العنوان +اليهودي د. يوري ريڤيز: ضميري دفعني لتأييد منظمة التحرير الفلسطينية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 818
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 19-مايو-1987
«المجتمع» تجري حوارًا مع يهودي يحمل جنسية مزدوجة..
● وجود الكيان الصهيوني يتناقض مع الحقوق الوطنية والإنسانية للشعب العربي الفلسطيني.
● د. يوري ريڤيز: دولة «إسرائيل» دولة عنصرية.
● المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثامنة عشرة.
● مكسيم غيلان: قاتل في صفوف الهاجناه ثم انقلب على «إسرائيل».
المفارقات والمواقف السياسية المختلفة التي نجدها داخل المجتمع اليهودي وداخل أحزابه واتجاهاته السياسية قد تكون نوعًا من أنواع التكتيك السياسي، وقد تكون نوعًا من الخلاف الذي يصعب تحديد حجمه، ولكن الملفت للنظر أن قلة من اليهود يعلنون في كتبهم ومؤلفاتهم ومقالاتهم عبر الصحافة الغربية أنهم ضد الوجود اليهودي في فلسطين، كما يعلنون أن فلسطين عربية، ويجب أن يعطى الفلسطينيون الحق في إقامة دولتهم عليها.
نقول... قد يكون ذلك تكتيكًا سياسيًّا... وقد يكون من باب الظواهر الفردية الشاذة، ولا سيما وأن قرآننا الكريم علمنا أن اليهود والذين أشركوا هم أشد الناس عداوة لهذه الأمة... ومع إيماننا المطلق بقرآننا الذي يعلو ولا يعلى عليه...
نضع بين يدي القارئ جانبًا من هذه الظاهرة الفردية التي تمثل توجه قلة من السياسيين اليهود.
مما أثار دهشتي أثناء انعقاد الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، في المدة ما بين 20 - 25 \4\1987، وجود عدد من اليهود يتجولون داخل المجلس بحرية تامة، ويحضرون الاجتماعات والمناقشات التي دارت أيام انعقاد الدورة.
وبينما كنت أجلس إلى جوار الدكتور يوجين مخلوف، وهو فلسطيني ويشغل منصب مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في السويد، مر أحد هؤلاء اليهود واسمه د. يوري ديفيز وحيانا بلغة عربية ركيكة، فقلت: من هذا؟ «قيل: إنه يهودي معارض للصهيونية، ومناضل في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، وهو من المؤمنين بضرورة زوال الكيان الصهيوني، وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية على كل فلسطين» هذا ما قيل عنه.
فطلبت المزيد من المعلومات عن هذا اليهودي فقيل: «إنه مدرس بجامعة أكستر ببريطانيا، وله مؤلفات ومحاضرات عديدة تدافع عن القضية الفلسطينية وتهاجم الفكر الصهيوني، وهو ينتمي إلى مجموعة «إسرائيل شاحاك» التي تقود حملة الدفاع عن حقوق الإنسان داخل الأرض المحتلة، والتي تضم أنصارًا لها في داخل فلسطين وخارجها».
فقلت: مَنْ مِن اليهود غير ديفيز حضر هذه الدورة؟ قيل لي: هناك مكسيم غيلان الذي قاتل في صفوف الهاجناه، «وهي أكبر العصابات الصهيونية» لإقامة الدولة اليهودية عام 1984، ثم انقلب ضد الكيان الصهيوني ورحل إلى فرنسا، وأقام في باريس، وأنشأ مكتبًا وثائقيًّا لفضح أعمال «إسرائيل» اللا إنسانية ضد السكان العرب في فلسطين المحتلة، وهو يوزع هذه النشرات «الوثائق» على الصحف الفرنسية التي ترغب في الحصول على معلومات عن جرائم «إسرائيل»، وهو يملك مجلة أطلق عليها اسم «إسرائيل وفلسطين».
فسألت محدثي الدكتور مخلوف عن يهود آخرين داخل القاعة، فقال: هناك إيلان هليفي «أو إيلان حلوي - من الحلوى» وهو من أصل يمني، ولكنه مولود في فلسطين، ويقول: «أنا فلسطيني، وألتزم بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، وألتزم بخط «فتح»، وقد ألف عدة كتب، منها كتاب أطلق عليه اسم «تحت إسرائيل فلسطين»، أي أن «إسرائيل» هي القشرة، ولكن اللب هو فلسطين، أو أن فلسطين بعد احتلال الصهاينة لها أصبحت تلبس ثوب «إسرائيل» ولكن جوهرها لا يمكن أن يتغير وهو أنها «فلسطين».
فأثارت هذه المعلومات التي قيلت لي دهشتي، وسألت: من هناك غير هليفي أو حلوي هذا؟
فقال محدثي: هناك أيضًا د. ديفيد هللي اليهودي الأمريكي الذي كان يقاتل في صفوف الجيش الأمريكي في فيتنام، فهرب من هناك والتجأ إلى السويد مع مجموعة كبيرة، وهو أخصائي في طب الأطفال، ويملك مستشفى كبيرًا بالسويد، ويرأس الغرفة الطبيبة السويدية، التي قدمت مساعدات وخدمات كبيرة أثناء حصار المخيمات الفلسطينية في لبنان، كما أنه يشغل منصب رئيس التجمع السويدي المناصرة القضية الفلسطينية (P.G.S)، فقمت من مجلسي أبحث عن هؤلاء الأربعة لأسمع منهم، فكان لقائي الأول مع مكسيم غيلان، ولكونه لا يعرف العربية فقد كان من الصعب علي أن أفهم منه بوضوح دون مترجم، ونظرًا لضيق الوقت وازدحام العمل، فقد اكتفيت بما علمت عنه، إضافة إلى كونه سكرتيرًا لما يسمى بالاتحاد اليهودي العالمي للسلام.
(International Jewish Peace Union).
اكتفيت بالتقاط صورة له مع تحفظه وتخوفه من حصول بعض المشاكل (Problem) له.
وإذا بالدكتور يوري ديفيز أمامي، فطلبت منه الحديث باعتباري صحفيًّا عربيًّا من الكويت فرحب، وجلسنا في ركن من قصر المؤتمرات؛ حيث كان هذا الحوار:
● بطاقتك الشخصية؟
_ دكتور يوري ديفيز، من مواليد مدينة القدس عام 1943، الأب يهودي من بريطانيا، والأم يهودية من تشيكوسلوفاكيا، تربيتي الأولى كانت في مدينة تل أبيب، ودراستي الجامعية كانت في الجامعة العبرية في القدس، أما دراستي العليا فكانت في الولايات المتحدة؛ حيث حصلت على إجازة الدكتوراة في الأنثروبولوجيا «أي علم دراسة الإنسان» وفي الفلسفة، وأعمل الآن مدرسًا بجامعة أكستر البريطانية، وأحمل جنسية مزدوجة إسرائيلية بريطانية، ألفت عدة كتب أهمها كتاب اسمه «إسرائيل دولة عنصرية» (Apart held) والكتاب يقرن النظام القانوني في «إسرائيل» بالنظام القانوني العنصري في جنوب أفريقيا.
● هل يشكل عنوان هذا الكتاب ومضمونه موقفًا سياسيًّا بالنسبة لك؟
_ نعم، فأنا متمسك بموقف مناهض للصهيونية على أساس أن استمرار الكيان الإسرائيلي كدولة يهودية لا يحل مشكلة الإنسانية من جهة، كما أن وجود هذا الكيان يتناقض مع الحقوق الوطنية والإنسانية للشعب العربي الفلسطيني، وأهم هذه الحقوق هي: حقه في العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي الفلسطينية.
● هل تستطيع العودة إلى فلسطين المحتلة؟
- لا.. فإن عودتي تعني محاكمتي وسجني.
● هل خرجت من فلسطين المحتلة باختيارك؟
- خرجت باختياري، ولكن بعد أن ألقيت كلمة بدعوة من الأخ «أبو عمار» أمام اللجنة السياسية للمجلس الوطني الفلسطيني، في دورته السابعة عشرة في مطلع عام 1984، نصحتني المحامية لي تسيميل بعدم العودة إلى «إسرائيل».
● ما هي الأسباب التي دفعتك لتغيير موقفك وتأييد القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية؟
- السبب الأساسي والبسيط هو ضميري، فحتى منتصف السبعينيات كان موقفي وكثير من زملائي الذين يؤمنون بحقوق الإنسان هو مطالبة «الكيان الإسرائيلي» بإعطاء كامل الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين العرب في «إسرائيل»، وعددهم 750 ألفًا ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية، ولكن بعد حرب 1967 وحرب 1973 اتضح لي ولغيري أن دولة «إسرائيل» أو حكومة «إسرائيل» باعتبارها دولة أو حكومة عنصرية ذات قوانين عنصرية، فإنها لا تعطي هذه الحقوق للمواطنين العرب الفلسطينيين، فالكيان الإسرائيلي قائم على أساس العداء للمواطن العربي الفلسطيني، والإصلاح في قوانين الدولة مستحيل تمامًا كالحال في جنوب أفريقيا، ولذلك فكل إنسان لديه ضمير لا يقبل التنازل عن مبدأ المساواة في الحقوق بين المواطنين، ولما كان مبدأ الإصلاح -إصلاح هذه القوانين- أصبح مستحيًلا، فقد كان لا بد من استبداله بمبدأ الإزالة؛ أي إزالة هذا الكيان الإسرائيلي القائم على قوانين عنصرية. كانت هذه نقطة تحول بالنسبة لي، فأصبحت أتبنى موقفًا يتوافق مع المطالب السياسية للمقاومة الفلسطينية التي أقرتها المجالس الوطنية الفلسطينية، وأصبحت على قناعة بأن ما تطلبه منظمة التحرير، وهو حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي الفلسطينية، يتفق كليًّا مع قرارات الأمم المتحدة، ولو تم تنفيذ هذه المطالب لأصبح بقاء «دولة إسرائيل» كدولة صهيونية وعنصرية أمرًا مستحيلًا، وهذا ما دفعني إلى تأييد منظمة التحرير الفلسطينية.
● من هي الشخصية التي تأثرت بها فكريًّا وسياسيًّا؟
- تأثرت بنضال مارتن لوثر كنج في الولايات المتحدة من أجل مساواة حقوق الزنوج بالبيض في الولايات المتحدة، ومساندة عناصر أمريكية من ذوي الضمير في الدعوة إلى هذه المساواة، وهم من البيض المثقفين، في ضوء هذا النموذج من النضال كانت تجربتي السياسية الأولى هي مشاركة سكان قرى دير الأسد وبعنة ونحف في الجليل الأعلى بشمال فلسطين في مقاومتهم السلطات الصهيونية التي استولت على أراضيهم عامي 1964 - 1965 لإقامة مستوطنة يهودية باسم «كرميئيل»، وكان عمري وقتذاك 22 سنة، وقد سكنت مع العرب في دير الأسد، وقد ألقت السلطات الصهيونية القبض علي، وحكمت علي بالسجن 6 شهور بموجب ما يسمى بقانون الطوارئ؛ حيث اعتبروا أني دخلت منطقة عسكرية بدون تصريح؛ فقد أعلنت السلطات الصهيونية أن المنطقة التي تضم أراضي هذه القرى العربية الثلاث منطقة عسكرية، وذلك حتى يتم إقامة المستوطنة الصهيونية عليها، ولذلك منعوا السكان العرب من الاقتراب من المنطقة وفلاحة أراضيهم.
● هل هناك عدد كبير من اليهود يتبنى موقفك هذا؟
_ العدد ليس كبيرًا، ولكنه معنوي، والوضع بالنسبة للكيان الإسرائيلي يشبه الوضع بالنسبة لجنوب أفريقيا؛ حيث إن هناك عددًا من البيض يتعاطفون مع النضال الأفريقي الوطني، ويعملون إما ضمن لجان التضامن مع شعب جنوب أفريقيا أو في صفوف المؤتمر الأفريقي الوطني، فمثلًا «إسرائيل شاحاك» يعمل في صفوف لجان التضامن، و «إيلان هاليفي» يعمل في صفوف المؤتمر الأفريقي.
● باعتبار أن دراستك العليا في الفلسفة والأنثروبولوجيا، فهل تعتنق مذهبًا فلسفيًّا معينًا؟
- أنا حتى الآن من «الوجوديين»، أما من وجهة النظر الاجتماعية والسياسية، فأعتبر نفسي اشتراكيًّا، ولكني لست ماركسيًّا؛ لأني لا أقبل تفسير الماركسيين للتاريخ وفهمهم للإنسان.
● الوجوديون صنفان: صنف ينتمي إلى ما يسمى بالوجودية الحرة التي تحللت من المعتقدات الموروثة، ومن أنصارها جان بول سارتر، وصنف ينتمي إلى ما يسمى بالوجودية المقيدة التي تلتزم بعقيدة ما، والصنف الثاني حاول التخلص من معاناة الإنسان وقلقه باللجوء إلى الله.
فمن أي الصنفين أنت؟
- أنا مع سارتر الملحد.
● موقف سارتر السياسي بالرغم من أنه كان مؤيدًا للثورة الجزائرية إلا أنه كان مؤيدًا للصهيونية.
- أنا مع سارتر من الناحية الفلسفية وليس السياسية.
● هل لك علاقة بالفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي الذي كان ماركسيًّا ثم اعتنق الإسلام وأصبح اسمه «رجاء جارودي»؟
- لا.
● هل حاولت دراسة الإسلام كدين؟
- لا.
وبعد:
فإننا إذ ننشر هذا اللقاء مع يهودي يعلن لنا عداءه للصهيونية، ووقوفه إلى جانب الحق العربي في فلسطين، فإننا نترك للزمن كشف مصداقية ذلك، كما أننا نترك للقارئ أن يحكم على إمكان وجود يهود معادين للصهيونية، مؤمنين بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وبالتالي في اعتبار الكيان الصهيوني كيانًا عنصريًّا يجب أن يزول.
والذي نود أن نقوله في ختام هذا اللقاء:
1- إن فلسطين المسلمة لا يحررها من اليهود إلا المسلمون ... ولن يتمكن المسلمون من تحريرها إلا بالشكل الجهادي الذي شرعه الإسلام وأمر به، وبهذا يكون كل طريق سوى طريق الجهاد ليس إلا ضياعًا للوقت واستمرارًا في ضياع حق المسلمين بأرضهم وبقبلتهم الأولى.
2- إن ما طرحه هذا اليهودي - ونشرناه للقارئ الكريم - يمكن أن يكون «فقط» شهادة سياسية على الجريمة الصهيونية اليهودية في اغتصاب فلسطين المسلمة.. وذلك على أساس وشهد شاهد من أهله.