العنوان إحالة الأمم المتحدة إلى التقاعد.. الدور العالمي لحلف الأطلسي
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1345
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 13-أبريل-1999
قبل عشرة أيام من حلول الذكرى الخمسين على تأسيس حلف شمال الأطلسي «ناتو» الذي تأسس في أبريل عام 1949م، دارت الآلة العسكرية للحلف بعد صمت دام نصف قرن. لكن العمل العسكري لم يكن هذه المرة تنفيذًا لأحد بنود معاهدة «الدفاع» المشترك عن دول المعسكر الغربي، ولكنه كان «هجومًا» على دولة أخرى هي يوغوسلافيا؛ بسبب سلوكها العدواني المتوحش ضد ألبان كوسوفا، ورفضها التوقيع على اتفاق رامبوييه الذي رعته الدول الغربية، ووافق عليه ألبان كوسوفا.
الضربة العسكرية فجرت أكثر من سؤال في أكثر من اتجاه، أهمها ما يتعلق بمستقبل حلف شمال الأطلسي الذي تدفعه الولايات المتحدة لممارسة دور شرطي العالم بتكلفة تتقاسمها دول الحلف بدل أن تقوم هي بهذا الدور بمفردها، فضلًا عن التساؤل: هل كانت الضربة العسكرية لنصرة مسلمي كوسوفا؟ هل نؤيد الضربة لأنها ردع للظالم أم نرفضها لأنها تجاوز للحدود؟
كانت نشأة حلف شمال الأطلسي استجابة لظروف فترة الحرب الباردة التي ظهرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والاستقطاب الشديد بين المعسكرين: الغربي بقيادة الولايات المتحدة، والشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، وقد بقي الحلف ما بقيت تلك الحقبة وإن لم يدخل طوال سنواتها مرحلة اختبار لقدراته أو لضرورة بقائه.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك حلف وارسو الذي أنشأه الاتحاد السوفييتي السابق مع دول شرق أوروبا لمناوءة حلف الأطلسي، ومع زوال حقبة الحرب الباردة، ثارت التساؤلات حول مستقبل حلف الأطلسي، وأهمية وجوده ومهامه المستقبلية، وفيما كان بعض الدول الأوروبية، وبخاصة فرنسا، يميلون إلى تقليص دور الحلف، كانت الولايات المتحدة تخطط- وقد نجحت بالفعل- في تحويل الحلف إلى آلة عسكرية تخدم استراتيجيات ما بعد الحرب الباردة، مع التوسع في مفاهيم وآليات عمل الحلف ليتجاوز أوروبا، ويمتد نطاق عمله حول العالم ليشمل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبحر قزوين، والقوقاز ، ومن ثم ومن باب أولى ليشمل أي مناطق أخرى في أوروبا، مثلما هو الحال في كوسوفا مسبقًا، ومن قبل بشكل محدود في البوسنة، حيث سبق أن أنشأ الحلف قوتي كفور وسفور لتأمين الوضع العسكري في الجمهورية الممزقة.
الاستراتيجية الجديدة
في اجتماع وزارة خارجية الحلف في بروكسل في ديسمبر الماضي، عرضت مادلين أولبرايت خطط الاستراتيجية الجديدة للحلف والمتمثلة في:
1 - إمكان التحرك العسكري للحلف بكامل الحرية بعيدًا عن الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وبصرف النظر عما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة من احترام سيادة الدول.
أولبرايت قالت للحلفاء: إن الولايات المتحدة ترغب في وضع مفهوم استراتيجي جديد لمهام الناتو في مطلع القرن الواحد والعشرين يجعل النظرة الأطلسية مستقلة تمامًا عن الأمم المتحدة، ويعطيها صلاحية التدخل السريع في الأزمات الدولية التي تمس مصالح أعضاء الناتو.
ولذلك، نجد أن تبرير الرئيس الأمريكي للتدخل العسكري ضد يوغسلافيا جاء في هذا الإطار؛ إذ يقول: إن الأحداث الأخيرة وقعت «قرب الخاصرة الهشة للناتو في أوروبا في منطقة تتقابل فيها القارات والثقافات والإسلام والمسيحية»، وأن هذا التدخل «الوقائي» يهدف إلى «منع تفجير نزاعات دينية وعرقية ستجر العالم بأسره إلى حرب عالمية ثالثة»، وقوله في موضع آخر: إن الهدف هو تجنب امتداد الحرب ونزع فتيل التفجير في برميل من البارود في قلب أوروبا سبق وانفجر مرتين خلال القرن الحالي، وتسبب في نتائج كارثية.
الولايات المتحدة وسعت دور الحلف ليقوم بدور شرطي العالم بدلًا منها، وبتكلفة تشارك فيها ١٩ دولة.
كوسوفا حالة مثالية اجتمعت فيها الأسباب الثلاثة للتدخل المباشر: المصلحة الاقتصادية، الدوافع السياسية، والمساعدة الإنسانية.
ماذا نقول الآن بشأن اتهام الغرب بأنه يكيل بمكيالين؟ وهل يتحول الاتهام إلينا في المستقبل؟
ولا شك في أن التصرف المستقل بعيدًا عن الأمم المتحدة يجنب الحلف صداع «الفيتو»، حيث تسبب حق النقد الذي تتمتع به الدول الخمس الكبرى في فشل حركة مجلس الأمن في معظم الأحيان، ولم يكن متوقعًا أن توافق روسيا أو الصين على قرار بضرب يوغسلافيا.
2 - ووفق هذا المفهوم الجديد، يتسع نطاق مسرح عمليات الخلاف ليشمل أية منطقة في العالم تمس فيها مصالح الناتو، والشرق الأوسط ليس ببعيد، حيث القضية الفلسطينية ما زالت قائمة، وحيث توجد دول مشاكسة أو خارجة على القانون بالمفهوم الغربي مثل: إيران والعراق وليبيا «التي يجري استئناسها حاليًّاعبر تسوية قضية لوكيربي» فهل يتدخل الناتو في المنطقة إذا وقع صراع في المستقبل مع العدو الصهيوني؟
لقد حاول الناتو تجنب جلب عداوة بعض الدول الصديقة جنوبي المتوسط، فأجرى حوارًا مع عدد منها، استبعدت منه سورية وليبيا، وكان الهدف من الحوار تبديد سوء الفهم المحتمل، والمخاوف الناجمة عن تشكيل قوة التدخل السريع لشمال أفريقيا. ولكن هل يمكن أن تختفي المخاوف فعلًا طالما بقي شبح التدخل قائمًا؟ وهل نتوقع أن يكون التدخل لصالح نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم مثلًا؟ وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون يتوقع أن تكون إسرائيل يومًا ما «ضحية» إجراء مماثل، ولا شك أن في هذا التخوف قدرًا كبيرًا من المبالغة والمراوغة، وإن كنا نأمل أن يأتي هذا اليوم الذي يكفر فيه الغرب عن ذنبه بإنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين.
4 - ومثلما يجري توسيع نطاق مسرح العمليات، يجري أيضًا توسيع أنواع وأشكال التهديدات المحتملة لتشمل الأعمال الإرهابية، والتمييز الديني، والهجرة غير القانونية لبلاد الشمال، فضلًا عن امتلاك أسلحة الدمار الشامل. وهذا الأمر يحمل في طياته مخاطر جمة، خاصة أن كثيرًا من الدول العربية والإسلامية تضم أقليات دينية وعرقية يجري تحريكها والتلاعب بقضيتها من قبل أطراف غربية. وربما تكون إثارة قضية طائفية صغيرة في بلد ما، أو وجود حالة إسلامية يُصنفها الناتو على أنها إرهابية سببًا في المستقبل لتوجيه الضربة العسكرية.
5 - ومع توسع مسرح العمليات وأنواع التهديدات، يتجه الرأي أيضًا لتوسيع استخدام الأسلحة، حيث يجري الحديث عن تغيير العقيدة القتالية لحلف الأطلسي، بحيث يمكن استخدام الأسلحة النووية عند أي خطر محتمل دون تقديم أي سابق إنذار مسبق.
التوسع الجغرافي
وفي اتجاه موازٍ، لجأ حلف شمال الأطلسي إلى توسيع الرقعة الجغرافية للحلف شرقًا لتلامس حدود روسيا «التائهة»، وذلك بضم ثلاث دول كانت في السابق أعضاء في حلف وارسو، وهي المجر وبولندا وتشيكيا، مع الاستعداد لضم ثلاث دول أخرى، وهي ليتوانيا وأستونيا ولاتفيا التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي السابق، والتي نجحت الولايات المتحدة في جعلها منطقة نفوذ أمريكي صرف، ووقعت معها ميثاقًا للتعاون في مجال الأمن، بل إن بعض كبار المسؤولين في تلك الجمهوريات يحملون الجنسية الأمريكية، وتستهدف هذه التحركات تضييق الخناق على روسيا، والإمعان في إذلالها، وهو أمر يحذر بعض الروس المتحمسين للتعاون مع الغرب من ردود فعله السيئة، بما في ذلك صعود موجة التعصب القومي وازدياد نفوذ الشيوعيين، ويذكرون في هذا الصدد بما حدث مع ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وها هو الناتو يستكمل مسلسل الإذلال لروسيا بضرب حليفها في يوغوسلافيا، ومحاربتها في أقوى مناطق نفوذها في أوروبا.
ولكن يلتسين المترنح أبدى قدرًا كبيرًا من البراجماتية، ورفع الغطاء عن صربيا بعد إغراءات مالية هو في أمس الحاجة إليها، ساهم فيها صندوق النقد الدولي، مبررًا ذلك بأن «الخطأ المأساوي الذي يرتكبه المسؤولون الأمريكيون في كوسوفا ينبغي ألا يتحول إلى أزمة طويلة الأمد في إطار الشراكة الروسية الأمريكية، وأن روسيا اتخذت خيارها «والصحيح أنها غيرت خيارها»، ولن تسمح «والصحيح أنها عرفت أنه لن يسمح لها أن تجر إلى النزاع في كوسوفا».
ويلاحظ هنا أن يفجيني بريماكوف- رئيس الوزراء الروسي الحالي- هو نفسه الذي كان مبعوث الاتحاد السوفييتي لدى بغداد إبان أزمة احتلال الكويت، وقد انتهت مفاوضاته هناك إلى رفع الغطاء الروسي أيضًا عن العراق.
الموقف الإسلامي
بدأت الضربة العسكرية ليوغسلافيا قبل يومين من وقفة عرفات، مثلما كانت الضربة الأخيرة على العراق قبل يومين من بدء شهر رمضان الماضي، هل لهذا التوقيت دلالة خاصة؟ هل أراد الغرب توجيه رسالة إيجابية للمسلمين أننا لسنا دائمًا ضدكم، وأنه يمكننا أن نتدخل أيضًا لصالح المسلمين إذا كانوا مظلومين؟، وأن مواقفنا ضد العراق أو ليبيا أو إيران أو غيرها لا بسبب انتمائها الديني وإنما لأسباب أخرى؟
في الواقع، فإن كثيرًا من الإسلاميين أصابتهم الحيرة عند بادية القصف الجوي ضد يوغسلافيا، وذلك لسببين:
1. اعتقادهم وطول ترديدهم أن الغرب لن يُقدم على مساعدة أهل كوسوفا، ودليل ذلك التسويف الذي بدا مملًا والمماطلة السخيفة التي اتسمت بها سياسة الناتو تجاه أزمة كوسوفا، ويكفي أن الحلف وجه خمسين إنذارًا ليوغسلافيا قبل أن يبدأ ضربته.
٢ - أن موقف الغرب ظهر في بدايته وكأنه يضرب سياسة الكيل بمكيالين التي عرفت عنه، والتي كاد معظم المسلمين يقتنع بأنها سياسة ثابتة لن تتغير.
قبل الحكم على الموقف الغربي من قضايا المسلمين. وهل يقبل الغرب أن ينصرهم أم لا؟... نستعرض أسباب التدخل بشكل عام:
فالتدخل العسكري المباشر- في أي مكان- له ثلاثة أسباب رئيسة:
١ - المصلحة الاقتصادية.
٢ - الدوافع السياسية.
٣ - المساعدة الإنسانية.
وقد يحدث التدخل لواحد أو أكثر من هذه الأسباب المذكورة، ولما كانت كوسوفا حالة مثالية إذ تتوافر لها الأسباب الثلاثة، حدث التدخل بصرف النظر عن كون أغلبية أهل كوسوفا من المسلمين.
١ - فأي اضطراب سياسي يمكن أن يؤثر على الوضع الاقتصادي في أوروبا الشريك الأكبر للولايات المتحدة، خاصة إذا كان مرشحًا للانتشار إلى دول أخرى.
٢ - ومن المصلحة السياسية تكسير عظام النظام الديكتاتوري الوحيد المتبقي في أوروبا من مخلفات الحرب الباردة الذي أصبح وجوده نشازًا بعدما تغيرت نظم أكثر ديكتاتورية مثلما كان عليه الحال في ألبانيا ضمن عملية «الدمقرطة».
٣ - إن يوغسلافيا الأرثوذكية لا تتناغم مع أوروبا الكاثوليكية- البروتستانتية، ولا مع التشكيلة الغربية الجديدة التي يعبر عنها البعض بـ «الثقافة الأطلسية».
وهذه الضربة تحجمها وتعزلها في آن واحد.
٤ - وقد نالت حملة التطهير العرقي الشرسة التي نفذها الصرب في كوسوفا تغطية إعلامية عالمية ساهمت في خلق رأي عام عالمي متعاطف ومؤازر لضرب المتسبب في تلك المأساة.
5 - تعاني أمريكا من موجات الهجرة غير القانونية، ولا ترغب في استقبال المزيد من اللاجئين من كوسوفا، ومن المهم العمل على إبقاء هؤلاء في أماكنهم.
صحيح أن ضربات الأطلسي تسببت في رد فعل انتقامي من الصرب تمثل في تسريع حملة التطهير العرقي، ونزوح مئات الآلاف من ألبان كوسوفا، ويبدو ذلك- على المدى القصير- مناقضًا للهدف المعلن من الحملة، ولكن لا يمكن الجزم بما سيكون عليه الحال قبل أن تنتهي العملية العسكرية ونرى... هل عاد المهجرون إلى إقليمهم مرة أخرى؟ علمًا بأن السوابق التاريخية في موضوع الهجرة ليست مطمئنة.
فقليل من المهاجرين من عاد إلى وطنه.. ومأساة فلسطين ماثلة أمام الأعين.. كما أن مهجري البوسنة لم يعد منهم إلا نسبة قليلة.. ومما يزيد من القلق أنه قد بدأت بالفعل عمليات إسكان لمهاجري كوسوفا في بعض البلدان المجاورة، ونقل آخرون إلى بعض بلدان أوروبا الغربية.
ويلاحظ هنا أن الغرب لم يكرر موقفه في البوسنة بالرغم من أن الوضع في البوسنة كان أدعى إلى التدخل، ومع ذلك ترك الغرب الصرب يستبيحون الملاذات الآمنة التي أعلنتها الأمم المتحدة في البوسنة، حيث ارتكبوا مجازر فظيعة.
٦ - إن التدخل الغربي لن ينتهي- في الأغلب- عند وقف إطلاق النار، فحسب تصريح روبين كوك وزير الخارجية البريطاني، فإن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يشمل وجود حلف شمال الأطلسي في إطار قوة حفظ سلام، وبذلك يكون للأطلسي وجود دائم في يوغسلافيا.
7 - إن الغرب حقق بتدخله في يوغسلافيا سابقة تاريخية خطيرة، وهي جواز التدخل العسكري المباشر في شؤون دولة أخرى مستقلة ذات سيادة لدعم أقلية دينية أو عرقية مستضعفة. وقد كانت كوسوفا- كما ذكرنا- حالة مثالية لهذا التدخل، حيث نال التدخل استحسان معظم دول العالم وشعوبه. فإذا حدث التدخل مستقبلًا في منطقة أخرى، فإنه من الصعب المجاهرة بمعارضته. وساعتئذ سيوجه الناتو الاتهام إلى الآخرين بأنهم يكيلون بمكيالين.
إحالة الأمم المتحدة إلى التقاعد
ولعل آخر النتائج المهمة لعملية الضربة العسكرية ضد يوغسلافيا أن دول الناتو وقعت مع أول طلقة شهادة إحالة الدور السياسي الدولي للأمم المتحدة إلى التقاعد، وليس ذلك بمستغرب فالمنظمة الدولية نشأت عام ١٩٤٥م لتكون أحد أدوات النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وحيث إن تلك الفترة قد انتهت، فلا بد أن تحال أوراقها إلى التقاعد، ومنها الوظيفة السياسية للأمم المتحدة، ولا يعني ذلك إلغاء الأمم المتحدة بالكامل، فالأغلب أنها ستبقى لفترة قادمة، ولكنها ستحصر اهتماماتها في المسائل غير السياسية، مثلما هو الحال مع مؤتمرات المرأة والسكان، والمجتمعات العمرانية والبيئة.
نقطة مهمة أخيرة تدخل تحت باب تصاريف القدر.. قد لا يدركها هؤلاء الذين يقيسون السياسة بالمسطرة... وهي أن الله سبحانه وتعالى مدير الكون والمتصرف فيه، يسلط الناس بعضهم على بعض، وقد علم سبحانه ضعف أهل البوسنة وكوسوفا وقلة حيلتهم، فسلط حلف الناتو على الصرب؛ لينتقم منهم جراء ما ارتكبوه بحق الأبرياء. ورب دعوة انطلقت من أم ثكلى أو فتاة مغتصبة، أو شيخ مشرد فسمعها الله تعالى فانتقم من الظالمين ولو بعد حين.