; إبراهيم عبد الهادي .. وتزوير التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان إبراهيم عبد الهادي .. وتزوير التاريخ

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1981

مشاهدات 79

نشر في العدد 520

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 17-مارس-1981

• الصحافة اليوم كالشعراء، ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا …﴾ (الشعراء: 224-227).

• لماذا هلل بعض الصحفيين بأمجاد الباشا عبد الهادي عند موته، وهم يعلمون علم اليقين أن تاريخه أسود من سواد الليل البهيم؟

• لقد حول الباشا عبد الهادي مصر إلى سجن كبير، في ظل القصر الملكي والحماية البريطانية، وقدم رأس الإمام الشهيد حسن البنا هدية في عيد ميلاد الملك.

مسكين شباب هذا الجيل، لأنه أسوأ حظًا من أي جيل مضى، إنه يعايش صحافة مقودة لا قائدة، مسودة لا سائدة، مستهدفة لا هادفة، ويعاصر صحفيين خواة من المبادئ والمثل، عراة من الخجل والحياء..  

هذا ما قلته لصديق عربي مثقف، ترك الصحافة واشتغل بالتجارة، حين زارني، وسألني: ماذا بك؟ أراك واجمًا! 

قال: إذن لا بد أن استفزك ما استفزني، وأنا أقرأ ما كتبته الصحافة عن الباشا إبراهيم عبد الهادي، حتى كدت أعتقد أن الذي هلك اليوم سمي له كان بطلًا أدى خدمات جليلة للعروبة والإسلام، وليس ذلك الباشا الذي اقترن عهده باسم «العسكري الأسود» وعهده هذا كان عهدًا إرهابيًا لم يسبق له مثيل، حتى في أحط عهود القرون الوسطى، لقد عاصرت الأيام الحسوم التي حكم مصر فيها هذا الباشا، مراسلًا صحفيًا، وشهدت بنفسي، كيف استطاع في ظل حماية القصر الملكي، ورعاية السفارة البريطانية أن يحول مصر إلى سجن كبير ضم بين جدرانه الشعب المصري بأسره، وكيف استطاع أن يقدم رأس الإمام الشهيد حسن البنا هدية للملك في عيد ميلاده 11 فبراير، وهو رئيس للوزراء، ووزير للداخلية، أي المسئول الأول عن الأمن.

قلت: هل علمت أن رئيس الجمهورية قد زاره مرتين أثناء مرضه مستفسرًا عن صحته، بينما لم يزر مثلًا شيخين سابقين للأزهر أثناء مرضهما، وهما الدكتور عبد الحليم محمود، والدكتور محمد الفحام.. 

قال: وماذا في ذلك؟

قلت: إن السيد الرئيس كان أحد أعضاء محكمة الثورة التي أدانت الباشا، وحكمت عليه بالإعدام في أوائل عهدها، أليس في هذا تناقض؟ بل إدانة لعهد الثورة برمته؟

قال: هون على نفسك، فالسياسة هنا قائمة على التناقض، والمثير للدهشة ألا تكون متناقضة، فالرئيس استضاف شاه إيران وبكل أوزاره وجرائمه، وأوزار السافاك، وجرائمه، متحديًا بذلك أرواح عشرات الألوف من الشهداء، وآلام مئات الألوف من الأسر التي شردها، ناهيك عن آلاف الآلاف، بل ألوف المليارات من الدولارات التي اغتصبها وهربها، واستثمرها في مصارف اليهود في أمريكا وأوروبا، ومما زاد الطين بلة أن الرئيس المصري- قبل تنصيب ابن الشاه الذي هلك إمبراطورًا لإيران في القاهرة- مع أن هذا الرئيس نفسه -في أحد مؤتمرات القمة الإسلامية- في عهد عبد الناصر- أهان شاه إيران الراحل في خطابه، واتهمه بالعمالة الأمريكية.. 

ولعلك تذكر موقف عبد الناصر من الملك سعود الراحل، كان قبل تنازله عن العرش للملك فيصل -رحمه الله- هدفًا لحملات وسائل الإعلام الناصرية، كانت هذه الوسائل الإعلامية، تبعث إليه بأقزع الشتائم، وأهبط عبارات الهجاء، ولا سيما من هذه الوسائل الإعلامية مجلة روز اليوسف، وإذاعة صوت العرب في عهد «أحمد سعيد» وما إن اختلف عبد الناصر مع الملك فيصل حتى قبل استضافة الملك سعود، بل كانت وسائل إعلامه تعتبره الملك الشرعي للمملكة السعودية.. 

وقلت: لكن زيارة الرئيس له أثناء مرضه -أعني الباشا عبد الهادي- ألا تدل على شرعية «الحكم الإرهابي»؟

قال: إن شرعية الحكم الإرهابي قائمة هنا منذ قبل الثورة حتى اليوم، كل ما في الأمر أن اشتد ضراوة في عهد عبد الناصر، والقاعدة موجودة بعد عبد الناصر، والذي تغير هو الأسلوب، أما الديمقراطية المغلوبة على أمرها، فليست إلا مجرد شعار للتسلية .. 

إن زيارة الرئيس لحاكم إرهابي سابق لا تعبر عن دوافع إنسانية على الإطلاق، المسألة مرتبطة بعقدة نفسية مزمنة، إن الرئيس يريد أن يتلذذ، وهو يشعر بتفضله على باشا سابق ولو كان أحد الإرهابيين الكبار، تمامًا كما يتلذذ باستضافته لإمبراطور سابق، ولو كان مجرما سياسيا عرفه التاريخ، وتمامًا كما أصبح يتلذذ بالاستيلاء على زهاء ثلاثين قصرًا واستراحة .. إنه يريد أن يتخلص من عقدة الضنك المادي والسياسي والاجتماعي الذي ظل يرافقه.

قلت: هذا شأن السياسة، وما من حاكم عسكري في الشرقين الأوسط أو الأقصى إلا وهو مليء بالعقد النفسية، إنهم يتوهمون أنفسهم آلهة، أو على الأقل أنصاف آلهة ،  إذا هم تواضعوا..

قال: أجل، كلهم يقلد كمال أتاتورك، وثبت أن كمال أتاتورك كان مريضًا نفسيًا، والفرق بينهم وبينه أن أتاتورك كان واضحًا سافرًا، أما هؤلاء، فهم أجبن من أن يكونوا صرحاء، حتى ذلك الدكتاتور الصغير الذي لم يكن في يوم من الأيام حافظًا ولا أسدًا يزعم الإسلام، وهو في نفس الوقت يصفي بلاده من الإسلام ودعاة الإسلام، ويهاجم غيره ويتهمهم بالتبعية لواشنطن، وهو في نفس الوقت غارق إلى قمة رأسه في التبعية لموسكو.. 

قلت: أليس عجيبًا أن يشترك أمثاله في مؤتمرات القمة الإسلامية؟

قال: وأي عجب في هذا، ما دام زعماء الدول الإسلامية في مثل هذه المؤتمرات يستقبلونه بالأحضان، ويصافحون -بحرارة- يده الملوثة بدماء الشعب المسلم المغلوب على أمره .. 

قلت: لنعد من حيث بدأنا: لماذا هلل بعض الصحفيين بأمجاد الباشا عبد الهادي عند موته، وهم يعلمون علم اليقين أن تاريخه أسود من سواد الليل البهيم؟

قلت: إن هؤلاء النوائح لم يجدوا ما يكتبونه عن الباشا، إلا دوره في المظاهرات الطلابية العشوائية سنة 1919، واتهامه في إحدى القضايا السياسية، والحكم عليه بالإعدام مع رفيق صباه النقراشي باشا، والصحافة -كما تعلم- مسيرة لا مخيرة، وإذا رجعت للصحافة عندما حكمت عليه محكمة الثورة بالإعدام، وجدتها لم تزد على ترداد ما قاله ممثل الاتهام، لم يجرؤ صحفي واحد أن يشير إلى دور الباشا عبد الهادي، أيام كان طالبًا أو زعيمًا للطلبة، ثم لا تنسى أن الصحافة اليوم كالشعراء، وكما يقول الحق عز وجل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: 224-226)، إن الذين كتبوا عن الملك فاروق، عن لياليه الحمراء، وعن نزواته، وعن سرقاته من أموال الدولة، وعن نهبه لأراضي الدولة، هم أنفسهم الذين كتبوا أيام ملكه عن فاروق التقي النقي، الصالح البار بأمته، العادل بين شعبه ، 

قلت: لكن هذا السلوك الأخلاقي الهابط، من شأنه أن يزيف التاريخ لهذا الجيل من الشباب الذي لم يعرف شيئًا عن جرائم الباشا عبد الهادي أيام حكم مصر بالحديد والنار، وأصبح يعرف الكثير عن أمجاد هذا الباشا أيام شبابه، وزعامته للطلبة، 

قال: اطمئن ،  فأنت تعلم أن الشباب واع، وأنه لن يعترف بالصحافة مرجعًا للتاريخ. 

الرابط المختصر :