; «المجتمع» في بيت أبي الأعلى المودودي | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» في بيت أبي الأعلى المودودي

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2008

مشاهدات 58

نشر في العدد 1832

نشر في الصفحة 34

السبت 27-ديسمبر-2008

لا تختلف مدينة لاهور الباكستانية عن مدينة «القاهرة» في ازدحامها الشديد وأحيائها الشعبية المكتظة بسكانها، وبحواريها الضيقة.. فقط كثرة الأشجار والمساحة الخضراء، وكثرة انقطاع التيار الكهربائي تميز لاهور عن «القاهرة»..

في تلك المدينة التاريخية المهمة عاش الإمام أبو الأعلى المودودي». وفي حي «إشره»، ذلك الحي الشعبي العتيق عاش وأبدع أهم وأجمل أفكاره وكتاباته، ومنه انطلقت دعوته لتأسيس الجماعة الإسلامية التي سرعان ما انتشرت في شبه القارة الهندية بأسرها «باكستان- الهند- بنجلاديش- كشمير» وأحدثت انقلابًا كبيرًا في الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية «كما تابعنا في الحلقات التي نشرتها المجتمع طوال الفترة الماضية عن حياة المودودي».

خلال زيارتي المدينة «لاهور» -قبل شهر تقريبًا- كنت مصرًا رغم قصر الزيارة على الاقتراب من آثار ذلك الرجل المهم في تاريخ الحركة الإسلامية على مستوى العالم، وحاولت تلمس ما ترك من آثار باقية ... توجهت إلى حي «إشره»، وهو الحي الذي ولدت فيه دعوة «الإمام المودودي»، ومنه انتشرت إلى أرجاء شبه القارة الهندية، ثم العالم أجمع.. الشوارع ضيقة.. والمباني متلاصقة، ويكاد يكون أشبه بحي «السبتية» في القاهرة، ذلك الحي الذي عاش فيه الإمام حسن البناء ردحًا من الزمان في بداية دعوته، وأبدع فيه حركة وقراءة وفكرًا، وقد قال لي الشيخ «محمد الغزالي» -يرحمه الله- في حوار معه عن شخصية الإمام البنا: «إنه كان أشبه بسكرتير خاص للإمام «البنا»، وإنه أشرف على نقل مكتبته من السبتية إلى حي المغربلين» في القاهرة، ويقول: «ما فتحت كتابًا من مكتبته الضخمة التي تربو على عدة آلاف إلا ووجدت أثرًا للبنا فيه عبر إشارات خطها بقلمه على هامش الكتاب. 

دخلت بيت الإمام «المودودي»، فاعترتني حالة من الهدوء والصمت وأنا أتأمل أرجاءه.. وهو مكون من طابق واحد، يحيط به سور وعلى اليمين بوابة من داخل البيت إلى مسجده الصغير الذي كان إضافة إلى إقامة الصلوات مدرسة تغص من طلاب علم الشيخ حيث كان يلقي دروسه.. صليت العصر في المسجد وتوجهت إلى مكتبته الملحقة به -والحقيقة- إن بيت المودودي» يجمع تاريخه كله الحاضر والماضي فهو يجمع تاريخ دعوته وحركته ويجمع رفاته ورفات زوجته فقد فوجئت في أحد زوايا حديقة البيت بحجرة تضم قبره، وقبر زوجته يجاور أحدهما الآخر -رحمهما الله- رحمة واسعة تركت المكان الذي يخيم عليه الصمت والهدوء، ولكن يكسوه الوقار والهيبة هكذا ألقي في روعي، فلم يعد في البيت سكان إلا ابنة الشيخ الوسطى مع زوجها وأبنائها، حيث تقوم بمواصلة مهمة الوالد في رعاية المدرسة في محاولة لاقتفاء أثر الوالد. 

أما «حميراء المودودي» كبرى بنات الشيخ (۷۰ عامًا)، التي كتبت بقلمها سيرة والديها لـ «المجتمع» فقد انتقلت للسكن في مكان آخر من «لاهور» مع زوجها الذي أشرف على الثمانين عامًا، كانت فرصة نادرة أن ألتقي بها وزوجها، وكانت مفاجأة كبيرة لها أن نتصل بها ونزورها.. تحدثت طويلًا عن والدها ووالدتها، وكيف كان والدها مهتما أيما اهتمام بتعليم بناته أسوة بالأولاد، فهي حاصلة على «الماجستير» في اللغة الإنجليزية وكذلك أخواتها أتممن تعليمهن العالي، كما تحدثت عن سعة صدر والدها لمحاوريه من أهله وأبنائه، ومن الناس كافة، بل إنه كان يتقبل النقد بصدر رحب، ويناقشه في هدوء. فبعد عودتها من إجازة الصيف من بنجلاديش التي كانت في ذلك الوقت ضمن «باكستان»، وكانت تعمل مدرسة للغة الإنجليزية تقول: قلت لوالدي أنت لا تؤدي مهمتك على الوجه الأكمل: لقد تركت «بنجلاديش» لمنظومة تعليمية هندوسية افترستها، ولم تتنبه لإرسال معلمين مسلمين إلى مدارسها؛ فكانت النتيجة أن غزاها الفكر الهندوسي، الذي ساعد على انفصالها، وتضيف: لقد اعترف الوالد بالتقصير في ذلك الأمر؛ لكن الوقت كان قد نفد، وكانت «بنجلاديش» على وشك الانفصال.. كان الجلوس والحديث مع الوالد ممتعا أيما إمتاع، وكان الوالد متابعا باهتمام شديد لأحوال الحركات الاسلامية حول العالم، خاصة جماعة «الإخوان المسلمين» التي نشأت في نفس توقيت تأسيس الجماعة الإسلامية في «باكستان» وكانت ظروف الاضطهاد والتضييق التي مرت بها الحركتان متشابهة إلى حد كبير. 

في فترة الستينيات انتقلت «حميراء» إلى المملكة العربية السعودية للعمل بتدريس اللغة الإنجليزية، وهناك التقت إحدى بنات المستشار «حسن الهضيبي» المرشد الثاني للإخوان المسلمين، ويومها كانت حركة الإخوان تعاني من السجون والاعتقالات تقول: عندما كنت أعود إلى «باكستان» في كل إجازة صيفية كان والدي يلقاني بشغف ليسألني عن أحوال الإخوان من خلال من ألقاهم من الإخوان، وكان يصاب بوجوم وحزن شديدين عندما يعلم بما يجري لهم، وخاصة عندما يعلم بإعدام أي من قياداتهم خاصة الشهيد «سيد قطب» رحمه الله.

 وبعد عودتي ووفاة والدي ووالدتي وجدت أن أبسط ما أقدمه لهما هو بيان سيرتهما للناس خاصة قراء العربية، ولم أجد أفضل من «المجتمع» لتقوم بتلك المهمة وقد قامت بها والحمد لله خير قيام فجزاكم الله خيرًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل