; "داعش".. الطاعون القادم! | مجلة المجتمع

العنوان "داعش".. الطاعون القادم!

الكاتب محمد الطائي

تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2015

مشاهدات 57

نشر في العدد 2086

نشر في الصفحة 25

السبت 01-أغسطس-2015

"داعش" هو الضربة الاستباقية لأي توجه يحمل بين طيات فكره ومنهاجه إسلاماً معتدلاً أو فكراً وسطياً بنَّاءً

الدور الأكثر خبثاً وخطورة لـ "داعش" يتمثل في تمهيده لحرب طائفية تبرر الانقضاض على المكون العربي السُّني خاصة في العراق ودول الخليج

"داعش" إحدى أوراق شيطنة الثورات وإجهاضها بوضع المجتمعات العربية المنهكة بين خيارين لا ثالث لهما إما التطرف أو الإذعان والعودة للأنظمة العميلة

لم تكن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) بدعاً من الحركات المسلحة المتطرفة التي ظهرت في المنطقة منذ عقود، فمنذ وأد حلم إقامة دولة مسلمة في أفغانستان، مروراً بما كان بعد احتلال العراق، ومن ثم سرقة حلم الأمة العربية في ربيعها، وصولاً إلى ما نعيشه اليوم من دفع آثم لحشر الأمة وإدخالها في دهاليز الطائفية والتهديد والإرجاف، مسلسل يعاد بلا ملل ولا كلل كلما دعت له حاجة المتربصين. 

فـ "داعش" اليوم ليس أكثر من نسخة جديدة معدلة من تلك النسخ الهدامة بصفات ظاهرها قد يختلف عن سابقاتها، ولكن باطنها من قبله ذات العذاب أو يزيد!

دور "داعش" في المنطقة

ليس من الحكمة الآن أن ندخل في متاهة نشأة "داعش".. فدولية الصنع كانت أم إقليمية أم محلية؟ وإيرانية التوجه كانت أم أمريكية؟ كل هذا لا يهمنا اليوم وقد وقع المحظور وصار واجب الوقت إطفاء هذه النار التي شبت في جل أوطاننا.

ولعل من أصدق ما وُصف به "داعش" أنه المارد الذي يسكن فانوس العدو المتربص بهذه الأمة وبإسلامها السياسي المعتدل، بل وبحقها في العيش الكريم، وقد حفظت كيانها ووجودها وعقيدتها، فكلما نضجت ثمرة من ثمار هذا الإسلام السياسي أو حتى التيار السُّني المعتدل الذي يهدد مصالح المتربصين؛ فُرك ذلك الفانوس السحري ليخرج منه المارد بقولته: "شبيك لبيك.. فصيل متطرف بين يديك"!

فعملية منع وصول الإسلاميين المعتدلين إلى مراكز القرار في دولهم، ومحاولة شيطنة توجهاتهم، وإلصاق تهم الإرهاب والتطرف بهم، وإشاعة أكذوبة عدم قدرتهم على التعايش مع الآخرين؛ كانت أحد الأهداف الرئيسة من نشوء (أو إنشاء) تلك الجماعات.

فـ "داعش" مشروع سياسي وإن تطاير منه شرر السلاح وتعالت منه أصوات القتال، فما أن يهدأ فيه غبار النزال وتضع غمار الحرب أوزارها حتى نجد الغايات السياسية المرجوة منه وقد تحققت على أكمل وجه.

ولعل إثارة السؤال المشهور: من وراء "داعش"؟ بحد ذاته اليوم هو مؤامرة أخرى لمحاولة تشتيت الأنظار عن السبب الحقيقي لوجوده والذي لم يعد غريباً عن الكثير.. إن "داعش" هو الضربة الاستباقية لأي توجه أو حركة أو جماعة أو حزب يحمل بين طيات فكره ومنهاجه إسلاماً معتدلاً أو فكراً وسطياً بنَّاءً، فالمتربصون يدركون أن هذا التغيير إن حصل فإنه سيعيد ترتيب الأوراق في المنطقة ككل، فتضرب تلك المصالح الخبيثة التي بنيت على حسابنا في غفلة من الزمن، فيفضح المفضوح (ولا أقول المستور).. من هنا، فإن الأيادي العابثة في وطننا العربي قد دخلت مبكراً على الثورات العربية لترتب مسار تلك الثورات، وتستدعي كل قواها من أجل إجهاضها وشيطنتها، وما "داعش" إلا ورقة من أوراق تلك الشيطنة لتكون آخر الدواء، فتضع المجتمعات العربية المنهكة والمشوشة بين خيارين لا ثالث لهما؛ إما التطرف الذي لن يبقي ولن يذر، أو الإذعان والعودة للأنظمة العميلة والقبول بها على علتها.

خاصة وأن ملامح مشروع "داعش" في التعامل مع الجمهور والسلطة أصبح واضحاً من خلال استعباد الجماهير واحتكار السلطة، فهم لا يتحملون المنافس لهم مجتمعياً ولا المشارك لهم في القيادة وإن كان يعمل على مسارهم ويحمل أهدافهم، من هنا سارعوا إلى اجتثاث جل المنافسين لهم، وهم:

أولاً: منافس لهم في السلاح (المقاتلون من الفصائل المسلحة الأخرى).

ثانياً: المنافسون في الفكر (الأئمة والخطباء ورجال الدين).

ثالثاً: المنافسون لهم في المجتمع (الوجهاء وأساتذة الجامعة والأعيان).

"داعش" والدور الجديد

لكن مع تسارع أحداث العراق الجديدة بعد احتلال "داعش" لمدينة الموصل، ومن ثم ثلث مساحة العراق في منتصف العام الماضي، وما أعقبها من أحداث تفجيرات السعودية، ومن ثم ما كان من تفجير مسجد الصادق في الكويت، ولعل آخرها ما كان من اعتقال الأردن لخلية إرهابية يديرها عراقي تابع لفيلق القدس الإيراني (وما بينها الكثير من الأحداث)، ظهر الدور الأكثر خبثاً وخطورة لـ "داعش" في كونه يمهد لحرب طائفية تبرر الانقضاض على المكون العربي السُّني في المنطقة وخاصة في العراق ودول الخليج، وإن كانت الكويت بحكمتها قد استوعبت أخيراً تلك الفتنة التي أرادوا أن يوقدوها في واحدة من أهدأ المجتمعات العربية، فإن حدثاً مثل هذا قد لا يمكن استيعابه في البحرين مثلاً أو حتى في سائر بلدان الخليج خاصة إن تكرر.

لقد توهم الكثير ومنهم جل دول الخليج العربي حين تصوروا أنهم بعيدون عن "داعش" ليس في المسافة فحسب، بل بالمخططات والاستهداف وقد زاد وهمهم مع:

1- التوعد الأمريكي للقضاء على "داعش".

2- التقاطع العقائدي والطائفي بين إيران و"داعش".

3- الحملة الدولية ضد الإرهاب متمثلاً في "داعش".

4- الطبيعة المستقرة لشعوب الخليج العربي.

أنا لا أقول: إن ما يحصل اليوم هو مجرد تقسيم جديد للمنطقة بقدر ما أقول: إننا أمسينا ملفات ثانوية على طاولة تفاوض الطامعين، نباع ونشترى بكل ما تحمل كلمة البيع من معانٍ وأبعاد وأمام الزهد الأمريكي بالعلاقات الواهمة مع العرب، ومع حرص إدارة "أوباما" على إتمام الاتفاق النووي مع إيران بأي ثمن، نجد أنفسنا سلعاً للمقايضة، وما "داعش" إلا الأداة الخبيثة التي تُستدعى للتمهيد لمثل هذه الصفقات.

فـ "داعش" اليوم انتقل في أدواره من تقويض أحلام شعوب المنطقة في الخلاص من الظلم والإذلال الذي تعيش، إلى مرحلة تمزيق طائفي خطير يبرر لإيران التدخل في عقر ديارنا بحجة نصرة المظلومين، والخاسر الوحيد في هذه الصفحة هم أهل السُّنة (في العراق وسورية والخليج العربي)، وهذا ما يحتاج من حكومات الخليج خاصة إلى حلف حقيقي يقف في وجه هذا التوجه الخطير، حلف يتجاوز القيادات والحكام ليشمل التيارات الموالية للوطن والعروبة.

"داعش" والشباب العربي

ولعل العنوان الأبرز الذي يثار اليوم هو في تأثر الشباب العربي بفكر "داعش"، ففي الوقت الذي عجزت فيه الشعوب عن إيجاد أي حل سلمي أو سياسي مع الأنظمة الطائفية والظالمة التي تحكمها (العراق، وسورية)، وجد "داعش" من هذا المأزق فرصته الذهبية ليقدم نفسه كمشروع بديل واضح المعالم (مع تحفظنا على كلمة مشروع)، وكان لمشروع "داعش" في الولوج إلى قلوب الشباب قبل عقولهم خطوات مدروسة تمثلت في مرحلتين مهمتين:

الأولى: الجهد الإعلامي المحترف، حيث اللعب على عواطف الشباب وإثارة مشاعر الغيرة والحمية لديهم، ومما ساعد على نجاح مثل هذا الجهد ما كان من اختيار صحيح لأكثر وسائل التواصل الاجتماعي انتشاراً وتأثيراً، أضف إلى ذلك الاختيار الدقيق للحرفيين في هذا الميدان، ثم أضف له أخيراً الاعتماد على وسائل الترويج والتسويق المؤثرة.

الثانية: مرحلة إثبات الذات الذي يمارسه "داعش" مع من ينجرف لمخططاته حيث الحرية في اختيار المكان ونوع المهمة التي يرون تنفيذها، يضاف إلى ذلك تعزيز روح القيادة وترسيخ معاني النصر في نفوس المغرر بهم.

وفي استبيان خاص بـ "المجتمع" قام به معهد تواصل للعلاقات العامة والإعلام لبيان تأثير فكر "داعش" على شريحة الشباب والأسباب الداعية لذلك التأثر، عمد المعهد إلى اختيار عينة من 50 شاباً من الذكور من أهل السُّنة في بغداد في المرحلة العمرية (ما بين 18 - 23 عاماً) وفي مراحل دراسية متنوعة، وقام المعهد بطرح السؤال الآتي على أفراد تلك العينة العشوائية (كل على حدة): هل تعتقد أن في مشروع "داعش" إنقاذاً لأهل السُّنة؟ ولماذا؟

وأظهرت النتائج أن 41 من الشباب كانت إجابتهم بـ "لا"؛ أي ما يعادل نسبة 82% من الشريحة المستهدفة، بينما كانت إجابة 9 فقط منهم بـ "نعم"؛ أي بنسبة 18%.

وبعد تحليل إجابات العينة وما ذكروه من أسباب لتك الإجابات توصل الباحثون في المعهد إلى النتائج الآتية:

أولاً: تعود أسباب تأييد 18% من عينة الشباب لفكر "داعش" إلى:

1- فقدان الثقة بالمسار السياسي والسلمي في التعامل مع الواقع المرير.

2- طغيان المشروع الطائفي الاستئصالي المستهدف لأهل السُّنة.

3- تأثير الخطاب الديني لـ "داعش" على عواطفهم.

ثانياً: تعود أسباب رفض 82% من عينة الشباب لفكر "داعش" إلى:

1- جرائم "داعش" في المحافظات السُّنية.

2- ربط مشروع "داعش" بالمشروع الإيراني.

3- عدم الثقة بوجود مشروع حقيقي متكامل لـ "داعش".

4- الفكر المتطرف لـ "داعش" والذي يتناقض مع وسطية الفكر الإسلامي.

الرابط المختصر :