الأنجلو- ساكسونية بالخصوص.
ومن القراءة التاريخية يتبين أن الشعوب الإفريقية تعاني منذ عهود خلت مأساة عميقة التدخلات الأجنبية في شؤونها، ولعل تجارة الرق والاستعمار هما من أكثر أشكال التدخل فظاعة لاقترانهما بالاستغلال الفاحش للثروات البشرية والطبيعية.
فالبنسبة لتجارة الرقيق فقد أقيم ما يسمى بـ«الرحلة المثلثة» بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا التي تم خلالها القبض على مئات الآلاف من الأفارقة السود ونقلهم بالقوة إلى أمريكا وأوروبا كأيادٍ عاملة زهيدة في ظروف جد قاسية، وفي عام ۱۷۸۰م تقريبًا، بلغ عدد السود الأفارقة الذين اتخذوا كعبيد ٨٥ ألف إفريقي سنويًا، ويصل هذا الرقم إلى ۱۰۰ ألف في بعض السنوات، وقد لعب كل من الأسطول البحري الفرنسي والبريطاني دوراً كبيراً في هذه التجارة للبشر حتى اشتهرت بذلك الموانئ الفرنسية مثل نانت وبوردو، والموانئ الإنجليزية مثل: ليفربول وبرستول.
وتشير الإحصائيات إلى وفاة ٢٠% من السود في الرحلات البحرية، ومما يدل على فظاعة هذه التجارة أن بعض المثقفين الأوروبيين شغلتهم هذه الظاهرة وطالبوا بإيقافها، وقد سعت اتفاقية فيينا إلى مبدأ إنهاء تجارة السود.
بيد أن الآثار السلبية والخطيرة لهذه التجارة لا تزال قائمة إلى اليوم، فقد تم اجتثاث هؤلاء الأفارقة من أراضيهم وأوطانهم وثقافتهم ودخلوا في دوامة ثقافية، ونمط عيش مناقض الشيء الذي مسخ هويتهم وتركهم عرضة لكل انتهاكات على أيدي البيض، الذين سلكوا سياسة عنصرية انطلاقًا من النظرية التي تقول بتفوق الرجل الأبيض، ولعل المظاهرة الضخمة التي قام بها أكثر من مليون أسود في الولايات المتحدة والشعارات التي نادت بها دليل على عمق المأساة الناجمة عن الجريمة التاريخية.
بل إن آثار هذه التجارة انعكست بشكل أخطر على مسار الشعوب الإفريقية، فقد رسخت في ذهن الأوروبي- ومن وراء ذلك بقية العالم- صورة الإفريقي المستضعف، وهذه النظرية الدونية والاحتقارية في بعض الحالات مثلث عائقاً كبيراً، وحاجزاً نفسيًا بالغاً أمام النهضة الاقتصادية والسياسية للقارة الإفريقية على عكس شعوب جنوب آسيا الشرقية التي تجاوزت الصعوبات (حروب.. واستعمار)، وتحولت بعض البلدان الآسيوية إلى قوى منافسة لأكبر الدول الصناعية الأوروبية والغربية.
الدور الكنسي
وهناك مُعطَى هام زاد في عمق المأساة الإفريقية، فقد عمدت الكنيسة في أوروبا إلى استغلال العامل النفسي والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية للإنسان الإفريقي من أجل توظيفها في ثلاثة اتجاهات: التبشير بالمسيحية، ومحاصرة الانتشار الإسلامي، والتمهيد للاستعمار العسكري والاقتصادي والثقافي، فقد سمح البابا نيقولا الخامس يوم 8/1/١٤٥٤م لملك البرتغال بالقيام بتجارة العبيد السود من أجل تنصيرهم وبحجة تحريرهم من الديانات الخاطئة مثل «الإسلام والفاندو»، وإنقاذ أرواحهم (لويس سلامولان: القانون الأسود ص ۹۰ باريس)، ومعلوم أن الإسلام دخل القارة الإفريقية منذ القرن السابع، حيث أقام المسلمون العديد من المراكز التجارية، خاصة على السواحل الشرقية الإفريقية بالإضافة إلى الفتوحات التي حررت نسبة من شعوب القارة من الشرك والوثنية.
واليوم تشير الإحصائيات إلى أن معدل ٧٥% من هؤلاء من المسلمين و20% من الوثنيين، و15% من المسيحيين.
وقد ساهمت الكنيسة عبر الإرساليات التبشيرية في تشجيع اكتشاف أدغال إفريقيا والتعرف على المسالك النهرية والبرية، وتمكن الأوروبيون من فهم الواقع الإفريقي من الداخل من أجل السيطرة على مساره وعلى نفسية الشعوب الإفريقية ولم يقتصر التسرب المسيحي على الشعوب الوثنية، بل تجاوز ذلك إلى المناطق التي فتحها العرب والمسلمون، وكمثال على ذلك عقد المؤتمر الإفخارستي في تونس وبالتحديد في قرطاج من أجل مسخ الهوية الإسلامية لمنطقة المغرب العربي.
الاستعمار وحضارة الرجل الأبيض
ونتيجة لهذا التحرك التبشيري تم تطويق الفضاء الإسلامي بحزام تنصيري جنوبي «جنوب الصحراء» واتُّخذت إثيوبيا (الحبشة سابقًا) مركزاً للاتصال بالشعوب الوثنية من أجل منع وصول الدعوة الإسلامية إليها، وهكذا تكون الكنيسة قد مهدت الطريق للاستعمار العسكري الأوروبي لإفريقيا، وتعتبر فرنسا القوة الاستعمارية التي افتتحت هذه السياسة منذ عام ۱۸۳۰م باحتلال الجزائر التي كانت تحت رعاية الخليفة العثماني، ويُذكر أن السلطات الفرنسية استغلت حادثة بسيطة «يقال إن الداي حسين الذي يمثل الخلافة في الجزائر قد ضرب القنصل الفرنسي دوفال ضربة خفيفة بسبب مسألة دبلوماسية»، من أجل الدخول في سياسة استعمارية طويلة المدى.
وتجدر الملاحظة أن الجزائر كانت نقطة الانطلاق لفرض الاستعمار الفرنسي على منطقة المغرب العربي وجنوب الصحراء، وهي مناطق ذات كثافة سكانية، وذات انتماء إسلامي في معظمها.
ويمكن القول إن الصراع الذي نشب عام ۱۸۳۲ م بين المستعمرين الفرنسيين الذين يمثلون فرنسا «البنت الكبرى للكنيسة» من جهة، وبين الأمير عبد القادر الجزائري الإسلامي من جهة أخرى دليل على أهمية البعد الديني والثقافي للسياسة الاستعمارية.
فبالإضافة إلى المصالح السياسية والاقتصادية التي حققتها هذه السياسة لفائدة المستعمر فإنها طرحت الإشكال الجوهري المتعلق بالهوية.
فالخيط الرابط بين التبشير المسيحي والاستعمار الأوروبي هو فرض نمط من التفكير والسلوك الغربي المسيحي باسم «إدخال الشعوب المتخلفة في حضارة الرجل الأبيض»، وقد جاء مؤتمر برلين عام ١٨٨٥م ليكرس هذا التوجه، حيث اتفقت القوى الاستعمارية خلال هذا المؤتمر على تقسيم القارة الإفريقية حسب القواعد التالية: احتلال عملي للسواحل وعقد اتفاقات مع الزعماء «القبائل والعشائر والطوائف» في الأراضي الداخلية، بحيث جاء عام ١٩٠٠م وقد سقطت كل إفريقيا في أيدي المستعمرين عدا المغرب وإثيوبيا اللذين كانا مستقلين في ذلك الوقت.
والملاحظ أن السياسة التوسعية لكل من فرنسا وبريطانيا هي العنصر البارز في هذه المرحلة التاريخية وكل طرف كان حريصاً على منافسة الطرف الآخر، ولكن هذه السياسة تصب في مصب واحد: خدمة المصالح الاستعمارية، وكسر شوكة المقاومة الإسلامية والتشجيع على التنصير.
سياسة: فرق تسد
ومن الأمثلة البارزة أن بريطانيا لعبت دوراً كبيراً في تحطيم الدولة المهدية التي قامت في السودان على إثر الثورة المهدية ضد تجاوزات سياسة الخديوي في مصر الذي يتصرف باسم الخلافة العثمانية، وبعد إقامة الحكم الثنائي المصري والبريطاني، عمدت بريطانيا إلى قفل المناطق الجنوبية للسودان، ومنعت كل اتصال بين شمال البلاد وجنوبها، وشجعت المبشرين على تنصير أهالي الجنوب، ولم ينسحب الاستعمار البريطاني إلا وقد اشتعلت النار بين الشمال ذي الأغلبية المسلمة والجنوب ذي الأغلبية الوثنية الذي تحركه نخبة متأثرة بالحملات التبشيرية، ومنذ ١٩٥٥م لم ينطفئ فتيل الحرب في السوان (عدا فترة اتفاقية أديس أبابا ۱۹۷۲ – ۱۹۸۳ في عهد النميري)، وتحول الوضع في الجنوب إلى معضلة لكل الحكومات المتعاقبة، وكلما حاولت هذه الأخيرة تطبيق الشريعة الإسلامية أو كانت ذات نَفَس إسلامي تحركت الآلة السياسية والأيديولوجية الغربية للتخويف من خطر أسلمة الشعوب الإفريقية، أما الطرف الفرنسي فله تاريخ حافل مع كل أصناف المقاومة الوطنية من أجل التحرر من الاستعمار الأجنبي، وقد اتجهت السياسة الفرنسية في المرحلة الانتقالية نحو الاستقلال في اتجاهين: ضرب المقاومة المتجذرة والشعبية وإعداد نخبة سياسية موالية أيديولوجياً لباريس.
ونتيجة لهذه السياسة، دخلت معظم الدول الإفريقية الفرنكفونية بعد استقلالها مرحلة الأحادية السياسية عبر سيطرة الحزب الواحد وهيمنته على الدولة والمجتمع.
ففي شمال إفريقيا، سيطر كل من الحزب الدستوري في تونس وجبهة التحرير الوطني في الجزائر على الحياة السياسية في هذين البلدين.
وفي بلدان الصحراء تولت أنظمة عسكرية ومدنية الحكم بعقلية أحادية، وتجدر الإشارة إلى ظاهرة تولي حكام ينتمون إلى الأقليات المسيحية لزمام السلطة في بلدان ذات أغلبية مسلمة، مثال ذلك السنغال التي حكمها ليوبولد سدار سنغور حتى عام ۱۹۸۰م، وخلفه عبدو ضيوف بعد استقالته، ويعتبر سنغور مع بورقيبة من أكثر الشخصيات الإفريقية تعلقًا بالثقافة الغربية، وهو أبو الفرنكفونية التي يتبناها ويدافع عنها كما يدافع عن الزنجية، وقد شغل بعد تخرجه من الجامعة الفرنسية منصب نائب في البرلمان الفرنسي عام ١٩٥١م وتمت مكافأته على ولائه المتين للثقافة الفرنسية بتعيينه عضواً بالأكاديمية الفرنسية في مايو ۱۹۸۳م، وهو اعتراف بدوره في ترسيخ الفكرة الفرنكفونية في السنغال أولاً وفي إفريقيا عموما، واعتراف أيضًا بوقوفه أمام الهوية الإسلامية للقارة الإفريقية بالترويج للهوية الزنجية، والتي تعني ضمنياً التناقض مع العنصر الإفريقي العربي الأصل.
التصدي للمشروع الإسلامي
وقد امتد التأثير الثقافي الفرنسي إلى جزر جنوب شرقي إفريقيا مثل الموريس، ورينيون وجزر القمر ومدغشقر، وفيها نسبة كبيرة من المسلمين، وتُركّز فرنسا على حضورها في هذه المنطقة الاستراتيجية لمراقبة الممرات البحرية هناك، وتكريس وزنها السياسي والعسكري كعضو دائم في مجلس الأمن، وقد عاشت جزر القمر في السنوات الأخيرة أزمة سياسية بسبب التدخل الخارجي في شؤونها، فبعد أن أمسك مرتزقة فرنسيون بقيادة بوب دينار الحكم بالانقلاب على السلطة الشرعية، قامت قوات فرنسية بالتدخل لخلع بوب دينار وعصابته ولكنها لم ترجع الرئيس جوهر إلى منصبه، بل نفته، وذلك من أجل خطه السياسي الإسلامي؛ الشيء الذي يؤكد أن التدخل العسكري الفرنسي لم يكن لمصلحة الشعب القمري، ولكن لصد المشروع الإسلامي في المنطقة.
وهو الغرض نفسه الذي تتحرك من أجله السلطات الفرنسية في منطقة المغرب العربي، وليس خافياً على أحد الأهمية القصوى التي توليها فرنسا لتطور الوضع في الجزائر وقلقها من تنامي الصحوة الإسلامية في المنطقة.
ويتحدث العديد من المراقبين عن الدور الفرنسي الخفي في الدفع إلى الانقلاب على الانتخابات التشريعية بعد النتائج التي أعطت دفعاً كبيراً للجبهة الإسلامية للإنقاذ. وفي نفس الإطار سعت فرنسا لمحاصرة التجربة الجزائرية عبر تشجيع جيرانها على انتهاج سياسة أمنية ضد الإسلاميين، وتأتي زيارة الرئيس الفرنسي إلى كل من تونس والمغرب في هذا السياق إلى جانب قضايا ثنائية وإقليمية أخرى ويبدو أن منطق الدولة السائد حالياً في معالجة الملف الإسلامي من طرف الإدارة الفرنسية، ومن ذلك أن عدداً من اللاجئين الإسلاميين في فرنسا من أصل مغربي ما زالت وضعيتهم معلقة ولم يحصلوا بعد على بطاقة اللجوء؛ الشيء الذي يؤكد حساسية الطرف الفرنسي لكل ما هو إسلامي في منطقة مجالها الحيوي.
المجال الحيوي
وبالرغم من انشغالها بأوروبا الشرقية لم تتنازل فرنسا عن مجالها الحيوي الإفريقي وتعددت أشكال تدخلها في الشؤون الإفريقية فقد تدخلت عسكريًا في عام ۱۹۹۰م في رواندا «عملية نوروات»، وفي جمهورية إفريقيا الوسطى عام ١٩٩٢م «عملية بيوفورس»، كما شاركت القوات الأمريكية في عملية «عودة الأمل» بالصومال عام ۱۹۹۲م، بالإضافة إلى التدخل العسكري الفرنسي في جزر القمر وللتذكير فإن القوات الفرنسية كانت قد تدخلت في الجابون عام ١٩٦٤م، وفي زائير عام ۱۹۷۸م (أحداث كولويزي)، وفي تشاد خلال ثلاث عمليات (تاكود عام ١٩٧٠م، ومانتا عام ۱۹۷۸م، وإيبارقية عام ١٩٨٦م). ولفرنسا قواعد عسكرية داخل القارة الإفريقية، وفي عرض المنطقة البحرية جنوب شرقي إفريقيا بالإضافة إلى اتفاقيات التعاون العسكري مع بلدان إفريقيا.
ومن مظاهر الاعتناء الفرنسي الخاص بالشؤون الفرنسية عقد القمم الإفريقية- الفرنسية «الأنتيب عام ۱۹۸۷م، والدار البيضاء عام ۱۹۸۸م، ولابول عام ١٩٩٠، وليبروفيل عام ۱۹۹۲م». وتعتبر قمة لابول La Baule الأكثر أهمية باعتبارها ربطت المساعدة الفرنسية للدولة الإفريقية بتوسيع تطبيق المسار الديمقراطي من طرف الأنظمة الإفريقية، وقد أثار هذا الخطاب الفرنسي في عهد ميتران تعاملاً واسعاً لدى هذه الأنظمة، وتبين فيما بعد أن هذا التوجه هو مجرد تكتيك فرنسي لركوب موجة المطالبة بالحريات واحترام حقوق الإنسان التي هبت رياحها على شعوب إفريقيا كما عرفتها شعوب أوروبا الشرقية، فهذه الآمال قد تبخّرت بعد مأساة رواندا، ومساندة فرنسا للقوات المنتمية للإثنية الموتو للرئيس السابق هابيا ريمانا، بالإضافة إلى مساندة الخليفة المعين للرئيس العاجي هو هوفوات بوانيه والتدخل في تشاد وإفريقيا الوسطى والتدخل في الكونغو لفائدة ساسو نغاسو ومساندة زعماء أفارقة ذوي توجهات دكتاتورية مثل إيماديا وپول بيا وموبوتو وغيرهم.
التطويق الصهيوني- الأمريكي
وبالإضافة إلى الدور الفرنسي في إفريقيا فإن التطويق الكنسي للتواجد الإسلامي عبر إقامة حزام جنوب الصحراء قد تضاعف بتطويق ومحاصرة من جانب «إسرائيل»والولايات المتحدة، ومعلوم أن الكيان الصهيوني قد بدأ بإقامة هذا الحزام منذ عهد عبد الناصر وانتشار فكرة القومية العربية الناصرية واليوم تقيم إسرائيل علاقات قوية مع عدة بلدان إفريقية وهي كالتالي: (ليبيريا- ساحل العاج- توجو الكاميرون- الكونغو- زائير- جمهورية إفريقيا الوسطى- كينيا- إثيوبيا- إريتريا- ملاوي- جنوب إفريقيا)، وهي بلدان يقع أغلبها على السواحل الشرقية والغربية للقارة الإفريقية جنوب الصحراء، والجدير بالملاحظة أن إثيوبيا التي كانت قلعة للمسيحية في إفريقيا تتعاون اليوم مع «إسرائيل»، لمحاصرة المد الإسلامي القادم من السودان.
ومنذ استقلال إريتريا، تربط نظام أسياس أفورقي علاقات قوية مع تل أبيب، وهذا الاهتمام الخاص بإريتريا مقصود منه أيضاً مراقبة منطقة استراتيجية كالبحر الأحمر وخليج عدن، وهي منطقة تطل على الخليج، واليمن التي تشهد صحوة إسلامية، بل إن التطويق الصهيوني للعالم الإسلامي في القارة الإفريقية لم يتوقف عند جنوب الصحراء، حيث تكثفت محاولات التطبيع مع الدول العربية الإفريقية في شمال إفريقيا، وخاصة مع مصر وتونس والمغرب.
ويتزامن هذا التسرب الصهيوني في القارة الإفريقية مع اهتمام أمريكي خاص بالشؤون الإفريقية خاصة في إطار النظام الدولي الجديد الذي يكرس الأحادية القطبية الأمريكية، وقد كان التدخل في الصومال تحت اسم «عودة الأمل» صورة للاهتمام الأمريكي بهذه القارة الزاخرة بالثروات الطبيعية والبشرية، ويبدو أن الصحوة الإسلامية التي تشهدها إفريقيا زادت من تنافس القوى الكبرى ومضاعفة حضورها في المناطق الساخنة، وفي هذا السياق يأتي التناقض الأمريكي- الفرنسي على الحضور في منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا عمومًا، بالإضافة إلى العمق الإفريقي الذي يشهد تحركات وتقلبات عديدة ومخاضاً عسيرًا للديمقراطية.
ويأتي الانقلاب العسكري الأخير في النيجر ومحاولة الانقلاب في غينيا ليؤكد، بأن التبعية للنمط الغربي على مستوى التوجهات السياسية، وما يتبعه من ارتباط لعملية التنمية في البلدان الإفريقية بالسياسات الاقتصادية المفروضة لا يمكنها إلا أن تكرس وتعمق المأساة الإفريقية.
فالمؤسسات العسكرية تشعر بأنها الحصن الوحيد الذي يمكنه أن ينقذ تردي الأوضاع في القارة الإفريقية والمطلوب هو رفع الوصاية عن الشعوب الإفريقية لتختار منهج حياتها ومسارها ومستقبلها، ويبدو أن البلدان الفرنكفونية تجد صعوبات جمة للخروج من آثار الأحادية السياسية، في حين أن البلدان الإنجلوفونية بدأت تتلمس طريقها نحو حياة ديمقراطية متدرجة بخطوات جادة، ولعل تجربة جنوب إفريقيا التي يحكمها نيلسون مانديلا خير مثال على هذا التحول الهادئ في الطريق الصحيح الذي يتفق وإرادة الشعوب في تقرير مصيرها.