الثلاثاء 25-نوفمبر-1975
مما لا شك فيه أن الدين يؤثر في الوطن لأن الوطن هو الأرض التي يعيش عليها المسلمون والجو الذي فيـه يتنفس.
فإن قوى الوطن الإسلامي بعقيدته وعزه سرت القوة في أوصال الدين وبدأ عزيزًا منيعًا.
ذلك لأن الناس- بطبعهم- درجوا على احترام الأقوياء وتعظيم أعمالهم ومعتقداتهم وتقاليدهم حتى ولو كانت تافهة لا وزن لها.
وبطبعهم_ كذلك _ درجوا على احتقار الضعفاء، والسخرية من أعمالهم وتقاليدهم ومعتقداتهم. ولو كانت حقا لا شبهة فيه. لهذا دعا الإسلام المسلمين إلى القوة والأخذ بأسبابها. وأمرهم بإعداد العدة التي ترهب العدو وتقذف في قلبه بالرعب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْۚ﴾. (الأنفال:٦٠)
وبين لهم بجلاء أن أي تقصير أو إمساك عن تقوية المسلمين. وتأمين جبهتهم إنما هو انتحار وإلقاء بالنفس إلى التهلكة ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِۛ وَأَحْسِنُواۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ١٩٥)
وجعل النار وعذابها الأليم نهاية كل خانع مستضعف يرضى أن يعيش في حكم عدوه وتحت قهره وغلبته من غير أن يتحين الفرصة للخلاص.
ويتخذ الأسباب للتحرر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَاۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ۹۷)
ولقد أخذ المسلمون في عصورهم الأولى بتلك الوصايا، واستقبلوها بالسمع والطاعة فعزوا وسادوا ودخل في طاعتهم أرقى الأمم حضارة وخضع لسلطانهم أشد الدول بأسا.
وبعزهم عز الإسلام.. وسيادتهم ساد، وأخذ الناس يتزاحمون على منهله العذب.
ويدخلون فيه أفواجًا بعد أفواج.
إجلاء اليهود عن الوطن العربي
أولاً: لأنه دين الأقوياء الصالحين ومن شأن الضعيف أن يقلد القوي ويتشبه به، وبخاصة إذا أيقن بصلاحه.
ثانياً: لأنهم أيقنوا أن المسلمين- وهم في قلة عدد وعدة- لم يزيدوا عليهم إلا بهذا الدين الذي انفردوا به.
فهو إذًا مبعث قوتهم، وسر فدائهم ومصدر نصرهم.
ثم دب إلى المسلمين داء الأمم من قبلهم فأترفوا واستكانوا وحببت إليهم الدنيا.. وبغض إليهم الموت فتداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها!
ولم يكد ينتهي القرن التاسع عشر ويبدأ القرن العشرون حتى كانت الأمم الإسلامية كلها تقريبًا، في قبضة أعدائها تسام الخسف، وتنام على الضيم، وتمسك على الهون.
وكانت فتنة.. أصيب بها الإسلام والمسلمون.
أصيب بها الإسلام لأنه أصبح في يد الشرك، وتحت رحمة الوثنية في صور وألوان مختلفة.
وأصيب بها المسلمون لأنهم انتقلوا من الضد إلى الضد.. فانتقلوا من القوة إلى الضعف، ومن العز إلى الذل، ومن الحرية إلى العبودية، ومن السيادة إلى التبعية..
وزاد الأمر سوءًا أن المسلمين فقدوا شخصيتهم، وبدأوا يذوبون في الأمم الغالبة، والدول المستعمرة، فأصبحوا يمجدون لهم كل شيء حتى الشعائر والمعتقدات.. وكاد يصدق عليهم قول العلي الحكيم: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: ۲۰)
كما تحررت البلاد العربية. ونهضت.. وكادت تتم نعمة الله على العرب، ويحققون الأمل الذي طال حنينهم إليه، ومناجاتهم له.. غير أن أعداء العروبة والإسلام لم يقعد بهم الفشل. ولم تذهب بحماسهم الهزيمة فأخذوا يبحثون عن رأس جسر يحاولون العبور عليه من جديد إلى مغنمهم الضائع وفردوسهم المفقود فوجدوا في إسرائيل خير صدى لآمالهم وتعبير عن أحلامهم، ولماذا؟
۱ - لأن "إسرائيل" دولة عقائدية تعتمد على دين يمنيها بالملك، ويعدها بالسيادة، ويهون عليها كل تضحية تبذل في هذا السبيل.. ولا شيء يقاوم العرب الذين يدينون بالإسلام ويتخذون من وحيه وتعاليمه ووصاياه زادًا للكفاح، وحافزًا للجهاد ومبررًا للتضحية، ووعدًا بالنصر.. والذين انتصروا في المعارك التي خاضوها تحت لواء الإسلام سواء مع الصليبيين أهل الغرب أو مع التتار أهل الشرق.
لا شيء يقاوم هؤلاء العرب إلا أمة متدينة تقرع العقيدة بالعقيدة. وتحاول أن تفل الحديد بالحديد.
٢ - لأن اليهود عرفوا بالقسوة وغلظ الرقبة.. والاستجابة للحقد، والتعطش للدم.. لقد قتلوا أنبياءهم بغير حق. وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، وهو المسيح ابن مريم لولا أن رفعه الله.. وتاريخهم منذ وجدوا مصبوغ بالدم، موسوم بالغدر تتفجر من كل ناحية من نواحيه الأنانية، وحب الإفساد في الأرض.. فإذا واجهوا الأمة العربية بكل هذه الأحقاد والشرور، وشحذوها بسلاح الغرب المستعمر وتأييده السافر والمقنع فإنهم- ولا شك- سيصدمون العرب بقوة، وينالون منهم نيلًا عظيمًا، وفي هذا على الأقل شفاء لصدور الدول الاستعمارية التي أحرجها تحرر المسلمين وانفرادهم بخيرات بلادهم ومقاليد أمورهم.
3- أن اليهود عرفوا في تاريخهـم الطويل بالذلة والمسكنة وتسلط الدول عليهم وغلبة الأمم لهم فإذا وجدوا القوة على محاربة أمة، والفرصة لإنزال ضربة بها فإنهم يودعون في ضربهم كل ما في نفوسهم من غل وحقد، وكراهية وعقدة نقص.. وقديمًا قيل:
فإنك لم يفخر عليك كفاخر
ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
وقد أتتهم الدول الاستعمارية القوة. ودفعتهم في نحور المسلمين ليفعلوا الأفاعيل.
٤ ـ أن اليهود بتشردهم في الأرض وتغلغلهم في الشعوب قد استطاعوا أن يملكوا ناصية الإعلام ويحركوا أجهزته فإن انتصروا ملأوا سمع العالم بنبأ انتصارهم، وإذا أصيبوا حجبوا عن العالم أنباء إصابتهـم وتركوا أثرها يسقط دون مداه.
وبهذا يكيدون للعرب ويسلطون البلبلة والحيرة على الأنصار والمحايدين.. وهذا سلاح نفس خبيث قد يفعل ما لا تفعله الجيوش ويترك من الأثر ما لا تترك أحدث الأسلحة وأشدها ضراوة وفتكا.
هذه بعض طبائع عدونا الصهيوني.. فما هو واجبنا نحن العـرب المسلمين؟
إن أول واجب يحتل الحيز الأكبر من عاتقنا هو أن نعود إلى العقيدة الإسلامية، نتدرع بها، ونستنزل من سمائها المدد الذي يربط على القلوب ويثبت الأقدام، ويجعلنا على ثقـة بالنصر، ونحن نواجه عدونا ونحاوره لقد أفلح أعداؤنا- وما أكثرهم وأذكاهم- في الحيلولة بيننا وبين هذه العقيدة، وإقامة حاجز عازل يحول بين قلوبنا وحرارتها.
أوهمونا بأن العروبة وحدها تكفي سببًا للقوة مع أن العرب لم يعرفوا القوة والوحدة إلا بالإسلام..
وأوهمونا بأن الاعتصام بالدين تعصب لا يليق بعصر الفضاء، مع أنهم ينظرون إلى "إسرائيل" المتعصبة لدينها المتبجحة بعنصرها نظرة تفيض بالرحمة والحنان إن لـم تفض بالإعجاب والإكبار، وقد يختلفون معها على بعض التفاصيل، ولكنهم أبدًا متفقون على بقائها، وحمايتها بكل ما تمثله من أحلام مبعثها الدين.
لقد سبق للعرب أول عهدهم بالإسلام أن نازلوا اليهود في المدينة، واستطاعوا في أقل القليل من الزمن أن يستنزلوهم من صياصيهـم من وراء الجدر المانعة، والقرى المحصنة، وأن يجلوا بعضهم إجلاء ويستأصلوا البعض الآخر استئصالا.. ولم يكن المسلمون يظنون أنهـم ينتصرون بتلك السهولة.. ولم يكن اليهود يتوقعون أن يستسلموا بتلك السرعة.. ولكنه نصر الله ينزل على جنده وأوليائه في الوقت واللحظة الحاسمة ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: ۲)
إن العربي المسلم وهو يقاتل تحت راية العقيدة يحس بقوى تحوطه من كل جانب تسنده وتحميه وتضرب أمامه.. يحس بأنه في معركة ظافرة لأنه يقاتل لينصر الله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُۗ ﴾ (الحج:٤٠) ويحس بأنه في موقفه ذاك يحارب الشر والبغي والفساد، وهيهات أن يسلم الله الحق للباطل، وينصر الشر على الخير ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء:١٤١) ويحس بأنه مهما اشتدت المحن، وأبطأ النصر، وكثر الضحايا والشهداء فإن الغد لا بد أن يكون للمؤمنين لأن الله يقول وقوله الحق﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص:۸۳) وهذا الإحساس يعتبر قديمًا وحديثًا عدة المجاهد وزاد المناضل، وعزاء الشهيد، ومقدمة النصر المبين.
فيا مسلمي العصر الحاضر، هل لكم أن تعودوا إلى سر قوتكم، ومصدر عزكم وسيادتكم إلى الدين تدعمون به نضالكم وتستغيثون به ربكم، وتصارعون عدوكم بسلاح أمضى من سلاحه؟ حينئذ ستلبون بسهولة ونشاط قول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِۚ﴾ (التوبة:٤١) وتصدقون بقوله ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْۗ﴾ (التوبة:١٤)