العنوان «النفحات الإلهية في العشر الأواخر»
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010
مشاهدات 78
نشر في العدد 1917
نشر في الصفحة 6
السبت 28-أغسطس-2010
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾
نحن في شهر كثير خيره، عظيم بره، جزيلة بركته، تعددت مدائحه في كتاب الله –تعالى –وفي أحاديث رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم، والشهر شهر القرآن والخير، وشهر عودة الناس إلى ربهم في مظهر إيماني فريد، لا نظير له ولا مثيل.
وقد خص هذا الشهر العظيم بمزية ليست لغيره من الشهور، وهي أيام عشرة مباركة هن العشر الأواخر التي يمن الله –تعالى –بها على عباده بالعتق من النار، وها نحن الآن في هذه الأيام المباركات؛ فحق لنا أن نستغلها أحسن استغلال، وهذا عن طريق ما يلي:
-الاعتكاف في أحد الحرمين أو في أي مسجد من المساجد إن لم يتيسر الاعتكاف في الحرمين، فالاعتكاف له أهمية كبرى في انجماع المرء على ربه والكف عن كثير من المشاغل التي لا تكاد تنتهي، فمتى اعتكف المرء انكف عن كثير من مشاغله، وهذا مشاهد معروف، فإن لم يتيسر للمرء الاعتكاف الكامل، فالمجاورة في أحد الحرمين أو المكث ساعات طويلة فيهما أو في أحد المساجد.
-إحياء الليل كله أو أكثره بالصلاة والذكر، فالنبي ﷺ كان إذا دخلت العشر؛ أيقظ أهله وأحيا ليله وشد المئزر، كناية عن عدم قربانه النساء ﷺ، وإحياء الليل فرصة كبيرة لمن كان مشغولًا في شؤون حياته، وأكثر الناس –كذلك –لا يتمكن من قيام الليل ولا يستطيعه، فلا أقل من الاجتهاد في العشر الأواخر بالقيام وإحياء الليل، والعجيب أن بعض الصالحين يكون في أحد الحرمين ثم لا يصلي مع الناس إلا ثماني ركعات مستندًا على بعض الأدلة. وقد نسي أن الصحابة والسلف صلوا صلاة طويلة كثير عدد ركعاتها، وهم الصدر الأول الذين عرفوا الإسلام وطبقوا تعاليمه أحسن التطبيق، فما كان ليخفى عليهم حال النبي ﷺ ولا تأويل أحاديثه الشريفة، وحملها على أقرب المحامل وأحسن التأويلات.
-ولا ينسى أن في العشر الأواخر ليلة هي أعظم ليالي العام على الإطلاق، وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، بمعنى أنه لو عبد المرء ربه ٨٤ سنة مجدًا مواصلًا؛ فإصابة ليلة القدر خير من عبادة تلك السنوات الطوال، فما أعظم هذا الفضل الإلهي الذي من حرمه حرم خيرًا كثيرًا، والمفرط فيه قد فرط في شيء عظيم، وقد اتفقت كلمة أكثر علماء المسلمين أن هذه الليلة في الوتر من العشر الأواخر، وبعض العلماء يذهب إلى أنها في ليلة السابع والعشرين، وقد كان أبي بن كعب رضي الله عنه يقسم أنها ليلة السابع والعشرين كما في صحيح مسلم.
-الإكثار من قراءة القرآن وتدبره وتفهمه، والإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى، فهذه الأيام محل ذلك ولا شك.
-والعجب أنه مع هذا الفضل العظيم والأجر الكريم يعمد الناس إلى قضاء إجازتهم التي توافق العشر الأواخر في الخارج؛ فيحرمون من خير كثير، وليت شعري ما الذي سيصنعونه في الخارج إلا قضاء الأوقات في النزه والترويح في وقت ليس للترويح فيه نصيب، بل هو خالص للعبادة والنسك، فلله كم يفوتهم بسبب سوء تصرفهم وضعف رأيهم في صنيعهم، فالعاقل من وجه قدراته وأوقاته للاستفادة القصوى من أيام السعد هذه.
-ولا ينبغي أن ننسى في هذه العشر أن لنا إخوانًا في خنادق الجهاد والعدو قد أحاط بهم وتربص، ونزلت بهم نوازل عظيمة، فلا ينبغي أن ننساهم ولو بدعاء خالص صادر من قلب مقبل على الله تعالى، وصدقة نكون نحن أول من يغنم أجرها، ولا ننسى كذلك الفقراء والمساكين خاصة وأن العيد مقبل عليهم.
أسأل الله تعالى التوفيق في هذه العشر، وحسن استغلال الأوقات، والتجاوز عن السيئات، وإقالة العثرات، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .