العنوان النجوى.. طريق البطالة
عنوان تمهيدي إحياء فقه الدعوة
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974
مشاهدات 18
نشر في العدد 192
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 19-مارس-1974
رائع هو فقه الفاروق حقًا!
فالحكم العمرية، في إجمال قواعد
الإيمان وموازين الإسلام وأصول الدعوة، هي أوضح وأحسن تفسير شامل للقرآن الكريم
ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشعر الفاحص لأقواله -رضي الله عنه- أنها
نتاج تأمل، صنف عمر خلاله النصوص التفصيلية وجزئيات الشريعة والعقيدة إلى مجاميع
متقاربة في معانيها وعللها، وألحق كل حكم بنظيره وشبهه، ثم رأى من بعد القاسم
المشترك الذي ينتظم كل مجموعة، فاستلَّ من ذاك القاسم قاعدة أو ميزانًا أو أصلًا.
إنه نمط من الاجتهاد الاستنباطي
الذي لم يفصح عن خطواته عمر، ولم يسجل مراحله أحد، ولكن من يعاني التفقه يدرك أنه
من المفترضات البديهية التي كانت سابقة حتمًا لنطق الراشد الثاني -رضي الله عنه-
بما نطق، فإن الحكمة تنقدح في قلبه في ساعة تفكر، فتظل تتقلب وتجيش في صدره مدة،
حتى تصادف ذروة خشوع في إحدى صلواته، فيرجح عنده صوابها مع ذاك التصاعد، فيدعها
بعد انفلاته من صلاته موعظة سائرة على مدى الأجيال لأولي الاعتبار.
كل فقهه وفعله كان كذلك -رضي الله
عنه- حتى إنه كان يخطط لجيوش الفتوح وهو في صلاته، كما أخبر عن نفسه.
ولذلك كانت الحكمة العمرية مرقاة
المتفقه، ولذلك كان السابقَ، ولذلك أيضًا.. كان المنتصر..
الفتن بقية جاهلية
ومقالته: «إنما تنقض عرى الإسلام
عروة عروة: إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية».. مقالة جمعت كل ضروب فقهه
ذاك، فهي قاعدة إيمانية إن شئت، وهي ميزان، كما أنها أصل من أصول الدعوة أصيل.
لا بد من معرفة الجاهلية.
يسميها الجاهلية متابعة للقرآن
ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الشر كذلك، والشرك، صغيرًا كان أم كبيرًا،
وحكم الطاغوت، وهي المعاصي غير المكفرة صاحبها أيضًا.
كل ذلك يعنيه عمر.
ويشهد لنا في أنها المعاصي أيضًا،
لمها وكبائرها، قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين عير بلالًا بأمه
السوداء: «إنك امرؤ فيك جاهلية».
فسماها جاهلية، لأنها بقية باقية
من خلق الجاهلية وإن لم تنقل أبا ذر وراء حائط الإسلام.
قال البخاري: «المعاصي من أمر
الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
إنك امرؤ فيك جاهلية»(1).
قال ابن حجر: «أي إن كل معصية
تؤخذ من ترك واجب أو فعل محرم فهي من أخلاق الجاهلية»(2).
وهكذا توافق رأي عمر مع فعل حذيفة
بن اليمان في سؤاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الشر والفتن مما عرفناه عنه
حين رؤيتنا الماضية لدور الصخب في إجلاء الخير.
والفتنة معصية، فهي جاهلية وإن لم
تسحب صفة الكفر على مقارفها، ولا بد من معرفتنا بها، وتفقيه الدعاة بأوصافها
وعلاجها، وإلا نقض الإسلام عروة بعد عروة.
بل الحقيقة أن التفرق والخلاف كان
من أبرز ظواهر جاهلية العرب، وأَوْلى المعاصي بتطرق فقه الدعوة لها.
وذلك مبرر جديد، عمري النسبة،
يشجع بحوثنا على فضح أباطيل الفتن والمفتنين.
والفتن أنواع وضروب، منها التي في
العقيدة، ومنها التي في التعامل والسلوك والحلال والحرام، ومنها الطفيفة، ومنها
الغليظة، ونحن نتعلم ها هنا فتن التعامل الجماعي التي تطرأ على المجموعة المتعاهدة
على الدعوة إلى الله، الساعية لإقامة حكم الله، أو الحاكمة به.
يجب أن نعرف جاهلية الخلاف وخلع
الطاعة ونكث العهد والتخذيل، وإلا نقضت وهدمت عرى الدعوة عروة أثر عروة، وتقاعد
الدعاة عن العمل فوجًا تلو فوج، وارتفعت معاني الإخوة من ساحتهم.
قال ابن تيمية -رحمه الله: «وهو
كما قال عمر، فإن كمال الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمام ذلك
بالجهاد في سبيل الله، ومن نشأ في المعروف لم يعرف غيره فقد لا يكون عنده من العلم
بالمنكر وضرره ما عند من علمه، ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم،
ولهذا يوجد عند الخبير بالشر وأسبابه -إذا كان حسن القصد عنده- من الاحتراز عنه
ومنع أهله والجهاد لهم ما ليس عند غيره.
ولهذا كان الصحابة -رضي الله
عنهم- أعظم إيمانًا وجهادًا ممن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم
للخير وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقبح
حال الكفر والمعاصي»(3).
وعي يفضح المخادع
ومن حكمة عمر في هذا الباب أيضًا
قوله: «لست بخب، ولا يخدعني الخب».
والخب، بفتح الخاء وكسرها، هو:
المخادع الخبيث الذي يسعى بين الناس بالفساد.
وهذه الدعوة مباركة، تربي أبناءها
على ألا يكونوا أخبابًا، بل تؤلف أرواحهم، وتريهم أنوار الفطنة، وتعلمهم النية
الصالحة والقول الطيب، وتحذرهم سهام الشيطان، والتأويل المستدرج، ثم توجه الرهط
المخطئ منهم نحو تربية تستدرك.
ولكنها دعوة مفتحة الأبواب، قد
يختلس الخب فرصة، فيلج على حين غفلة من الحارس، ويتخفى دهرًا.
ولذلك وجب على هذه الدعوة
المباركة أن تربي أبناءها أيضًا على اكتشاف مخادعة الخب، كل خب، وتصف لهم لحن
قوله، وظلمات دروبه، وخروق استدلالاته.
«فالقلب السليم المحمود هو الذي
يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، فأما من لا يعرف الشر فذاك
نقص فيه لا يمدح به»(4).
قالها ابن تيمية ثانية.
ولقد كان الجدل، والكذبة التي
تطوف الآفاق، من آخر أساليب الأخباب التي فضحتها أنوارنا، وما زالت الفطنة العمرية
السمت، تتوهج، لتؤنس مسيرتك بلألأة ألوان طيف.
النور الثالث عشر: من شمس «ترك
النجوى»
فإن مجالس المؤمنين لم تعرف إلا
زيادة الإيمان لها هدفًا، وكان ابن رواحة يأخذ بيد أبي الدرداء -رضي الله عنهما-
ويقول: «تعال نؤمن ساعة»(5)، فيتذكران أمر الإيمان، ويتعرفان على مسالك التوبة،
ويتآمران بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.
وكان عمر بن عبد العزيز يأمر أبا
بكر بن عمرو بن حزم -رحمهما الله- بالجلوس للتعليم، ويقول له: «ولتجلسوا، حتى يعلم
من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا»(6).
وجعل أحمد بن أبي الحواري الدمشقي
المجالسة دواء قسوة القلب، فقال: «إذا رأيت من قلبك قسوة فجالس الذاكرين، واصحب
الزاهدين».
فمجلس المؤمن عزيز، ولا ينبغي له
أن يجلس إلا بنية أن يؤمن ساعة ثم يقوم، متداولًا آية أو حديثًا أو وصية حكيم من
صالح المؤمنين، وليس من حقه أن يميل بالجالسين معه إلى نقد اجتهادات قادته بما
يهاب أن يذكره لهم صريحًا.
وكذلك غدوات المؤمنين وروحاتهم،
فإنها ثمينة مثل مجالسهم، ومن لم يجد عند الذين حوله فقهًا فإن عليه أن يسيح طلبًا
له، كما كان التابعي علقمة بن قيس النخعي الكوفي يقول لأصحابه: «امشوا بنا نزدد
إيمانًا (یعني يتفقهون)»(7).
أو يذهب إلى من يرجو أن يلين له
قلبه، إذا ألهاه الصفق بالأسواق وأحاديث الرواتب وفرق الأسعار، كما كان التابعي
ميمون بن مهران يذهب إلى سيد التابعين الحسن البصري ويطرق بابه ويقول له: «يا أبا
سعيد: قد آنست من قلبي غلاظة، فاستلن لي منه»(8).
فإن لم يجد الصاحب الجليس الصالح،
والمداوي الملين، فإن أمامه خلوة ساعة تذيقه حقيقة اللذة، فإنه «ما تلذذ المتلذذون
بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل»، كما يقول التابعي مسلم بن يسار(9).
ثم أمامه المحراب، يذكره به
التابعي بكر بن عبدالله المزني ويتساءل: «من مثلك يا ابن آدم؟ خُلي بينك وبين المحراب
تدخل منه إذا شئت على ربك، ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان»(10).
الاجتهاد لا ينمو في الجيوب
فأما منصف نفسه فيطلب ذلك، من
مجلس أو رحلة أو خلوة أو لبث بمحراب، يأنس بمخالطة من شاء من أفراد جماعة الإيمان،
أو يقتدي بما يروى له من فعل المهتدين.
وأما المشرف على ضلالة، فإنه
يتوارى مع صحب له عن العيون، ويكتم سره عن الجماعة، ويبثه لمن يهواه، فيؤز بعضهم
الحمية النفسية في البعض الآخر، فيكون حنق، فتثبيط، فتبرير لا يبرأ من تدليس، فإذا
هو افتتان.
تلك التي عرفها عمر بن عبد العزيز
فقال: «ما انتجى قوم في دينهم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة»(11).
وهذه هي بداية كل بدعة في تاريخ
المسلمين، تبدأ بالنجوى، ثم يكون الاستدراج.
فالنجوى دون الجماعة في المفاهيم
التي هي من الدين، أو في خلع الطاعة الشرعية التي هي من الدين أيضًا، والتي بسببها
سمي الخوارج الخالعين للطاعة: مبتدعة، يقرن ذكرهم بالجهمية والمرجئة، كل ذلك ضلالة
داخلة في قول عمر.
ولا تغير النية الصالحة في طبيعة
النجوى أو تسحب عليها ذيل الصلاح تبعًا، ولا ادعاء الاجتهاد وطلبه من خلالها، فإن
الاجتهاد لا يترعرع سرًا، لاحتياجه دومًا إلى التقويم، وإلى الشهادة له أو عليه من
قبل الآخرين، وليس يتاح ذلك في أجواء التناجي المتواري المستخفي الذي يشبه
التهامس.
ولقد أظهرت لنا التجارب الكثيرة
أن معظم التناجي يؤدي إلى الخروج ونكث البيعة، ولا يتجاوز أن يكون مرحلة أولية
للماشي في درب الفتنة، درى أو لم يدر، ولا تتجاوز حجة المتناجي أن تكون هي نفسها
حجة الخارج، كلاهما يدعي أنه يريد مصلحة الإسلام، وأنه يمارس ضربًا من العبادة،
والخطأ يلفهما لفًا.
كل الخوارج مخطٍ في مقالته وإن تعبد فيما قال
واجتهدا
وتقريرات سيد قطب -رحمه الله-
لمجالات النجوى المذمومة في القرآن الكريم تلتقي مع هذا الذي نقول، ويذهب لأبعد
ممن يتوهم أن الله تعالى قد ذم النجوى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط،
فهو يعقب على الآية الكريمة: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا
مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِۚ وَمَن
يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ (النساء: 114).
فيقول: «لقد تكرر في القرآن النهي
عن النجوى، وهي أن تجتمع طائفة بعيدًا عن الجماعة المسلمة وعن القيادة المسلمة، لتبيت
أمرًا، وكان اتجاه التربية الإسلامية، واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل
إنسان بمشكلته أو بموضوعه، فيعرضه على النبي صلى الله عليه وسلم، مسارة إن كان
أمرًا شخصيًا لا يريد أن يشيع عنه في الناس، أو مسألة علنية إن كان من الموضوعات
ذات الصبغة العامة، التي ليست من خصوصيات هذا الشخص.
والحكمة في هذه الخطة، هو ألا
تتكون جيوب في الجماعة المسلمة، وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها، أو
بأفكارها واتجاهاتها، وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمرًا بليل، وتواجه به
الجماعة أمرًا مقررًا من قبل، أو تخفيه من الجماعة وتستخفي به من أعينها، وإن كانت
لا تختفي به عن الله، وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول.
وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد
فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها.
ولقد كان المسجد هو ندوة الجماعة
المسلمة، تتلاقى فيه وتتجمع للصلاة ولشؤون الحياة، وكان المجتمع المسلم كله
مجتمعًا مفتوحًا، تعرض مشكلاته التي ليست بأسرار للقيادة في المعارك وغيرها، والتي
ليست بمسائل شخصية بحتة لا يحب أصحابها أن تلوكها الألسن عرضًا عامًا، وكان هذا
المجتمع المفتوح من ثم مجتمعًا نظيفًا طلق الهواء، لا يتجنبه ليبيت من وراء ظهره
إلا الذين يتآمرون عليه، أو على مبدأ من مبادئه -من المنافقين غالبًا- وكذلك
اقترنت النجوى بالمنافقين في معظم المواضع.
وهذه حقيقة تنفعنا، فالمجتمع
المسلم يجب أن يكون بريئًا من هذه الظاهرة، وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم
العامة بما يخطر لهم من الخواطر، أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات»(12).
وهكذا يخرج الموفق من ضيق مجلس
النجوى إلى رحاب التشاور الواسعة وبهجة الإصلاح بين الناس، ابتغاء مرضاة الله،
والله نور السموات والأرض، فيجعل الله له نورًا جديدًا، يزيد قوة إبصاره، ويشجعه
على سرعة الفرار إلى الله، فيمر في محاذاة مصباحه، مصباح هذا النور الجديد، ويلتفت
إليه ليحصي فضل الله عليه، فإذا هو:
النور الرابع عشر، المتدلي من
ثريا: حمل القلب على استقباح الفتن
فإن المرء مطالب بأن ينكر بقلبه
كل أنواع الفتن، وأن يستشعر عيبها، ولو لم يدخل طرفًا فيها، فإن الاستحسان يوشك أن
يغري صاحبه بالولوج.
لذلك لا يعد أحدنا بريئًا من هذه
الفتن تمام البراءة إلا بمثل هذا الاستقباح.
وقديمًا أبى شريح القاضي أن يمزج
نبله وفضله بشيء من آثار الفتن، فلبث تسع سنين كاملات معتزلًا فتنة القتال أيام
أرسل عبدالله بن الزبير أخاه مصعبًا ليقاتل عنه ويحكم العراق باسمه، كان شريح
خلالهن: «لا يخبر ولا يستخبر»، مع أن ابن الزبير كان له من التأويل الصادق أكثر من
غيره، فقيل لشريح: «قد سلمت! قال: فكيف بالهوى»(13)، وكان هواه مع ابن الزبير.
أي إنه كان يتهم نفسه بعدم
البراءة وإن لم يشترك في قتال أو يقف خطيبًا مؤيدًا، لأن قلبه كان يميل إلى ابن
الزبير.
فإذا كان شأن مجرد الميل القلبي
كذلك، فمن باب أولى أن تكون موالاة أهل الفتنة، والتصريح بالرضا عن فعلهم، كالدخول
في فتنتهم نفسها، أو منزلة قريبة من الدخول، وإن أبقى الراضي لنفسه صورة الوفاء
بالبيعة، ولم ينسب نفسه إلى جمهور المفتونين.
وخلال سرد الإمام أحمد لأوصاف
الزهد وطبقات الزهاد وعظنا موعظة صريحة، أحيا بها فقه الحسن البصري إمام التابعين،
فروى استفتاء التابعي عبدالواحد بن زيد للحسن، قال عبدالواحد: «قلت للحسن: يا أبا
سعيد: أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه!
قال: يا ابن أخي: كم يدًا عقرت
الناقة؟
قلت: يد واحدة.
قال: أليس قد هلك القوم جميعًا
برضاهم وتماليهم؟»(14).
وابن المهلب هذا هو يزيد بن
المهلب بن أبي صفرة البطل مبيد الخوارج، أعجبته نفسه، وغره ما ورثه من جاه أبيه،
فعشق الرئاسة، فأعلن الانفصال عن الدولة الإسلامية الفتية.
فالموالاة كالدخول، ليس من فرق
بينهما عند رأس فقهاء التابعين بإحسان.
وهي كذلك عند الذين بعده، فجعل
بعضهم استئناس المرء وصحبته للمتخلقين بأخلاق المفتونين مسوغًا لنا لتصنيفنا إياهم
معهم، فقال:
* دليل وحشتهم: أنسهم
بالمستوحشين.
* ودليل بطالتهم: صحبتهم
للبطالين.
* ودليل تخليطهم: صحبتهم
للمخلطين.
ولعمرو الله ما تجنى ولا ظلم.
فالعمل الإسلامي رحب، كله أجر
ومثوبة ونور، ولمثله يبتسم العاقل مستبشرًا، فإن استوحش بعض من يدعيه، وعبس وبسر،
ثم استأنس بوحشة آخر: فإنه شريكه دون ريب.
وهذه الفتن كلها بطالة وسلبيات،
وقعود عن العمل وانزواء، وانحدار تدريجي نحو الركود، ثم سبات وخفوق، وصاحب أصحابها
منهم دون ريب.
وهي كلها استعارات، وترقيعات،
ومزج للباطل بالحق، وتدخين وتخليط، ومن رضي أن يقعد بباب دكان صاحبه الحداد،
لتطربه الأنغام النشاز التي تبعثها مطارق الحدادين، فلا يعجبن إن ظنه الناس
حدادًا.
الهوامش:
1 صحيح البخاري 1 / 15.
2 فتح الباري 1 / 92.
3 مجموع الفتاوى 10 / 301 / 302.
4 مجموع الفتاوى 10 / 301 / 302.
5 كتاب الزهد لابن المبارك / 490.
6 صحيح البخاري 1 / 35.
7 حلية الأولياء 2 / 99، 4 / 83،
2 / 294، 2 / 229.
8 حلية الأولياء 2 / 99، 4 / 83،
2 / 294، 2 / 229.
9 حلية الأولياء 2 / 99، 4 / 83،
2 / 294، 2 / 229.
10 حلية الأولياء 2 / 99، 4 / 83،
2 / 294، 2 / 229.
11 كتاب الزهد للإمام أحمد / 291.
12 في ظلال القرآن 5 / 226.
13 طبقات ابن سعد 6 / 141.
14 كتاب الزهد للإمام أحمد / 289.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل