العنوان إحساس بالألم
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2012
مشاهدات 52
نشر في العدد 2007
نشر في الصفحة 48
السبت 16-يونيو-2012
يتشكى كثيراً من توالي المصائب عليه ويلخص حياته بأنها سلسلة متصلة الحلقات من الآلام والمحن، يخرج من حفرة ليقع في جرف، الحظ لا يبتسم له إلا نادراً.
ليست هذه المشكلة فحسب إحساسه الدائم بأنها عقوبات إلهية على أخطاء ارتكبها وذنوب قارفها في لحظة طيش غاب عنها الشعور بالرقيب الإيماني، يضاعف إحساسه بالألم، ويحول المعاناة المادية الحسية إلى عذاب نفسي، ويضعف قدرته على الصبر والمقاومة. جميل أن يكون لديك رهافة إحساس ويقظة ضمير حتى لا ترى نفسك مطهرا بريئا، على أن اعتبار المصيبة عقوبة مرتبة على ذنب سابق من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. والنصوص صريحة في أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، إن كان في إيمان الإنسان صلابة اشتد عليه البلاء، وإن كان في إيمانه ضعف خفف عنه، فعن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟
قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (رواه أحمد، وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح.
وفي الحديث: «وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَب قَوْماً ابْتَلَاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فله السُّخْط»، فجعل العقوبة على عدم الصبر، ولم يجعل المرض أو الحزن ذاته عقوبة.
وحتى في الحال التي قد يكون الابتلاء عقوبة، ويكون ناجما عن مباشرة فعل هو سبب المصيبة؛ كمن يُبتلى بالأيدز – مثلاً – بسبب علاقة محرمة، مما يُرجح أن يكون الأمر ابتلاء، فهذا ينبغي أن يخفف من ألمه ؛ لأن عقوبة الدنيا أهون من عقوبة الآخرة والعقاب هنا تطهير للروح ورحمة للعبد، وقد يعود بعد التوبة خيرا منه قبل الذنب وأقرب إلى الله تعالى وأنقى وأتقى.
ولذا جاء في الحدِيث عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرِّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَفَّى به يوم يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
فجعل تعجيل العقوبة من إرادة الله عز وجل الخير بعبده، ولم يجعله علامة غضب أو مقت.
والمرض أو الفشل له أسبابه المادية الواضحة، والتي تكون معلومة في أحيان كثيرة، وتجري نواميسها على البر والفاجر والمؤمن والكافر، وكل الناس يبتلون بالأمراض والحوادث والكوارث، ويزيد ذلك أو ينقص بحسب الاحتياط والانضباط وفعل الأسباب أو إهمالها والغفلة عنها. ولكنه يكون للمؤمن تكفيراً وتطهيراً في حالات، ويكون رفعة درجات وزلفى في حالات أخرى. ويقظة ضمير المؤمن تجعله يرجو ويخاف، حتى الأنبياء – عليهم السلام – كانوا كذلك. وحين تسألني : كيف نفرق بين الابتلاء وبين العقاب أو البلاء ؟
فالأصل في التفريق إنما هو بالنظر إلى ما بعد المصيبة، وليس ما قبلها؛ فإذا صبر وتجلد، ورضي بما كتب الله تعالى واستغفر لذنبه؛ فهذه علامة رفعة الدرجات وتكفير الذنوب، وإذا جزع وتذمر، وتسخط، واستسلم للشر؛ فهي علامة الخسار والبوار والحرمان فكر بالمستقبل، وكيف تكون إيجابياً في التعامل مع المصيبة، وليس في الماضي فحسب، فلست قادرا على تغيير الماضي مهما يكن أسود كالحا. حاذر اللغة السلبية التي تبعدك عن الله تعالى ولا تقول: حتى ربي يكرهني البلاء خير بشرط أن تعتبره خيرا. أن تصبر وتستعين بالله تعالي، وفي الصحيح مرفوعا: «عَجَباً لأمر المؤمن إِنَّ أَمْرَهُ كله خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لَأَحَدٍ إِلَّا لَلْمُؤْمِن؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ».
لست أجد فرقاً صحيحاً بين كلمة بلاء » وكلمة «ابتلاء» إلا أن يكون البلاء هو نفس المرض أو المصيبة، فالاكتئاب بلاء والإعاقة بلاء، والابتلاء » هو وقوعه على الإنسان فيُسمى المصاب مبتلى. والزعم بأن البلاء للكافر والابتلاء للمؤمن ليس دقيقا ، وقد قال تعالى: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (الكهف)، وقال: وبلوْنَاهُم بالحسَناتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨ ﴾ (الأعراف).
الغموم والهموم تحد يواجهك، ويستفز طاقاتك، ويحرِّك مكامن القوة في نفسك شرط ألا تستسلم لليأس والقنوط، ولا تسمح للوساوس أن تستحوذ عليك، وبذكر الله تطمئن القلوب. وليس أحد قط إلا وهو مبتلى وإن تنوعت الصيغة، ولذا قال سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (محمد). الروح المؤمنة الموصولة بخالقها سبب في التكيف مع الظروف مهما كانت صعبة ومفاجئة أحياناً؛ ﴿وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ (التغابن : (۱۱)، وهي سبب للشفاء والعافية، والاستجابة للعلاج المادي والنفسي.
قد يُنعِمُ اللهُ بِالبلوى وَإِنْ عِظُمَتْ ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل