العنوان «الهدنة» في الخطاب السياسي لحماس
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1274
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
المستقرئ لأدبيات حماس بنزعتها العقدية وباعتبارها حركة مقاومة إسلامية يلمح التركيز على شعار «فلسطين إسلامية من البحر إلى النهر» وعلى أنها وقف إسلامي وقضيتها شأن إسلامي وقضية دينية لا سياسية فقط، وفي هذا السياق يؤكد ميثاقها بأنه لابد من ربط قضية فلسطين في أذهان الأجيال المسلمة على أنها قضية دينية ويجب معالجتها على هذا الأساس) وفي نفس الاتجاه يعلن أحد بياناتها الصادر برقم ٦٦ وتاريخ ١٩٩٠/١٠/٢١م بأن «معركة الأقصى تعلن أن معركتنا مع الصهاينة بين الإسلام واليهودية».
وتؤمن هذه الحركة بأن الفعل الجهادي الممتزج برائحة البارود لابد أن يتضافر مع الجهد السياسي بتفصيلاته لكي يسيرا بنواز وانتظام يخدم أحدهما الآخر وفق استراتيجية هدفها تحرير فلسطين وإعادتها للحظيرة الإسلامية وإن اختلت موازين القوى في الوقت الراهن، ويؤكد دور الجهاد السياسي مؤشرات تبرز من خلال الممارسة الميدانية وما يصدر عن الحركة من مذكرات وبيانات، وفي هذا الإطار تشير إحدى مذكرات الحركة نقلا عن خالد الحروب في كتابه. حماس: الفكر والممارسة السياسية إلى «أن العمل السياسي في منظورنا هو إحدى وسائل الجهاد ضد العدو الصهيوني ويهدف إلى تقوية جهاد وصمود شعبنا في مواجهة الاحتلال الصهيوني».
ولكن بالرغم من الإطار الأيدلوجي لخطاب حماس السياسي ونزعته الشمولية إلا انه تطور ليتحدث عن تفصيلات المرحلة بدون إقرار بالأصول التي تتضمنها تلك التفصيلات، ووفق هذه الآلية المرنة يستوعب خطاب حماس الفرق ما بين منطق الواقع الممكن ومنطق الواجب الذي ينبغي تحقيقه ومع أن خطابها السلفي الماطر بثوابت المقدس إلا أنه لا يتسم بالحدية التي لا تعترف إلا بالحد الأعلى المنطق الواجب، وفي هذا الاتجاه تتفهم حماس سياسة الخضوع مرحليًا لسقف منطق الواقع ولكن وفق مفاهيم السياسة الشرعية المتكلة على نصوص الوحي المبارك والتي تجيز الهدنة المؤقتة مع العدو الظروف خاصة وضمن شروط ومعايير خاصة منضبطة حصانة لإطار المشروع الاستراتيجي من التميع والتأكل.
وفي ظل هذا المفهوم الشرعي الأصيل تطرح حماس مشروع الهدنة مع الصهاينة من أن الآخر، وضمن شروط معينة تنفق مع الأصول الشرعية، وما يعنيه ذلك من نزوع الخطاب السياسي للحركة نحو مبدأ المرحلية في إدارة الصراع، وبدون أن تجر المرحلية لاستحقاقات قد تدمر الهدف التاريخي الشامل جغرافية فلسطين من البحر إلى النهر)، وعلى هذا الصعيد يذكر الدكتور موسى أبو مرزوق بأنه «ليس هناك رفض الفكرة الحل المرحلي من ناحية المبدأ، بل الخلاف على ما يرافقه من استحقاقات».
وتسجل الخطوة التاريخية العلنية في هذا الاتجاه المبادرة السياسية (الهدنة) التي طرحها رئيس مكتب الحركة السياسي السابق موسى أبو مرزوق في إبريل عام ١٩٩٤م، واشتملت على المفردات التالية:
- انسحاب الاحتلال الصهيوني من الضفةوالقطاع والقدس دون شروط.
- إزالة المستوطنات وترحيل المستوطنين من الضفة وغزة والقدس.
- إجراء انتخابات تشريعية حرة ونزيهة لكافة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج الانتخاب ممثليه.
وفي خطوة جديدة مشابهة عرض الشيخ أحمد ياسين هدنة ولكن بشروط مغايرة حيث صرح في المجمع الإسلامي بغزة بتاريخ ١٩٩٧/١٠/٧م بالله إذا توقفت إسرائيل عن الاعتداء على المدنيين، فنحن مستعدون أن تتوقف عن الاعتداء على المدنيين وهذا ما عرضته حماس على إسرائيل في الماضي) وأضاف في ذات السياق بأنه إذا كانت إسرائيل مستعدة لأن تنسحب من الأرض المحتلة وتوقف عدوانها على الفلسطينيين وتترك الأرض المحتلة وتخليها للشعب الفلسطيني عندها يمكن أن تدخل في هدنة)، ومع ذكر النموذجين الأنفين الصيغة الهدنة التي تطرحها حماس يثار التساؤل التالي: ماذا تريد حماس من وراء الهدنة على الصعيد السياسي؟ ولربما الاستنتاجات التالية تجيب عن هذا التساؤل:
- تهدف حماس لإبداء شيء من المرونة في خطابها السياسي لكي يبدو براجماتيا لتنفيس حالات الاحتقان التي قد تضر بها في بعض الأحيان على المستويين الإقليمي والدولي، والتخفيف من حدة معاكستها للتيار السائدة بالمنطقة، ولكي تنفي الصورة التي على أنها تلصق بها حركة إرهابية تمارس العنف من أجل العنف.
- ممارسة المناورة السياسية بصيغ شرعية تمنحها ثقة الشارع الإسلامي وتخفف عنها حدة العداء الرسمي إقليميًا ودوليًا.
- الخروج من دائرة العزلة السياسية التي من الممكن أن تخنق مشروعها من خلال التعامل مع اللعبة السياسية وما تتيحه من فرص ممكنة لابد من اصطيادها لتعظيم رصيد الحركة شعبيًا ورسميًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل