; «القرصنة».. تأمر على دول المنطقة أم على شعوبها؟! (١-٣) | مجلة المجتمع

العنوان «القرصنة».. تأمر على دول المنطقة أم على شعوبها؟! (١-٣)

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2009

مشاهدات 59

نشر في العدد 1840

نشر في الصفحة 20

السبت 21-فبراير-2009

  • أساطيل الغرب في خليج عدن تهدد بأخطار محدقة
  • في جيبوتي: قاعدة بحرية عسكرية أمريكية - فرنسية مشتركة وأحدث سفينة استخبارات في العالم
  • خبير استراتيجي أمريكي: «إسرائيل» نصبت قاعدة صواريخ متطورة في إثيوبيا قادرة على حمل رؤوس نووية!
  • الصهاينة أقاموا شبكة رادارات متطورة في جزيرة «دهلك » الإريترية لرصد تحركات الدول العربية المطلة على البحر الأحمر!
  • العرب لم يفكروا في تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية خالصة .. ولا يمتلكون استراتيجية في هذا الشأن

يصف كثير من المحللين السياسيين والخبراء العسكريين عمليات القرصنة في خليج عدن وبحر العرب، التي يقوم بها قراصنة صوماليون، بأنها جزء من مؤامرة دولية لإحكام السيطرة على ذلك الجزء المهم من شريان عالمي يمده بالطاقة بقصد تحقيق أهداف تندرج -حسب تصورهم- فيما يمكن تسميته بعودة الأطماع «الاستخرابية» (الاستعمارية) الجديدة إلى منطقتنا العربية.. ويؤكد هؤلاء أن ثمة لعبة دولية يديرها لاعبون «محترفون»، يمتلكون القدرة الكافية على الإمساك بخيوطها، وخلق الظروف الملائمة والمسوغات التي تتيح لهم الظهور الأمن على ساحة الأحداث؛ لجني ثمار ذلك المخطط الذي رسموه من قبل، وحددوا أهدافه ومساره مسبقًا!

القرصنة -من هذا المنظور- صناعة أو مصلحة مشتركة يجتمع على إدارتها أولئك اللاعبون، وثمة توزيع للأدوار قد حصل، يجوز معه القول: إن القرصنة البحرية في خليج عدن وما حوله هي نتاج مؤامرة دبرت بليل صومالي مظلم؛ بهدف تركيع دول المنطقة، وتدويل مياهها، وتهديد كياناتها المهددة أصلا بالفشل والانهيار (۱).

ويعتقد هؤلاء المحللون أن الحملة التي يقوم بها حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمكافحة القرصنة في المنطقة ما هي إلا خطوة أخيرة لإقامة «النظام العالمي الجديد»، وأن المخطط الأمريكي الكبير تجري حلقاته الأولى بالمنطقة العربية لخلق أجواء مشحونة بالتوتر والغضب بين الشعوب وأنظمتها من أجل العمل على إحداث فوضى خلاقة من شأنها دفع هذه الدول إلى حافة الهاوية.

وخلاصة الأمر هنالك مشروع غربي تأمري يقف وراءه الكيان الصهيوني لتدويل البحر الأحمر ومضيق باب المندب تحرزا من مواجهات محتملة مع العرب، وإن المشروع يلبي ويخدم الأطماع الغربية في السيطرة على المنطقة وفرض سيادتها عليها، ونهب خيراتها، وإجهاض ما يمكن تسميته بالمشروع القومي للأمة العربية ما يعني عودة الوصاية الغربية مجددا على المنطقة العربية بلباس استعماري (استخرابي) جديد.

التآمر على مَنْ؟! 

تحفزنا تلك التحليلات لطرح بعض الأسئلة: هل كان الغرب (وأمريكا تحديدًا) بعيدًا أو غائبًا عن منطقتنا، بما فيها منطقة القرن الأفريقي وخليج عدن حتى يقرر العودة إليها ثانية تحت غطاء مكافحة القرصنة؟ وهل يحتاج الأمريكيون والأوروبيون حلف شمال الأطلسي إلى إذن من أحد أو مسوغ قانوني للوجود في منطقة هي بالأساس خاضعة لإدارتهم وهم موجودون فيها دائمًا؟ والأهم من ذلك: هل تُعد الأنظمة القائمة في المنطقة مصدر خطر وتهديد للمصالح الغربية؟

لا يمكننا الوثوق بحسن نوايا الغرب تجاه منطقتنا هذا صحيح، لكن في الوقت نفسه لا يمكننا الجزم أيضا بأن ثمة مؤامرة دولية تقودها الولايات المتحدة ضد الأنظمة والدول القائمة في المنطقة والأكيد أنه لم يعد للأمريكان ما يسوقونه في المنطقة لاستمالة شعوبها إليهم بعد فشل مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي بشر تلك الشعوب بالديمقراطية والحرية ونشر قيم الحق والعدالة، ومحاربة الظلم والاستبداد (!!) لقد سقط ذلك المشروع حتى قبل أن يصل إلى المنطقة التي كان من المفترض أن يتم تجريبه فيها؛ لأنه كان مجرد خدعة!

كما أن الأمريكيين وحلفاءهم في حلف «الناتو» وجدوا أن مصالحهم الحقيقية ليست مع شعوب المنطقة بل مع حكامها لأجل ذلك استمر دعمهم لهم، رغم فشلهم الواضح في إدارة شؤون بلدانهم التي صارت معرضة لأخطار الانهيار، بشهادة الغرب نفسه، لكن هؤلاء الحكام مازالوا مستعدين لتقديم المزيد من خدماتهم للغرب ليحظوا بالمقابل بالمزيد من رعايته وحمايته، وعليه فإذا كان ثمة مؤامرة دولية تستهدف منطقتنا عبر تلك الحشود العسكرية في خليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي، فهي بالتأكيد تستهدف الشعوب عبر تكريس أوضاعها السيئة والإبقاء عليها كما هي من خلال التعاون والتنسيق المشترك مع حكومات دول المنطقة .. وتلك هي المؤامرة!

وللتغطية على المؤامرة الحقيقية، تُروّج تلك الحكومات للفكرة القائلة باستهدافها والسيطرة على دولها، لتبدو وكأنها تدافع عن مصالح الأمة ومستقبلها، فيما هي في الحقيقة تدافع عن مصالحها ووجودها السياسي على قمة السلطة، وتنظر إلى أن الأخطار الحقيقية المحدقة بها تأتيها من الداخل وليس من الخارج.

حضور عسكري مكتف

ليس بالضرورة أن يكون الأمريكان هم من يقف وراء عمليات القرصنة في خليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي، أو أنهم المخططون الفعليون لكل ما يجري هناك لكنهم في الحقيقة يجيدون مهارة استثمار الحدث وتوظيفه لخدمة مصالحهم.. أما العرب فقد أخفقوا في تحويل منطقة حوض البحر الأحمر إلى بحيرة عربية خالصة لأنهم لم يسعوا إلى ذلك أساسًا، ولا يمتلكون استراتيجية بهذا الخصوص وبالتالي فقد تمكنت أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون والصهاينة من سحب البساط من تحت أقدامهم، وسعى الغرب إلى تثبيت وجوده في هذه المنطقة بمختلف الوسائل ليتحوّل هذا الممر المائي المهم إلى منطقة نفوذ خالصة له.

فمن الناحية العسكرية ثمة حضور مكثف للأسطول الأمريكي الخامس في المياه الدولية للبحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر العرب، هذا إلى جانب تمركز قاعدة بحرية استراتيجية «أمريكية – فرنسية» مشتركة في جيبوتي المطلة على مضيق باب المندب، وترسو في جيبوتي السفينة الأمريكية (Mount-Whitney) التي تُعَدُّ أكثر مراكز الاستخبارات تطوراً في العالم لاحتوائها على أحدث وسائل الاتصال والتخابر .. كما دشنت الولايات المتحدة مؤخراً قيادة عسكرية خاصة لأفريقيا تُدعى «أفريكوم»، وذلك في سياق المخطط الأمريكي لاحتواء القارة السمراء. 

أما بشأن محاولات أمريكا المستمرة اختراق المنطقة عسكريًا، فقد شهدت إريتريا منذ عام ۲۰۰۲م سلسلة من الزيارات العسكرية الأمريكية، كان أبرزها زيارة «تومي فرانكس» قائد القيادة المركزية، وزيارة وزير الدفاع السابق «دونالد رامسفيلد»، التي التقى خلالها بالرئيس الإريتري «أسياسي أفورقي»، وبحثا خلالها السماح للقوات الأمريكية باستخدام المنشآت العسكرية والموانئ والمطارات الإريترية (٢). 

ومنذ حادثة تفجير المدمرة الأمريكية «کول» في ميناء عدن اليمني (۱۲ أكتوبر۲۰۰۰م)، أصبحت منطقة خليج عدن والقرن الأفريقي والبحر الأحمر مسرحًا مفتوحًا للقوات الأمريكية والأوروبية بوجه عام، حتى لقد سيطرت تلك القوات والأساطيل البحرية على الشريان المائي الممتد من المحيط الهندي وحتى البحر الأحمر؛ مرورًا بمضيق باب المندب!

الصهاينة.. وقضية التدويل 

وفيما يتعلق بقضية «تدويل البحر الأحمر»؛ ليسهل دمج الكيان الصهيوني في المنطقة واختراقه لها، فمن قال: إن الصهاينة لم يخترقوا المنطقة بعد؟! 

لقد تمكنت «إسرائيل» من اختراق المنطقة القريبة من القرن الأفريقي منذ زمن بعيد، ووجدت لها موطئ قدم بالقرب من مضيق باب المندب من خلال توثيق علاقاتها السياسية بدول المنطقة مثل إريتريا وإثيوبيا، واستطاعت أن تكرّس لها وجودًا عسكريًا دائمًا في جزيرة «دهلك» من خلال علاقاتها السياسية والعسكرية بالنظام الإريتري ونصبت في الجزيرة شبكة رادارات متطورة الرصد تحركات الدول العربية المطلة على البحر الأحمر!

بالإضافة إلى ذلك، فقد تمكنت مؤخرًا من إقناع إثيوبيا بنصب قاعدة صواريخ أمريكية متطورة على أراضيها، قادرة على حمل رؤوس نووية، وذلك في سياق تطوير قواعدها الحربية في عدد من الدول «الصديقة لها»، بحسب تأكيد الخبير الاستراتيجي الأمريكي «مارك براترمب» في مقابلته مع قناة «سكاي نيوز» الأمريكية!

الهامشان

  1. «بلاك ووتر» في طريقها إلى خليج عدن محمد سيف حيدر، «السياسية» ٢٤/١٢/٢٠٠٨م.
  2. أوضاع الصومال في القرن الأفريقي، أنور قاسم الخضري، مركز الجزيرة للدراسات.
الرابط المختصر :