العنوان •الصومال: والتحرك بعد فوات الأوان!
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
مشاهدات 64
نشر في العدد 1015
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
مأساة الصومال.. مسؤولية
متقاسَمة بين القادة المتناحرين والمجتمع الدولي
دق ناقوس الخطر وتجاهل
المجتمع الدولي
كنا ندق ناقوس الخطر قبل استفحال مأساة الشعب الصومالي المسلم، وكنا
نحذر أيضًا من مغبة شبح المجاعة الذي يحصد اليوم الآلاف من الأطفال والنساء في
الصومال. غير أن صيحاتنا لم تلقَ آذانًا صاغية، ففات الأوان ووقعت الكارثة. إنها
كارثة تقع مسؤوليتها في المقام الأول على الثلاثي المنبوذ الذي عاث فسادًا
في البلد الذي لم يَذُقْ قط طعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
مسؤولية الأطراف
المتناحرة والتقاعس الدولي
يتمثل هذا الثلاثي المتعطش للسلطة في كل من الرئيس المخلوع محمد سياد بري،
ورئيس حزب المؤتمر الصومالي الموحد الجنرال محمد فرح عيديد، والرئيس المؤقت
علي مهدي محمد. غير أننا نُلقي جزءًا من مسؤولية هذه المأساة على عاتق
المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الدول العربية والإسلامية، التي أعرضت عن
القضية الصومالية منذ نشأتها وآثرت إهمالها والتنصل من مسؤولياتها تجاه هذه
الدولة.
لسنا بصدد محاكمة العصابة المذكورة ولا ننوي أيضًا رفع قضية ضد دولة أو أخرى، وكل ما في الأمر هو أنه حريٌ بنا أن نُعطي هذه النائبة حجمها الحقيقي ونعيد إلى الأذهان أن هناك شعبًا مغلوبًا على أمره يستنجد بالعالم لإغاثته مما ابتلي به من خوف وجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات. وقد أُعطيت الأولوية لقضايا قد تكون أقل إلحاحًا من كارثة المجاعة التي أتت على المستضعفين في ذلك البلد الذي اختار الانتماء العربي منذ أن قرر الانضمام إلى جامعة الدول العربية. فمن غير المعقول أن تُقبَل عروبة الصومال وهو مُعافى في السراء ويُتخلى عنه عندما يقع فريسة للحروب والصراعات المسلحة.
المجاعة نتيجة الصراع
الداخلي وتدمير البنى التحتية
تُطرح تساؤلات لا بد من طرحها، مع معرفتنا المسبقة التامة بأجوبتها، وهي: من
هو الأَوْلى بمعالجة قضية الصومال؟ وعلى عاتق من تقع المسؤولية الأولى في نجدة هذا
القطر العربي الذي يواجه فيه الموت جوعًا حوالي أربعة ملايين شخص من سكانه؟ وهل
هناك توجه للحد من تكرار مثل هذه المآسي في أنحاء العالم؟
بالطبع، إن هذه المجاعة هي من صنع الصوماليين أنفسهم، وما هي إلا
نتيجة لاقتتال دام حوالي ثلاث سنوات بين أنصار الحكومة السابقة والحركات المسلحة،
وبين العديد من الفصائل المتناحرة. لقد أودت هذه الحرب الأهلية بمظاهر
الحياة في الصومال الذي تحول اليوم إلى أرض خراب، فقد دُمرت البنى الأساسية
والمزارع، وتم نهب المحاصيل والبذور وأدوات الإنتاج ومضخات الري والجرارات، وغدا
الوقود نادرًا، وماتت الماشية، وقُتل المزارعون، وتعرض سكان الريف لعمليات
الإرهاب. وهكذا تحالفت الحرب مع المجاعة تحالفًا راح ضحيته عشرات الآلاف من
الأفراد، وتسبب في تشريد أكثر من مليوني شخص، كما أجبر مئات الآلاف منهم على البحث
عن الطعام والمأوى في الدول المجاورة، وعلى وجه التحديد كينيا.
تحديات الإغاثة والروتين
الدولي المعيق
لا شكَّ أن أعمال الإغاثة في الصومال محفوفة بالمخاطر في الوقت الراهن
وتحتاج إلى حراسة مسلحة لضمان وصول المعونات إلى ضحايا المجاعة، ولكن ذلك لا يشفع
للعالم من عدم العمل على تدفق الإمدادات الغذائية سواء عن طريق الجسور
الجوية أو البحرية والبرية. إن التسويف والتجاهل اللذين أبدتهما الدول الغربية قبل
استفحال الوضع في الصومال لم يكونا في محلهما؛ فقد حدثت الكارثة بعد فوات أوان
الإنقاذ. ثم لا بد من التذكير أن مجلس الأمن قد تجاهل القضية الصومالية
متذرعًا بضرورة توفير ضمانات أمنية صارمة قبل أي عمليات إغاثة. بالطبع، فإن
التخطيط المتروي ضروري، ولكن لا يوجد مبرر للعوائق البيروقراطية.
لقد تخلت وكالات الأمم المتحدة عن واجباتها تجاه الصومال في يناير 1991 في
أعقاب سقوط الديكتاتور محمد سياد بري، وادعت أن اعتبارات أمنية منعتها من أخذ
المبادرة الإنسانية المناسبة. وتركت الساحة للجنة الصليب الأحمر الدولي، وصندوق
إغاثة الأطفال البريطانيين ومنظمات إنسانية صغيرة أخرى. وكذلك فإن كثيرًا من دول
المجموعة الأوروبية، باستثناء فرنسا، وقفت موقف المتفرج تجاه كارثة المجاعة في
الصومال، متناسية أن حياة الإنسان أينما كان هي قيمة واحدة ومتساوية ولا
تتأثر بالوطن أو اللون.
(برنامج الغذاء العالمي في الصومال)
الحاجة إلى عمل جماعي
عاجل لإعادة الإعمار
إن الصومال بحاجة إلى عمل جماعي عاجل وسريع لإنقاذ أبنائه من الموت
جوعًا وقتلًا، ولا مجال للتسويف والمماطلة بحجة عقد سلسلة من الاجتماعات لبحث
الوضع، أو إرسال شحنة من المواد الغذائية تصاحبها فرقعة إعلامية ودعائية. إن ذلك
العمل الجماعي يتجاوز عرض صور الجياع في التلفزيون أو نشر تلك الإعلانات التي هي
أقرب إلى السخرية مثل: "ادفع 50 فلسًا تُنقذ مسلمًا!".
إن الصومال لا يفتقر إلى الأراضي الخصبة والثروات الحيوانية التي لو استغلت
بشكل سليم لأصبحت مصدرًا من مصادر الدخل الوطني. وما يفتقر إليه الصومال هو الأمن
والسلم حتى يتمكن الشعب من إعادة إعمار بلده. إن التحدي كبير والمهمة شاقة،
بيد أن أمام إنقاذ حياة الآلاف من البشر وإنقاذ القرن الأفريقي من ويلات الحروب
القبلية والعشائرية تهون المتاعب وتَرخُص التضحيات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل