; إرادة الإصلاح.. من هنا نبدأ؟! «2 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان إرادة الإصلاح.. من هنا نبدأ؟! «2 من 2»

الكاتب د. محمد يتيم

تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008

مشاهدات 77

نشر في العدد 1792

نشر في الصفحة 66

السبت 08-مارس-2008

قدمنا في المقال السابق أمثلة من الحقائق التي ذكرها القرآن عن الصراع القائم بين الخير والشر، والسنن الكونية التي لا تتخلف في العراك القائم بين نوازع الخير ونوازع الشر في إصلاح المجتمع، وتطبيقًا لهذه الحقائق في سياقنا نقول:

أولًا: إن التزكية الذاتية؛ وخاصة من قبل المنتسبين لحقل الدعوة، مسألة مطلوبة باستمرار انطلاقًا من بدهية الصراع المتواصل والمستمر بين نوازع الخير ونوازع الشر في نفس الإنسان أيا كان هذا الإنسان - وكيف لا؟ والله تعالى يأمر خير البشرية بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99)، ويأمر المسلمين المؤمنين المتقين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (النساء: 136)، وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102). 

ثانيًا: إن وجود حركات وهيئات ومؤسسات للدعوة والإصلاح داخل المجتمعات مسألة صحية بل وضرورة اجتماعية؛ لأنها تشكل في الحقيقة ضمير الأمة الذي ينبهها إلى عيوبها وإلى ما يهدد استقرارها الأخلاقي والاجتماعي، وذلك ما يؤكده قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)، وإن المنظمات الأهلية المعاصرة التي تشتغل اليوم في مجال التوعية الدينية، أو في مجال حقوق الإنسان أو في مجال حماية المستهلك، أو في مجال حماية الأخلاق العامة أو غيرها من المجالات مسألة مطلوبة، بل إنها آلية حضارية تمكن المجتمع من حماية نفسه من الآفات والأمراض الاجتماعية. 

ثالثًا: إن تعقد الدولة المعاصرة وطابعها المركب وتشعب مؤسساتها يجعل من أهم المداخل لحماية استقرارها الجماعي «المدخل القانوني السياسي»؛ لذلك فإن التدافع السياسي من أجل إقامة دولة الحق والقانون وصيانة الحقوق والحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية ومقاومة الاستبداد السياسي وتخليق الحياة العامة وتوسيع مشاركة المواطنين في الحياة العامة واستعادة مصداقية المؤسسات، ومقاومة اقتصاد الريع «الفائدة» حتى تبنى الحياة الاقتصادية على المنافسة الشريفة، ويتم تحرير الاقتصاد صدقًا وفعلًا لا شعارًا وقولًا، هو مجال آخر من مجالات تدافع الفساد والإصلاح. 

ودون إرادة إصلاح تتجلى في هذه المجالات تتكامل وتتعاون فلا مجال للتصدي لإرادة الفساد ومنسوب الفساد داخل المجتمع، بل إنه بدون ذلك يكثر الخبث ويتنامى ويصبح الاستقرار الاجتماعي مهددًا.

 وفي كل الحالات فإن صلاح القائمين على الإصلاح هو شرط كل تدافع؛ لأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وفي هذا يبقى للعمل التربوي والدعوي امتياز أنه يخاطب فطرة الإنسان، ويحاول تنمية دوافع الخير في الإنسان وإرادة الإصلاح في الإنسان - ألم يقل الحق سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204).

والذين يريدون إسكات صوت الإصلاح بدعوى الحرية، أو بدعوى أن الدين قضية بين الإنسان وربه لا دخل لها في شؤون الإصلاح الاجتماعي، ويسعون إلى قلب الطاولة على إرادات الإصلاح، ليسوا بدعًا من الأمم، فقد سبقهم إلى ذلك قوم شعيب حينا استنكروا عليه أن يأمرهم بالوفاء في الكيل والميزان قائلين: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هود: 87).

إنهم بذلك يسعون في الحقيقة إلى تجريد الجامع من مقومات منعته ودفاعه عن وجوده وهم بذلك الصنيع يهدمون الفطرة البشرية التي فطر الله عليها الناس في تعبدهم لربهم ويجرونهم جرًا إلى العاقبة الحتمية المتضمنة هلكتهم ودمارهم؛ فتكرر قصة البشرية في عصيانها لربها واستحقاقها لما يحيق بها من العذاب؛ فهل ترعوي عن غيها وترجع قبل فوات الأوان، ولات حين مندم!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل