العنوان «المجتمع» أول مجلة تدخل كشمير المحتلة
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
مشاهدات 76
نشر في العدد 1075
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
نصف مليون جندي هندوسي يجثمون على صدر كشمير «1
من 2»
مضى على إقلاع الطائرة من مطار دلهي ما يقرب من ٥٠=50 دقيقة، عندما أعلن قائدها أننا على وشك الهبوط في
مطار جامو بإقليم كشمير المحتلة، بعدها نواصل الرحلة إلى العاصمة سرنجار.
أخذ ركاب الطائرة، وأغلبهم من الهندوس كما يبدو، باستثناء أربعة أجانب متجهين إلى
سرنجار في التهيؤ للنزول.
حتى هذه اللحظة، لم يكن هناك ما يلفت النظر إلى إجراءات غير عادية.
بدأت الطائرة تأخذ وضع الاستعداد للهبوط، ومن إحدى نوافذها التي حرصتُ على الجلوس
بجوارها، بدأتُ أرقب حركة الحياة في المطار والمناطق القريبة منه. وكلما اقتربنا
من أرض المطار، انكشفت معالمه أكثر وأكثر، حتى بدا واضحاً وجود أعداد كبيرة من
القوات العسكرية منتشرة في مختلف أنحائه عربات مدرعة ودبابات، تتمركز في أطرافه.
عند هذه اللحظة، ظننت أننا سنهبط في مطار عسكري، إذ كل ملامحه تدل على ذلك. كان
إلى جواري أحد الركاب الهندوس، سألته عن المطار وهل هو مدني أم عسكري؟ فقال إنه
مدني. لم يمض على سؤالي سوى دقيقة أو أكثر، حتى لامست عجلات الطائرة أرض المطار
الذي بدا مهجوراً إلا من قوات الجيش التي أخذت على الفور تنتشر بالقرب من المكان
الذي ستتوقف به الطائرة. وما إن استقرت في مكانها حتى صعد عدد من الضباط إلى داخل
الطائرة، وبدأوا في تفتيشنا تفتيشًا ذاتيًا. لم يكتفوا بذلك، بل رفعوا أغطية
الكراسي وفحصوها بدقة. استغرقت هذه العملية أكثر من ساعة تقريبًا، بعدها نزل
المسافرون إلى جامو، وبقيت أنا والأربعة الأجانب الآخرون بالطائرة التي عادت
وامتلأت من جديد، ولكن بأكثر من 200 جندي هندوسي ثم
أعلن قائد الطائرة أننا متجهون الآن إلى سرنجار وأن الرحلة ستستغرق سبعين دقيقة
تقريبًا.
أخذت أفكر فيما قاله لي بعض من أعرفهم في دلهي، فقد حذروني من السفر
إلى كشمير المحتلة خاصة وأن تأشيرة دخولي إلى الهند قد تضمنت تحذيرًا بعدم السفر
إلى هناك أو إلى أي منطقة أخرى تخضع للحكم العسكري. وقد ازداد قلقي أكثر عندما
تذكرت موقف مكاتب حجز التذاكر في دلهي التي رفضت بيعي تذكرة إلى هناك، إلى أن
تمكنت من شرائها من المكتب الرئيسي لخطوط الطيران الهندية في المطار ولا أدري حتى
هذه اللحظة كيف لم يسألني أحد عن تأشيرة السفر لكشمير رغم التعليمات الواضحة في
هذا الشأن والتي لا تسمح للصحفيين وخاصة من دول العالم الإسلامي بالسفر إلى هناك،
حتى إن السلطات الهندية رفضت مرارًا طلبًا لنائب الأمين العام لمنظمة المؤتمر
الإسلامي في السفر إلى كشمير المحتلة لتقصي حقائق الوضع هناك. كما رفض طلب العديد
من منظمات حقوق الإنسان التي حاولت السفر إلى كشمير المحتلة.
أخذت هذه الهواجس تدور في رأسي بعدما رأيته في مطار جامو رغم أن
غالبية هذه المنطقة من الهندوس، وأن عمليات المجاهدين هناك تقل كثيرًا من غيرها من
المناطق الكشميرية الأخرى. وبينما أنا شارد الذهن أفكر فيما يمكن أن يحدث لي في
مطار سرنجار، إذا بقائد الطائرة يعلن أننا في سماء العاصمة سرنجار وأن الطائرة
تستعد للهبوط بمطار سرنجار المدني صوبت عيني تجاه النافذة وأخذت أشاهد المدينة من
أعلى، كانت تبدو حزينة كئيبة، أدخنة حرائق تتصاعد من أماكن متفرقة، مساكن عديدة
مدمرة والسواد يكسوها بصورة ملفتة للنظر. بحيرة دال الشهيرة بدت وكأن مياهها
متجمدة وفي أحد أطرافها ظهر مسجد "حضرة بال" التاريخي الأسير، وأخيرًا
ظهر المطار متآكلًا في مبانيه، والقوات العسكرية المنتشرة في مختلف أرجائه تبدو
أكثر كثافة من مطار جامو، والعربات المجنزرة، والطائرات القاتلة، والهليكوبتر تملأ
المطار الذي بدا وكأنه قاعدة جوية. وبينما أنا أفكر في المجهول الذي ينتظرني، كانت
الطائرة قد أوشكت على التوقف في المطار الذي كان مخيفًا مرعبًا في كل مظاهره.
ومثلما حدث للطائرة من تفتيش في جامو تكرر مرة أخرى في مطار سرنجار، ولكن بصورة
أشد قسوة. فبمجرد توقف الطائرة، صعد عدد من رجال الجيش وبدأوا في تفتيش الركاب
الأجانب واستثنوا الجنود الهندوس.
وبعد مضي ما يقرب من ساعة،
خرجنا من الطائرة لاستقلال أحد الباصات التي نقلتنا إلى صالة الوصول التي جرى فيها
تفتيشنا لأكثر من 15مرة. وكل مرة أقول لمسؤول الأمن إنه قد تم
تفتيشنا مرارًا منذ هبطنا من الطائرة، لكن لا يبدي اهتمامًا بما أقول ويكتفي
بالقول إنه يتبع جهة أمنية أخرى. وهذا يعني أن هناك أكثر من15 جهة أمنية
تختلف في مسؤولياتها الأمنية داخل المطار. ظللت على ذلك الحال ما يزيد على
الساعتين حتى وصلت إلى المحطة الأخيرة في المطار وهي مكتب الجوازات، التي أمطرني
بقائمة طويلة من الأسئلة وطلبت مني الإجابة عنها في ورقة سلمها لي.
استفسارات عديدة (من أين جئت وإلى أين ذاهب ومن ستقابل وفي أي الأماكن
ستقيم وكم يوما ستمضي في كشمير وما هي وظيفتك؟). تمكنت من الإجابة عن أغلب الأسئلة
ووقفت حائرًا أمام سؤال الوظيفة. ماذا أكتب؟ وبسرعة قلت إنني بروفيسور. وعندما
سلمته بطاقة الأسئلة والأجوبة، توقف عند الوظيفة وسألني أين تعمل بروفيسور؟ قلت
له: في إحدى الكليات في بلادنا. وقد حاولت أن أبدو متماسكًا وأنا أتكلم، ولحسن
الحظ لم يسألني أين جواز سفري- ربما لأنه سفر داخلي- واكتفى بما كتبت في البطاقة.
حدث ذلك الحوار بيني وبين موظف الجوازات وأكثر من خمسة أشخاص آخرين يقفون إلى
جواره ينظرون إلي ويتفحصونني بأعينهم بدقة، وبينما أنا أشق طريقي خارج المطار عبر
رجال الأمن المنتشرين بكثافة في كل شبر داخل وخارج وحول المطار، وجدت شابًا يحمل
لافتة مكتوبًا عليها اسمي. عندها تذكرت ذلك الرجل الذي قابلني في مطار نيودلهي وأنا
لا أعرفه، وقدم نفسه على أنه ممثل لأحد البيوت العائمة في بحيرة دال وشجعني على
الإقامة في أحد هذه البيوت التابعة له، وقال إنه سيتصل برئيسه في العمل هناك
لإرسال مندوب لاستقبالي في المطار.
كان لهذه المصادفة أثر نفسي كبير رفع من معنوياتي، إذ إنني لم أكن
أعرف أين وكيف أذهب في ظل الأجواء العسكرية التي تفرضها الهند على كشمير.
توجهت إلى ذلك الشخص الذي كان ينتظرني أمام صالة الوصول ولم أصدق نفسي
وأنا خارج المطار، فأسرعت إلى سيارته وجلست في مقعدها الخلفي. ودون حديث معي، أدار
السيارة وتحرك صوب المدينة. ولم نكد نخرج من بوابة المطار حتى بدت أرتال عديدة من
العربات المدرعة وسيارات الجيب المحملة بالجنود الذين يحملون أسلحة رشاشة وأصابعهم
على الزناد في وضع الاستعداد. على طول الطريق الواصل بين المطار والمدينة تنتشر
نقاط التفتيش بمعدل نقطة كل خمسة وعشرين مترًا، وكل نقطة بها ما يزيد عن 10 جنود وأسلحتهم
بأيديهم وبطبيعة الحال ففي كل نقطة تتوقف السيارة ويجري تفتيش السيارة وما بها من
حقائب، وتفتيشنا بطبيعة الحال أيضًا. وتتكرر نفس الأسئلة التي وُجهت إلي في
المطار، فأبادر بالإجابة عنها مثلما كتبت في البطاقة التي سلمت لي هناك.
الطريق خالٍ من المارة تمامًا، ويمر عبر أطلال منازل قديمة متهالكة.
سألت مرافقي الذي كان يجيد الإنجليزية: ما هذا الذي يحدث؟ قال: لا
مجال للكلام الآن فالطريق كما ترى مليء بالقوات الهندوسية.
قلت في نفسي ربما يكون هذا الطريق أهميته الخاصة لدى القوات
الهندوسية، لذا فهي حريصة على تأمينه بهذه الصورة. إنني لم أقرأ أو أسمع عنها.
ومضت السيارة في الطريق، والقوات الهندوسية توقفنا كل مئتي متر تقريبًا حتى اقتربنا من مدخل العاصمة. ولم يطرأ أي تغيير على نمط
توزيع القوات الكثيف منذ تحركنا من المطار إلى الآن. والشيء الوحيد الذي استجد أن
القوات الهندوسية ترابط بكثافة في كل حارة وشارع. وأمام كل منزل هناك عربات مدرعة
أو مترجلة، والأسلحة الرشاشة في وضع الاستعداد والأيدي على الزناد. لم أر منزلاً
أو حارة صغيرة أو شارعاً إلا والقوات منتشرة بكثافة وبصورة سخيفة إلى أقصى حد ممكن.
كثيراً ما كنت أقرأ أن هناك نصف مليون جندي هندوسي أو يزيد في كشمير
المحتلة، فأندهش لهذا الرقم وأظن أنه مبالغ فيه، إلا أنني وعندما وصلت إلى هناك
أدركت أن الأمر ليس فيه مبالغة بل هو الحقيقة بعينها لكن ما أدهشني أكثر هو
متطلبات هذه القوات المادية وحالة الطوارئ المفروضة طوال الوقت وما يستلزمه ذلك من
نفقات باهظة على حساب الاقتصاد الهندوسي الضعيف.
أخيرًا وصلت إلى بحيرة دال في سرنجار، حيث تطل عشرات الفنادق السياحية
على شاطئ البحيرة، لكنها تعج بالقوات العسكرية التي حولتها إلى ثكنات عسكرية كما
يبدو، فالعربات العسكرية والمدافع والدبابات ترابط بداخلها ولا أثر لسياحة أو
السياح هناك. توقفت السيارة عند شاطئ البحيرة وهبط السائق منها ونادى بلغته
الكشميرية على أحد أصحاب القوارب الصغيرة الذي وصل إلينا مسرعًا، فحمل أمتعتي
ووضعها في القارب الذي يسمونه "شيكارة" باللغة الكشميرية، واتجه إلى أحد
البيوت العائمة في البحيرة التي تعج بالمئات من هذه البيوت التي تبدو شبه خالية
إلا من نفر قليل...
توقف القارب ورفع صاحبه حقائبي إلى البيت العائم وانصرف بهدوء، وأنا
لا أصدق ما حدث ولا أصدق هل أستطيع العودة من حيث جئت أم لا. وإلى اللقاء في
الحلقة القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل