; «المجتمع» أول مجلة تدخل كشمير المحتلة (2 من 3) | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» أول مجلة تدخل كشمير المحتلة (2 من 3)

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1993

مشاهدات 92

نشر في العدد 1076

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 23-نوفمبر-1993

 

·       مراسل «المجتمع» يغطي المذبحة في كشمير المحتلة.

·       الهند تقوم بحرب إبادة جماعية للمسلمين في كشمير.

·       أحد الكشميريين: نحن مستعدون لتقديم كل أبنائنا في سبيل التحرير من المحتل.

مراسل «المجتمع» في بحيرة دال ينقل أخبار المأساة للمسلمين.

كنت حريصًا منذ وصلت إلى بحيرة دال في كشمير المحتلة ألا أبدو على أنني صحفي جاء ليغطي المذبحة التي تجرى هناك، وإمعانًا في ذلك فقد مزقت ما تبقى معي من أوراق وبطاقات تفيد أنني أعمل في مجال الصحافة، فقد كان ما رأيته في الطريق من المطار إلى البحيرة كافيًا لأن آخذ حذري الشديد في حركتي، أو عند تعاملي مع الناس، فلا تزال صورة القوات الهندوسية المحتشدة بطول الطريق والمنتشرة أمام المنازل وفي الطرقات، وبأعداد كثيفة عبر المنطقة التي مررت بها حاملة أسلحتها بأيديها وفي وضع الاستعداد لإطلاق الرصاص، لا تزال هذه الصورة ماثلة في ذهني لم تغب عني حتى بعد وصولي إلى المقر الذي نزلت به في البحيرة، والذي بدا بعيدًا نسبيًا عن بطش القوات الهندوسية التي حرصت على ألا تبدو بصورة مكشوفة أمام منطقة السياح الأجانب.

القوات الهندوسية في كل مكان

لم يمض على وصولي إلى البحيرة سوى عدة دقائق حتى جاء صاحب البيت العائم House boat وعرض علي عددًا من الكتالوجات تتضمن برامج للسياحة في كشمير، وقال تستطيع أن تختار منها ما تشاء، لكنه قال في نفس الوقت إنني لا أستطيع أن أضمن لك سلامتك في الطريق، فكما رأيت بعينيك القوات الهندوسية منتشرة في كل مكان وهي في بطشها لا تميز بين كشميري أو أجنبي أو بين مجاهد ومدني صغير أو كبير، وعدد لي عددًا من الممنوعات فقال لا تأخذ صورة لمنزل مهدم أو سيارة عسكرية أو جندي أو جريح على الأرض أو جنازة في الطريق أو مظاهرة في شارع وإلا تعرضت للقبض عليك ولا تحاول الحديث أو التعامل مع الكشميريين فهذه مخالفة تعاقب عليها، واحرص على حمل جواز سفرك معك ولا تتحرك دون أن يكون مندوب السياحة بصحبتك.

فقلت له لم تترك شيئًا من الممنوعات إلا وقلته، هل هذه هي السياحة الآن؟ قال لم يعد عندنا سياحة، لقد انتهت تمامًا، فلم يعد يأتي أحد إلينا إلا نادرًا وكما ترى فكل البيوت العائمة خالية من السياح، قلت له وماذا عن الأمن هنا «في البحيرة وداخل البيوت العائمة» فتبسم ضاحكًا من سؤالي وقال قبل يومين كانت هناك مطاردة خلف هذا البيت بين المجاهدين، والقوات الهندوسية وقد أسفرت عن مقتل جندي واستشهاد مجاهد، وكأنه اعتاد مثل هذه الحوادث فقال غير عابئ بعد قليل سوف يأتي مندوب السياحة ويصحبك في جولة بالبحيرة وخلال اليومين سوف تذهب إلى منطقة جولمرك على الحدود الباكستانية الكشميرية ثم إلى منطقة بهجام قرب الحدود الصينية لكنه أكد على نصائحه السابقة وقال لا تنس ما قلته لك أنت ضيف عندنا وواجبنا أن نحميك، شكرته على اهتمامه وقلت في نفسي إن هذا هو الأسلوب الأمثل في رؤية كشمير من أقصاها إلى أقصاها مع المندوب السياحي فبالتأكيد سوف نمر عبر المدن والقرى عند سفرنا إلى الحدود الصينية والباكستانية.

تصميم على الجهاد رغم التضحيات

جاء المندوب السياحي بعد قليل ومعه قارب صغير، وقال سنقوم بجولة سريعة في البحيرة ثم نعود بعد ذلك، البحيرة تبدو هادئة وخالية سوى من بعض الصيادين والباعة المتجولين بقواربهم وعدد من القوارب السريعة التابعة للقوات الهندوسية التي تصول وتجول في البحيرة طوال الوقت، وبعد ساعة من التجديف المستمر وصلنا مسجد «حضرة بال» الذي يقع في أحد أركانه الأربعة على البحيرة، المسجد ضخم في حجمه وملحق به مساحة كبيرة من الأمام تسع عدة آلاف من المصلين، ومن المسجد تحركنا إلى أحد المحال العائمة التي تبيع المشغولات الخشبية وهناك قال لي صاحب المحل إننا لم نر سائحًا واحدًا منذ عدة أشهر، وقد تحول جزء كبير من أصحاب هذه الحرف إلى العمل في الزراعة ومجالات أخرى، قلت لصاحب المحل وهل أنت حزين على توقف نشاطك فقال وقد بدت عليه علامات الحزن نحن مستعدون للتضحية بكل غال وثمين في سبيل تحرير بلادنا من المحتل الهندوسي الكافر، قلت له: «ولكن مصدر رزقك الأساسي توقف بسبب الجهاد الكشميري» فقال بغضب: ماذا تقول؟ ولو حدث أكثر من ذلك فلن نتراجع عن جهادنا ضد المحتل الهندوسي، كان الرجل قد جاوز السبعين من عمره كما يبدو، لكنه كان يتكلم بروح الشاب الذي لم يتجاوز عمره 30 عامًا، قلت له ولكن القوات الهندوسية موجودة في كشمير بكثافة ومدججة بأحدث الأسلحة فقال: «لقد استشهد اثنان من أبنائي قبل شهرين وحرقت القوات الهندوسية بستان التفاح الوحيد الذي أمتلكه لكن ذلك لن يثنينا عن جهادنا ضد المحتل، ونحن مستعدون لتقديم كل أبنائنا وأنا معهم في سبيل تحرير أرضنا من المحتل الهندوسي الكافر» وعاد وكرر كلمة كافر مرة أخرى ولكن بنبرة حادة بدأت أشعر بسخونة الحوار وإمكانية أن يكون هناك أحد يراقبنا خاصة وأن القوات الهندوسية السريعة منتشرة في البحيرة، فآثرت الاعتذار لصاحب المحل ودعوت له بالنصر وقفلت عائدًا إلى البيت مرة أخرى، وقد شعرت بأن هاجس الرهبة والخوف الذي ظل ينتابني قد اختفى بعد لقائي مع هذا الشيخ الذي فقد اثنين من أبنائه ومستعد لتقديم من تبقى منهم، كانت كلمات الرجل مفعمة بالشجاعة والتصميم والقوة الأمر الذي طمأنني كثيرًا وزاد من عزيمتي.

وبمجرد وصولي للبيت الذي نزلت به حتى بدأت تتواتر علينا قوارب صغيرة محملة بالزهور والبضائع الخشبية والمنسوجات الكشميرية الشهيرة والسجاد، فقد عرفوا بحاستهم التجارية أن هناك سائحًا قادمًا من بلاد العرب ويقيم في هذا المنزل، قلت هذه فرصة ثمينة لأن أتحدث إلى الكشميريين علني أستطيع الوصول من خلالهم إلى المجاهدين الكشميريين، وتحول حديثي معهم من السجاد والنسيج الكشميري إلى الجهاد والقوات الهندوسية والدمار الذي لحق بالبلاد.

ذبح المسلمين بالسكين

أحد الباعة المتجولين بقواربهم سألني عن بلدي فقلت له من بلاد العرب فقال وهل تسمعون عما يحدث لنا هنا، إننا دائمًا ما نخرج للتظاهر في الشوارع إذا ما تعرضت أراضي المسلمين لسوء أو شعوبها لاعتداء هل تسمعون عما يحدث لنا هنا؟ هل تعرف ماذا يحدث لنا؟ قلت له: ماذا يحدث؟ قال: «إننا نذبح مثل الدجاج» وقال لي بالإنجليزية هل رأيت الدجاج وهو يذبح إنهم يفعلون ذلك معنا لقد بدأوا مؤخرًا عملية جديدة تسمى Operation Tiger فيأتون بالشباب من منازلهم سواء كانوا مجاهدين أو غير ذلك ويذبحونهم بالسكين ويلقون بهم في الشوارع والويل لمن يقف في طريق القوات الهندية، وقال تعرف ماذا حدث لأخي قبل أسبوعين، لقد جاءوا إلى أمي في المساء وسألوها عن أخي الصغير فتلعثمت في حديثها، فاندفعوا داخل المنزل وانتزعوا أخي من غرفته وألقوا به في الشارع وأطلق أحدهم الرصاص عليه ثم جاء الآخر وذبحه بالسكين، هكذا فعلوا بأخي وقدري أنني لم أكن في البيت في هذه اللحظة، ليس أخي وحده الذي قتل ولكن مئات غيره في ريعان الشباب ذبحوا كالدجاج ولم نسمع صوتًا حتى في باكستان المجاورة لنا، وسألني الرجل قائلاً: «حتى متى يظل صوت المسلمين غائبًا، حتى متى تتجاهلون ما يحدث لنا هنا؟ حتى متى تتحرك نخوة إخواني المسلمين في كل مكان عندما تقضي القوات الهندوسية على من تبقى من هذا الشعب؟» واستحلفني الرجل أن أوصل صوته للمسلمين كي يعرفوا بحقيقة ما يجرى لهم على يد القوات الهندوسية.

جاء آخر بقاربه، كان يبيع ملصقات طبيعية عن كشمير، صورًا رائعة لطبيعة خلابة لم أر مثلها، قال لي الرجل هذه مناظر طبيعية لكشمير التي كانت، لكنها كما ترى شيئًا آخر بعد أن امتدت إليها أيدي المجرمين الهندوس فحولتها إلى حطام، قلت له أنا جئت أرى الصورة الحقيقية، إنني أريد أن أرى صورة الحطام والأشلاء التي خلفها الهندوس حيث أرى صور القتلى والجرحى الكشميريين لأنقلها للمسلمين في العالم حتى يدركوا حقيقة ما يجرى هنا، ولا أدري ما الذي جعلني أتهور وأكشف عن شخصيتي فأجابني على الفور أنني مستعد أن أقدم لك كل مساعدة تحتاجها من أجل إنجاح مهمتك وقال إنني أستطيع أن أوصلك للقائد صلاح الدين القائد العام لحزب المجاهدين فأنا أعرفه جيدًا وعلى اتصال به، إنه في أحد المواقع بطريق المدينة الشرقي لكن الوصول إليه مغامرة محفوفة بالمخاطر، فطلبت منه أن يمكنني من مقابلة أحد من رجاله ليحدثني عما يجرى هنا يكون أفضل ويمكن أن يأتي في قارب كأنه تاجر زهور مثلاً، قال هذه فكرة جيدة وسوف أتصل به وأعود إليك ولم يمض وقت طويل حتى عاد الرجل وأبلغني أنه سيكون طرفي قرب صلاة المغرب وسلمني جهاز فيديو وعدة أشرطة تتناول الدمار الذي لحق بالبلاد وجانبًا من عمليات المجاهدين بالإضافة إلى بعض الصور الفوتوغرافية الأخرى.

جرائم الهندوس في كشمير

وقبل أن يصل الرجل كان قد تردد علي عدد آخر من القوارب المحملة بالبضائع الكشميرية ومع كل صاحب قارب يتحول الحديث مباشرة من التجارة إلى الجهاد وآلام الشعب الكشميري ومآسيه قصص وروايات لا تقل في بشاعتها عن جرائم الحرب في البوسنة بل ربما تزيد، أحد هؤلاء قال لي إنه كان يعمل طبيبًا بالمستشفى المركزي وفصل من عمله لاتهامه بعلاج المجاهدين الكشميريين، يقول الطبيب الذي تحول إلى بائع متجول: ذات يوم وفي ميدان لال شوك الرئيس بسرينجر كنت أسير بسيارة الإسعاف وجدت شابًا ينزف وقد خرجت أحشاؤه من بطنه أمام أمه التي أخذت تصيح ولم يتجرأ أحد على مساعدتها فطلبت من السائق أن يتوقف لإنقاذ هذا المصاب، وفجأة وجدت جنديًا هندوسيًا يضرب بمؤخرة البندقية ولما اقتربنا من جثة الشاب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه حذرنا الجنود من التقدم نحو الجثة وأفرغ رصاصتين في قدم سائق السيارة وأجبرنا على مغادرة الضحية وأمه في الشارع والقوات الهندوسية تحيط بهما، ويقسم الطبيب الذي تحول إلى بائع أنه في اليوم التالي رأى جثة الشاب وأحشاءه خارجة من بطنه لا تزال ملقاة في الشارع وأمه غائبة عن الوعي إلى جواره.

وينقل الطبيب حادثة أخرى وقعت له في المستشفى المركزي الذي عمل به يقول في أحد الأيام من شهر مارس الماضي جاء إلي أكثر من 20 فتاة دفعة واحدة، أغلبهن أقل من 16 سنة وقد اغتصبن بصورة وحشية والدماء تسيل من أجسادهن، يقول الطبيب وعندما سألت الفتيات عن ملابسات الحادث قلن إن 10 جنود من الهندوس هجموا على مدرستنا في وضح النهار، وطلبوا من الأساتذة مغادرة المدرسة بالقوة وهددوا من يخالف بالذبح، وبدأوا في النيل منا واحدة تلو الأخرى وبعد أن فرغوا من جريمتهم أغلقوا علينا المدرسة وانصرفوا كأنهم لم يفعلوا شيئًا، وقال الطبيب هذه عينة من عشرات الحالات التي عاينتها بنفسي في المستشفى المركزي بسرينجر.

الهند تقوم بحرب إبادة جماعية ضد المسلمين

لم يكد يفرغ الطبيب من حديثه حتى وصل أحد مساعدي سيد صلاح الدين في أحد القوارب الصغيرة وقد حمل معه بعض الزهور وقدم لي نفسه على أنه ش- م فرحبت به وقلت له إنني أنقل صورة لما يجرى للشعب الكشميري وطلبت منه أن يشرح لي الواقع العسكري للمجاهدين، فقال: «اسمح لي أولاً أن أحدثك عن القوات الهندوسية حتى تدرك طبيعة الظروف التي نعمل فيها، فهناك أكثر من نصف مليون من القوات الهندوسية مسلحين بأحدث الأسلحة الفتاكة ويتمركزون في كشمير رغم حجمها الصغير وهم منتشرون في كل مكان تقريبًا وربما تكون قد رأيت ذلك وأنت قادم من المطار، وهذه القوات تمارس كل صور البطش والإرهاب بالشعب الكشميري ولعلك سمعت ما يسمى بعمليات سيفا ودلور والنمر التي تمارسها الهند هذه الأيام على أوسع نطاق وخلاصة هذه العمليات هو تحقيق إبادة جماعية للشعب الكشميري والشباب منه على وجه الخصوص، إنهم يقومون هذه الأيام باقتحام المنازل وانتزاع الشباب من داخلها وذبحهم على مرأى ومسمع من الناس لإرهابهم وثنيهم عن المضي في الجهاد، لكن هذا الأسلوب لم يغير شيئًا على أرض الواقع؛ ففي بداية الجهاد كان هناك عدد قليل من الشعب الذي يجاهد المحتل الهندوسي أما اليوم فالمجاهدون في كل مكان، الشعب كله ثائر ورافض للمحتل الهندوسي»

وقال مشيرًا إلى بحيرة دال والبيوت العائمة بها، إن هذه البحيرة كانت تعج بعشرات الآلاف من السياح قبل 4 سنوات، اليوم تبدو خالية تمامًا كما ترى وقد تضرر العاملون في هذا النشاط السياحي، ورغم ذلك فلم يتراجع الشعب عن موقفه، لقد استخدموا الحرب الاقتصادية معنا لتجويع الشعب عن طريق حرق الحقول والمزارع والمنازل والمحال التجارية لكننا لم نضعف أمام الجبروت الهندوسي، لقد فشل نصف مليون هندوسي إلى الآن في قمع الانتفاضة التي تزداد ضراوة يومًا بعد يوم، ونحن مستعدون للجهاد عشرات السنين طالما بقي بيننا رجال لطرد المستعمر الغاشم من بلادنا المسلمة قلت للرجل: ولكن خسائر الشعب الكشميري كبيرة والعالم من حولكم مشغول عنكم لا يعطيكم أدنى اهتمام.. قال الرجل: «نحن نستمد قوتنا من الله وأشرف لنا أن نموت شهداء لا أن نقبل العيش الذليل تحت سيطرة المحتل الهندوسي».

أين المسلمون مما يحدث في كشمير؟

وقبل أن ينصرف الرجل مودعًا بعد أن دخل الليل قال: «ولكني لي رجاء عند المسلمين في أنحاء العالم أن يشعروا بمأساتنا وأن يقفوا إلى جوارنا واستقل الرجل قاربه وانصرف بعدما أعطاني ما معه من ورود»، كان حديث الرجل قصيرًا لكنه كان مؤثرًا فلم يترك مجالاً لسؤال آخر، عدت بعد ذلك إلى غرفتي بعد أن انصرف الرجل وأخذت أفكر فيما رأيته وسمعته من قصص مرعبة ومخيفة وظللت على هذا الحال حتى ساعة متأخرة من الليل.

وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة والأخيرة.

 

الرابط المختصر :