العنوان الدور الغربي الصهيوني في تمزيق العالم الإسلامي
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 68
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 20-أبريل-1993
·
وزير الخارجية الأمريكي يقول: «إذا لم نستطع فرض السلام فسوف نطالب
كل جماعة عرقية بالاستقلال حتى تكون هناك خمسة آلاف دولة بدلًا من مائتين».
لم يكن إعلان «وثيقة كامبل» في عام
١٩٠٧، ثم وثوب جماعة «الاتحاد والترقي» على الحكم في مقر الخلافة الإسلامية في إسطنبول
عام ١٩٠٨، ثم إعلان اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم العالم الإسلامي عام ١٩١٦، ثم إعلان
وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في ١٩١٧، ثم إعلان سقوط الخلافة الإسلامية رسميًا
في تركيا عام ١٩٢٤، ثم حرب العصابات الصهيونية على أرض فلسطين في الثلاثينيات
والأربعينيات، ثم إعلان دولة إسرائيل عام ١٩٤٨، ودخول العالم العربي في عدة حروب
فاشلة مع الكيان الصهيوني انتهت بتثبيت أقدام إسرائيل والتمكين لها في المنطقة مع
تمزيق العالم الإسلامي وتفتيته إلى كيانات ضعيفة- لم يكن كل هذا سوى حلقات متتابعة
من حلقات الصراع بين الإسلام وخصومه، والتي كانت تهدف خلال هذه الفترة إلى زرع
الكيان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، ثم وصلت الآن إلى مرحلة الإبادة شبه
الرسمية للوجود الإسلامي في قلب أوروبا، ومحاصرة المد الإسلامي في آسيا الوسطى
وأطراف العالم الإسلامي.
والأخطر من ذلك هو مزيد من التمزيق
والتفتيت للجسد الإسلامي تحت ستار مسميات وقوانين وأطروحات وأنظمة يقوم الغرب
بصياغتها وتطبيقها بشكل رسمي، يعتمد الأمم المتحدة ومجلس الأمن غطاءً رسميًا
لتحقيق مطامعه وأهدافه في المنطقة. تلك الأهداف التي ترمى باختصار إلى فرض الهيمنة
«الإسرائيلية» الشاملة في كافة المجالات على دول العالم الإسلامي، مع السيطرة على
مقدرات الثروة، وبث النزاعات العرقية والطائفية داخل القطر الواحد وبين الأقطار
المختلفة؛ حتى تنشغل الدول الإسلامية بخلافاتها، مع دفع بعض الفئات العرقية أو
الطائفية إلى تصعيد مطالبتها بالانفصال وطلب الحماية، وقيام الدول المهيمنة بتبني
هذه المطالب وفرض الوصاية والحماية الدولية، ومن ثم التدخل الرسمي في شؤون الدول
الإسلامية.
يؤكد هذا ما صرح به وزير الخارجية
الأمريكي الجديد وارن كريستوفر لدى تسلمه مهام منصبه في الإدارة الأمريكية الجديدة
حينما قال: «إذا كنا غير قادرين على توفير السلام للجماعات العرقية التي تعيش في
الوطن الواحد فسوف نطالب كل جماعة عرقية بالاستقلال؛ ليصبح في هذا العالم خمسة
آلاف دولة بدلًا من العدد الحالي الذي لا يكاد يتعدى ٢٠٠ دولة».
وفي لقائه الأخير مع رئيس الوزراء
الإسرائيلي في واشنطن، صرح كريستوفر بأن عملية السلام توفر الفرصة الفضلى لبناء
شرق أوسط جديد، وقبل هذا التصريح بأسبوع واحد أعرب كريستوفر عن أمله بأن تساهم
المجموعة الأوروبية في بناء شرق أوسط جديد؛ ولا ندري ما هو هذا البناء الجديد
والتقسيم الذي يتحدث عنه كريستوفر، إلا أن تقريرًا نشرته مؤخرًا صحيفة
«إنترناشونال هيرالد تريبيون» ذكرت فيه أن الإدارة الأمريكية الجديدة تضع الصراعات
العرقية والدينية والحروب الأهلية ضمن أولويات اهتماماتها.
وأشار التقرير إلى أن المسلمين هم
المتضررون على مستوى العالم مما يدور الآن من حروب واضطهاد، وأشار إلى البوسنة
والهرسك والهند وآسيا الوسطى وأماكن أخرى عديدة، هذا على المستوى العام.
أما من ناحية التخصيص، فقد أشارت
مصادر أخرى إلى أنه علاوةً على الوضع القائم في أقطار إسلامية كثيرة، أصبحت مصر
والسودان الآن تحت المجهر؛ ففي تصريحات متتابعة أكد هيرمان كوهين، مساعد وزير
الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية -وهو يهودي- إمكانية فرض حظر على جنوب
السودان، بل وإنزال قوات لحماية أهل الجنوب -النصارى والوثنيين- من الحكومة
الإسلامية في الخرطوم تحت دعوى المجاعة وحقوق الإنسان، ومن ثم تقسيم السودان رسميًا
كما قسمت الصومال ودول إسلامية أخرى الآن.
أما مصر، فالكيان الصهيوني له وجوده
الرسمي على أرضها، وبالتالي أصبحت لعبته سهلة في ضرب الحكومة بالشعب وإشعال الفتنة
الطائفية وتمزيق البلاد؛ وقد تسربت معلومات كثيرة عن أبعاد الدور الصهيوني في هذا
الجانب، وقامت السلطات المصرية بإلقاء القبض على شبكات صهيونية عديدة ثم ترحيلها
خارج مصر في صمت؛ حتى لا يؤدي كشفها علانيةً إلى التأثير على العلاقات الإسرائيلية
المصرية، ومن ثم الإضرار بعملية السلام القائمة والتي تعتمد -كليةً- على الموقف
المصري، ويغذي الكيان الصهيوني مطالب الأقباط بإنشاء دولة في صعيد مصر، بل قام
الأقباط المصريون المقيمون في أمريكا مؤخرًا بطلب الحماية الأمريكية للأقباط
المقيمين في جنوب مصر تحت دعوى حمايتهم من الإسلاميين المتطرفين -على حد زعمهم-
ونشر عبارات ودعايات مريبة مثل «مصر وطن الأقباط» و«يجب أن يعود المسلمون
المستعمرون إلى جزيرة العرب التي جاءوا منها». وقد أدى هذا إلى شعور الحكومة
المصرية بالخطر، إلا أنها تركت هذا وتفرغت لمواجهة الإسلاميين، وغفلت عن معالجة
خطر حقيقي يمكن أن ينفجر في أية لحظة بقرار من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة يطلب
الوصاية الخارجية على جنوب مصر لحماية الأقباط فيه، ومن ثم إقامة دولة لهم في
الجنوب تحت الحماية الدولية؛ وهذا أمر غير مستبعد في ظل وجود بطرس غالي أمينًا عامًا
للأمم المتحدة، وفي ظل القرارات المفاجئة التي تصدر في أية لحظة عن المنظمة
الدولية.
ويبقى تمزيق مصر أملًا للصهاينة قبل
الأقباط الذين يسعون لتدمير مصر بثقلها السكاني، على اعتبار أن هذا هو الحل الأنسب
للكيان الصهيوني؛ لتلافي الدخول في أية مواجهة عسكرية مستقبلية مع مصر.
و«إسرائيل» تسعى لتحقيق ذلك اليوم
قبل الغد، لأنها تدرك الزيادة اليومية الهائلة في عدد سكان مصر والذي يقدر له أن
يصل إلى مائة مليون نسمة في عام ٢٠٠٦، مما يصعب المواجهة الحتمية المرتقبة -بين
مصر وإسرائيل- على اليهود.
إن العالم الإسلامي بكل دوله، لاسيما الدول الكبرى ذات التأثير والثقل الإسلامي، على حافة بركان؛ والسيناريوهات المعدة والسيناريوهات البديلة كلها تهدف إلى تحطيم القلب وتدمير الأطراف وهيمنة الغرب والصهاينة على مقدرات الأمة الإسلامية ومقومات الحياة فيها، لكن أين مكر هؤلاء من مكر الله؟ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)، ﴿وَقَدْ مَكَرُوْا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُوْلَ مِنْهُ الْجِبَالُ. فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيْزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (إبراهيم: 46-47).
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل