العنوان في مجرى الأحداث.. «حماس». عبقرية البناء. وشرف الرسالة
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006
مشاهدات 118
نشر في العدد 1721
نشر في الصفحة 17
السبت 30-سبتمبر-2006
المعركة التي تخوضها حركة حماس منذ نزولها إلى ميدان السياسة بكثافة عقب تشكيلها للحكومة الفلسطينية في الخامس والعشرين من مارس الماضي جديرة بالتوقف والتأمل. فليست المسألة فقط فوز حركة في الانتخابات ولا هي عملية تشكيل حكومة وما يكتنفها من مصاعب ولا هي معوقات في سبيل أدائها.
وإنما جوهر المسألة هو صراع الإرادات في خضم حرب حقيقية بين مشروعين تاريخيين ومصيريين. مشروع صهيوني يسعى للاستفحال والتوسع وابتلاع القضية الفلسطينية وإنهائها من الوجود. ومشروع صمود فلسطيني يقاوم من أجل البقاء والوجود وتقوده حماس مع كل القوى الحية والمجاهدة على الساحة الفلسطينية. هذا المشروع الفلسطيني المقاوم ليس وليد اليوم وإنما ولد مع الخيوط الأولى لـ"نكبة فلسطين"، وتناقلته كتائب الجهاد من أجل تحرير فلسطين جيلاً بعد جيل.
ومن يتوقف أمام وقائع الصراع منذ بواكير انتفاضة الشعب الفلسطيني عام ۱۹۱۹م حتى اليوم يكتشف إلى أي مدى جرى خداع انتفاضات المقاومة الشعبية عبر مشاريع سلام وهمية في شكل لجان تحقيق أو إعلان هدنة «خاصة الهدنة الأولى في حرب عام ١٩٤٨م» دون تحقيق أي مكاسب للطرف الفلسطيني، بل إن ما حدث هو مزيد من الخسائر في ميزان حقوقه من جانب وإطفاء جذوة النضال من جانب آخر لصالح الطرف الصهيوني. والسبب أن حركات المقاومة في ذلك الوقت لم تنغمس في ميدان السياسة وتدرك ألاعيب وخداع الصهاينة والقوى العالمية الداعمة لها فحدث ما حدث.
واليوم يختلف الوضع مع حركة حماس، فقد هضمت تلك الحركة درس التاريخ جيدًا واستوعبت تضاريس وتاريخ القضية الفلسطينية منذ نشوئها وتطورات مراحل الصراع فيها، وتعي ما جرى عبر مسيرة تفاوض السلطة الفلسطينية مع العدو وما تخللها من عقد اتفاقيات سلام منذ مدريد حتى خارطة الطريق، وهي مسيرة فاشلة ولكنها للأسف ما زالت متواصلة. وفي التحليل الأخير، فإن حماس اليوم تعي درس التاريخ والسياسة جيدًا، وبناءً على ذلك فهي تخوض اليوم معركتها السياسية بإدراك ووعي من الطراز العالي، وتسطر ملحمة سياسية لا تقل إبداعاً عن ملحمتها العسكرية المشرفة، وهي في كل الأحوال تعي رسالتها تمامًا دون تفريط أو تردد.
إن حماس، وعبر مسيرة تسعة عشر عاماً منذ نشأتها «13/۱۲/1987م»، أحدثت، ومعها قوى المقاومة الإسلامية والوطنية، انقلاباً في ساحة الصراع وفرضت واقعًا جديدًا على الأرض وعلى جميع القوى المتصلة بالقضية الفلسطينية، فهي التي أبدعت نظرية توازن الرعب مع العدو.
أما فيما يتعلق بحماس كفكرة وتنظيم، فهي ولدت بداية من رحم المحنة الفلسطينية ونبتت في التربة الفلسطينية كضرورة وطنية أصيلة ولهدف واحد هو تحرير كامل التراب الفلسطيني. فحماس، الفكرة والتنظيم والأيديولوجية، فداء لفلسطين.
لقد سمعنا في مراحل عدة من تاريخ القضية عن نضال الميكروفونات ونضال الفنادق والغرف المكيفة، ممن حاولوا امتطاء القضية واحتكارها حتى ظهرت حماس التي كونت مع كل القوى الوطنية والإسلامية المجاهدة منظومة فريدة ديدنها الجهاد على الأرض عسكريًّا وسياسيًّا، ولا ترضى بغير التضحية بالنفس بديلًا، وذلك ما يحير ألباب الصهاينة وأعوانهم.